حذر خبيران في مجال الموارد المائية من أن المغرب يعيش مرحلة تحول عميقة في منظومته المائية نتيجة تزايد التقلبات المناخية، في ظل تعاقب سنوات الجفاف الحاد مع موجات أمطار وفيضانات قوية باتت تضغط بشكل متزايد على البنيات التحتية والموارد المائية المتاحة.
وأوضح الدكتور حسن أبو النجا، المستشار الاستراتيجي بالتحالف العالمي للتكيف مع المياه، إلى جانب شرفات أفيلال، الوزيرة المغربية السابقة المكلفة بالماء والخبيرة الدولية في الموارد المائية، أن المملكة تواجه واقعا هيدرولوجيا جديدا يتميز بتراجع فترات الاستقرار المناخي التي عرفتها لعقود، مقابل تزايد الظواهر المناخية المتطرفة.
وأشار الخبيران إلى أن المغرب شهد خلال السنوات السبع الأخيرة موجة جفاف متواصلة أثرت بشكل مباشر على المخزون المائي في عدد من الأحواض والسدود الرئيسية، بينما كشفت الأمطار الغزيرة والفيضانات الأخيرة عن تحديات إضافية مرتبطة بسرعة جريان المياه وصعوبة استغلالها أو تخزينها بشكل فعال.
ويرى معدا التقرير أن المغرب أصبح يواجه ما وصفاه بـ”الخسارة المزدوجة للمياه”، حيث تتعرض الموارد المائية للاستنزاف خلال فترات الجفاف الطويلة، في الوقت الذي تضيع فيه كميات مهمة من مياه الأمطار بسبب الجريان السطحي السريع خلال الفيضانات، مع محدودية فرص التخزين وإعادة الاستخدام.
وأكد التقرير أن الضغوط المائية لا ترتبط بالعوامل المناخية فقط، بل تتأثر أيضا بالبنية الاقتصادية وأنماط الاستهلاك، إذ يستحوذ القطاع الفلاحي على نحو 86 في المائة من إجمالي الموارد المائية المستعملة، مع مساهمته بنسبة تصل إلى 20 في المائة من الناتج الداخلي الخام ودوره المحوري في توفير فرص الشغل بالمناطق القروية.
وأضاف أن آثار الإجهاد المائي أصبحت واضحة على النشاط الزراعي من خلال تراجع الإنتاجية وتغير أنماط الزراعات وارتفاع الاعتماد على الواردات الغذائية لتغطية بعض الاحتياجات الأساسية.
وفي ما يتعلق بالمياه الجوفية، أوضح التقرير أنها لا تزال تمثل ركيزة أساسية لدعم الأمن المائي، إلا أنها تواجه ضغوطاً متزايدة بسبب الاستغلال المكثف والتوسع الزراعي، ما أدى في بعض المناطق الساحلية إلى تنامي مخاطر تسرب المياه المالحة إلى الفرشات المائية وتدهور جودة المياه.
ورغم الإشادة بالدور الذي لعبته السدود المغربية في تدبير الموارد المائية على مدى عقود، أشار الخبيران إلى أن تغير الظروف المناخية وتراجع الواردات المائية جعلا العديد من المنشآت تعمل في مستويات أقل من طاقتها المثلى، ما يفرض البحث عن حلول مكملة وأكثر مرونة.
كما لفت التقرير إلى أن الفيضانات الأخيرة أظهرت الحاجة إلى تحديث أنظمة التخطيط والتدبير المائي لتتلاءم مع واقع مناخي أكثر تقلبا، مشددا على أهمية تعزيز قدرات التخزين وتحسين إعادة تغذية المياه الجوفية وتطوير بنيات تحتية أكثر قدرة على استيعاب الظواهر المناخية القصوى.
ودعا الخبيران إلى تبني نموذج جديد لحوكمة المياه يعتمد على البيانات والرقمنة والاستشراف المبكر، من خلال توظيف أنظمة المراقبة الحديثة والاستشعار عن بعد والتحليلات التنبؤية لدعم اتخاذ القرار.
وأشار التقرير إلى أن استثمارات المغرب في الطاقات المتجددة تتيح فرصا مهمة لتعزيز الربط بين قطاعي الماء والطاقة، خاصة عبر توسيع مشاريع تحلية مياه البحر ومعالجة المياه العادمة باستخدام مصادر طاقة منخفضة الانبعاثات.
كما شدد على ضرورة رفع كفاءة أنظمة الري، وتوسيع إعادة استخدام المياه المعالجة، ودعم الزراعات القادرة على التكيف مع التغيرات المناخية، إلى جانب اعتماد حلول قائمة على الطبيعة تشمل إعادة تأهيل الأحواض المائية والأنظمة البيئية بما يعزز تغذية الفرشات المائية والحد من مخاطر الجريان السطحي.
وخلص التقرير إلى أن التجربة المغربية تمثل نموذجا مهما للعديد من الدول شبه الجافة المطلة على البحر الأبيض المتوسط، حيث تواجه تحديات مشابهة مرتبطة بتزايد موجات الجفاف والفيضانات في آن واحد، مؤكدا أن الدروس المستخلصة من مسار المغرب في التكيف مع هذه التحولات يمكن أن تشكل مرجعا دوليا في مجال إدارة الموارد المائية ومواجهة آثار التغير المناخي.



تعليقات الزوار ( 0 )