أصبح المنديل الورقي أو ما يسمى كلينكس مظهرا لصيقا بحياة المغاربة سواء بالمدن أو المراكز الحضرية وحتى بالقرى والمداشر. في حين توارى المنديل القماشي أو ما كان يسمى الموشوار Mouchoir إلى الخلف بعدما عوضه وحل محله انتشار المنديل الورقي كلينكس. حيث انتشر بيع المناديل الورقية خلال العقود الأخيرة ، وأصبح يستعمل بشكل يومي من طرف مختلف شرائح المجتمع ، الشيء الذي يظهر من الكميات الكبرى من كلينكس في النفايات والقمامات التي ترمى في الشوارع أو الأزقة . بل أصبح من بين أحد المنتجات المستهلكة الرئيسية التي تباع ليس فقط في المحلات التجارية الصغرى والكبرى بل أيضا من طرف الباعة المتجولين . بل تحول إلى شكل من أشكال “التسول المقنّع” في عدة مدن مغربية.
الحياة العصرية واستعمال المغاربة للمنديل
شكلت فترة الحماية الفرنسية والإسبانية في المغرب مرحلة انتقالية كبرى أدت إلى تغييرات اجتماعية وثقافية ملحوظة في الحياة الاجتماعية ، بما في ذلك إدخال تغييرات على المظهر الخارجي واللباس اليومي للمغاربة. بعدما نقل الأوروبيون خاصة المعمرون الفرنسيون معهم عاداتهم الخاصة ومن بينها استخدام “المنديل” (Handkerchief. Mouchoir ). فمع استقرار الأوربيين وتزايد الاحتكاك بهم في المدن (مثل الدار البيضاء، الرباط، وفاس)، بدأ المنديل الأبيض القماشي ينتشر كوسيلة عصرية للنظافة الشخصية من مسح العرق، أو تغطية الفم، خاصة بين الفئات النخبوية والطبقة المتوسطة المتأثرة بالثقافة الفرنسية.كما ارتبط المنديل في أوساط الموظفين المغاربة والمثقفين (المتأوربين) بالأناقة، حيث كان يوضع في جيب الجلابة أو “السترة” (الجاكيت) كإكسسوار يبرز التمدن، متجاوزاً وظيفته النفعية.فقد جاء إدخال المنديل في الحياة الاجتماعية بالمغرب في سياق التحديث اللباسي و في إطار تحولات أعمق شملت اللباس المغربي، حيث أثر الاستيطان الأوروبي على أنماط الاستهلاك، وأصبح اللباس الممزوج بين العصري والتقليدي (مثل ارتداء الطربوش والمنديل مع الجلابة) علامة اجتماعية في تلك الحقبة. وقد بقي استخدام المنديل في البداية مقتصراً على المراكز الحضرية الكبرى ومناطق النفوذ الفرنسي، بينما استمرت العادات التقليدية في المناطق القروية .فعلى الرغم من أن بعض المظاهر التقليدية المغربية ظلت قوية، إلا أن المنديل استطاع أن يجد مكاناً له في المظهر اليومي للمغربي العصراني خلال فترة الحماية
وهكذا بقي هذا “السلوك اللباسي” مترسخا حتى بعد استقلال المغرب خاصة لدى ساكنة المدن وذلك طيلة عقود منتصف الخمسينيات إلى منتصف تسعينيات القرن 20. حيث تخلى المغاربة عن المناديل القماشية التقليدية لصالح المناديل الورقية (“اكلينكس”) بشكل أساسي لأسباب تتعلق بـ النظافة والوقاية الصحية كتجنب نقل الجراثيم والفيروسات ، وكذا لعدم الحاجة لغسلها والاكتفاء برميها بعد الاستعمال ، بالإضافة إلى رخص ثمنها وتنوع أشكالها .مما جعلها عادة يومية أساسية. إذ أصبح يعد استعمال “كلينكس” في المغرب، جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية، حيث تتنوع استخداماتها بين النظافة الشخصية والاستخدامات الصحية. إذ تستخدم على نطاق واسع في مسح الأيدي، والوجوه، وتجفيف العرق، خاصة في الأماكن العامة. أو لتجنب الجراثيم حيث تستخدمها النساء خاصة لوضعها على كراسي المراحيض العمومية لتجنب ملامسة الجراثيم. وبالتالي أصبحت المناديل الورقية مادة استهلاكية أساسية، تعكس عادات النظافة، وتدخل في صلب التعاملات الاجتماعية واليومية للمغاربة.
الحياة الاستهلاكية وتراجع استعمال المغاربة للمنديل
أصبح من النادر أن ترى مغربيا أو مغربية سواء كان شابا أو كهلا وحتى شيخا يلجأ إلى استعمال المنديل القماشي ليس فقط لعدم رغبته في ذلك بل أيضا لاختفاء المحلات أو الأماكن التي يمكن أن تبيع مثل هذا النوع من المناديل القماشية . مما أفقد المغاربة مظهرا من مظاهر حياتهم العصرية المتمثلة ليس فقط في الاستعمال الصحي لهذا النوع من المناديل بل أيضا في التخلي عن مظهر من مظاهر هويتهم الشخصية وأناقتهم اللباسية . إذ تتنوع استعمالات المنديل (القماشي) بين الجوانب الوظيفية كمسح العرق والنظافة الشخصية، وبين الجوانب الجمالية في اللباس، حيث كان يعد قطعة أساسية للأناقة. يستخدم لمسح العرق من الوجه واليدين. كما يضفي لمسة رقي عند وضعه في جيب البدلة العصرية التي كانت تمثل مظهرا من مظاهر الحياة العصرية وكان يتم الحرص في بعض الأحيان على أن يكون لون المنديل متسقا مع لون البذلة أو ربطة العنق بل كانت المنديل لصيقا بخياطة البذلة وارتدائها .فمنديل الجيب (Pocket Square): ) سواء كان من حرير، أو كتان، أو قطن و بألوان متناسقة أخرى كان يوضع في جيب البدلة العلوي كعنصر أساسي للأناقة الكلاسيكية بالإضافة إلى أنه كان يتم تقديم هذه المناديل كهدية في المناسبات الاجتماعية. لكن يبدو أن تغير النمط الاجتماعي للمغاربة واندماجهم في النمط الاستهلاكي ، قد سرع من الاعتماد على المنديل القماشي ، الذي كان يعتبر جزءاً من النظافة و الأناقة سابقاً. فمع ظهور منتجات تعقيم ونظافة عصرية، أصبح استخدام المناديل الورقية ا أكثر دلالة على “الاتيكيت” والنظافة الشخصية. بالإضافة إلى أنه في ظل انتشار الأوبئة والفيروسات، زاد الوعي بضرورة استخدام المناديل الورقية عند العطس أو السعال، مما يجعلها وسيلة وقائية فعالة ومتاحة للجميع. في حين أن علماء من جامعة كارديف البريطانية قد أكدوا بأن استخدام المناديل الورقية لتجفيف الأنف يعد الأكثر ملاءمة للوهلة الأولى، إلا أن الخبراء يذكّرون دائما بأن المواد الخام التي تستخدم في صناعة المناديل الورقية يتم معالجتها بمواد كيميائية كالكلور والجير الصناعي ومواد أخرى تكون شديدة السمية على جسم الإنسان. كما حذر هؤلاء الخبراء أيضا من ضرر المناديل الورقية على الأشخاص ذوي المناعة الضعيفة، لأنها تسبب لهم ردود فعل تحسسية شديدة خاصة إذا كانت تحتوي على أصباغ ونكهات صناعية. حيث تؤدي المواد الورقية الصناعية إلى التهاب الغشاء المخاطي لأجزاء الجهاز التنفسي لدى الإنسان، ويمكن أن تتسبب بعدوى الأمراض المنتقلة عبر الهواء.لذلك ينصح الأطباء باستخدام المناديل القماشية التقليدية لأنها مصنوعة من أنسجة طبيعية لينة، تتعقم بسرعة لدى غسلها بعد الاستخدام اليومي ولا تثير أمراض الحساسية المعروفة.
وبالتالي ، فإن العودة إلى استعمال المنديل القماشي لا يعني فقط إنعاشا اقتصاديا لمصانع كانت تخيط أنواعا مختلفة من المناديل وخلق فرص عمل للعديد من الأيدي العاملة ، وتجنب الأكوام المكومة من بقايا المناديل الورقية مع ما ينجم عن ذلك من إضرار بالبيئة ، بل هو أيضا استرجاع لسلوك لباسي كان يعكس الهوية الشخصية لكل فرد وأيضا ارتباطا ليس فقط بظاهرة لباسية أوربية بل أيضا رجوعا إلى موروث لباسي عربي وإسلامي صميم . فقد جاء في كتاب “عيون الأثر” بأن الرسول الكريم كان لديه منديل يمسح به وجهه من العرق . كما أنه من المعروف تاريخيا بأن استخدام المنديل قد كان شائعا في العصر العباسي ، حيث ذكر د. صلاح حسين العبيدي في كتابه “الملابس العربية في العصر العباسي”، بأنّه قد وجِد في خزانة هارون الرشيد أربعة آلاف زوج خفاف أكثرها مبطنًا بالوبر، في كل خف منها سكين ومنديل. كذلك ذكر ابن بطوطة في رحلته المنديل. بينما جاء ذكر استخدام المنديل لمسح الدموع في “ألف ليلة وليلة”. من هنا يمكن في إطار” توازن لباسي” أن يزاوج المرء بين استعمال المناديل الورقية في أغراض نظافة صحية آنية كمسح العرق من الوجه، والجبين، واليدين، خاصة في فصل الصيف أو بعد بذل مجهود أوالتقاط العطس أو السعال. في حين يتم استخدام المناديل القماشية لتنظيف النظارات، أو تجفيف اليدين، بالإضافة إلى استعمالها كاكسسوار للأناقة والتمدن.



تعليقات الزوار ( 0 )