تشهد الأسواق العالمية حالة ترقب حاد مع اتساع رقعة المواجهات في الشرق الأوسط، في ظل مخاوف من اضطراب إمدادات الطاقة وارتفاع كلفة الشحن والتأمين والتمويل، وهذا التصعيد لا ينعكس فقط على أسعار النفط الخام، بل يمتد إلى مجمل سلاسل القيمة المرتبطة بالطاقة، بما يضع الدول المستوردة أمام تحديات مركبة تتجاوز منطق العرض والطلب التقليدي.
وبالنسبة للمغرب، الذي يعتمد بشكل كبير على الخارج لتأمين حاجياته الطاقية، تطرح هذه التطورات أسئلة جوهرية حول القدرة على امتصاص الصدمة دون الإخلال بالتوازنات المالية والاجتماعية، وعن إن كنا أمام أزمة عابرة يمكن تدبيرها بأدوات ظرفية، أم لحظة فارقة تفرض إعادة تسريع مسار الانتقال الطاقي وتغيير نموذج إدارة المخاطر.
-تسعير المخاطر
يبرز أمين سامي، المستشار الدولي في الاقتصاد والتخطيط الاستراتيجي وقيادة التغيير للشركات، أن التصعيد الحالي ليس خبرا عابرا، بل يمثل انتقالا من أخطار جيوسياسية إلى أخطار تسعير وتمويل وتأمين ونقل.
وقال سامي في تصريح لجريدة “الشعاع”، إن السوق اليوم لا يسعر فقط “سعر البرميل”، بل يسعر كذلك كلفة التأمين البحري، وتحويل المسارات، وتأخر الشحنات، وهوامش التكرير، خصوصا فيما يتعلق بالديزل.
وأردف أن هوامش التكرير تعني الفرق بين سعر النفط الخام وسعر المنتجات المكررة مثل الغازوال والديزل، وهي تتسع في أوقات الأزمات بسبب الضغط على قدرات التكرير وسلاسل التوزيع، لذلك قد ترتفع كلفة الطاقة على بلد مستورد حتى لو لم يقفز خام برنت بالنسبة نفسها.
وأوضح أنه حاليا، يدور سعر خام برنت حول نطاق 80 دولارا للبرميل مع قفزات لحظية أعلى، بينما تتحدث بعض السيناريوهات السوقية عن “ذيول سعرية” قد تصل إلى 140 أو 150 دولارا في حال تعطلت الإمدادات أو حركة العبور بشكل حاد، ولو لفترة مؤقتة، وهذا ما يجعل المخاطر غير خطية، أي أن الارتفاع قد يكون سريعاً ومفاجئاً.
-ضغط خارجي
يرى سامي أن ميزان الأداءات، وتحديدا الحساب الجاري، هو القناة الأساسية التي تنتقل عبرها صدمة “فاتورة الطاقة”، فالمغرب يستورد حوالي 90 في المئة من احتياجاته الطاقية، ما يعني أن أي ارتفاع في الأسعار يترجم سريعا إلى تدهور في صافي الحساب الجاري، ما لم تعوضه صادرات قوية أو انخفاض في الطلب الداخلي.
وأشار إلى أن صادرات الفوسفاط ومشتقاته يمكن أن تلعب دور “مصد الصدمات” عندما تكون الأسعار العالمية في صالحها، مبرزا أن بيانات مكتب الصرف تظهر تحسنا قويا في صادرات الفوسفاط ومشتقاته خلال 2025 (يناير–أكتوبر) بنحو 11.5 مليار درهم على أساس سنوي، ما يمنح هامش تخفيف جزئي للضغط الخارجي.
وأما من جهة “الوسادة التمويلية”، فيبرز سامي أن احتياطيات النقد الأجنبي، وفق بيانات بنك المغرب، بلغت حوالي 454.3 مليار درهم في فبراير 2026، بما يغطي قرابة خمسة أشهر و26 يوما من واردات السلع والخدمات.
واستطرد المستشار الدولي في الاقتصاد والتخطيط الاستراتيجي وقيادة التغيير للشركات، أن هذه وسادة مهمة لتفادي ذعر تمويلي قصير الأمد، لكنها ليست رخصة لاستنزاف الاحتياطي إذا تحولت الأزمة إلى نمط طويل.
-كلفة الميزانية
على مستوى المالية العمومية، يوضح سامي أن المغرب ألغى تاريخيا دعم المحروقات، باستثناء دعم غاز البوتان الذي يدار عبر صندوق المقاصة، ولذلك فإن الضغط على الميزانية لا يأتي غالبا من دعم البنزين أو الغازوال، بل من ارتفاع كلفة دعم البوتان والقمح والسكر إذا ارتفعت الأسعار الدولية.
واعتبر أن أي موجة تضخمية جديدة قد ترفع كلفة الاقتراض إذا ارتفعت العوائد، ما يزيد من عبء خدمة الدين، مشيرة إلى أنه إضافة لذلك، قد تضطر الدولة إلى توسيع برامج اجتماعية لامتصاص الغلاء، وهو ما يخلق ضغطا مزدوجا، اجتماعي ومالي.
وأكد على أن إدارة الأزمة تتطلب توازنا دقيقا بين حماية القدرة الشرائية والحفاظ على استدامة المالية العمومية، دون الانزلاق إلى دعم شامل مكلف وغير مستهدف.
-دعم ذكي
يشدد سامي على أن الفكرة ليست دعم السعر للجميع، لأنه مكلف ومشوه ويستفيد منه الأكثر دخلاً، بل دعم “الدخل والقدرة الشرائية” بدقة، مع تطوير أدوات سوقية لتقليل المخاطر.
وفي هذا السياق، يشير إلى أن المغرب بدأ فعليا مسار المساعدة الاجتماعية المباشرة عبر الاستهداف من خلال السجل الاجتماعي الموحد (RSU)، أي قاعدة بيانات وطنية تسمح بتحديد الأسر المستحقة للدعم بدقة.
وأبرز المستشار الدولي في الاقتصاد والتخطيط الاستراتيجي وقيادة التغيير للشركات، أن هذا النهج يمكن من تعويض الأسر الهشة جزئيا عن صدمة الغلاء دون العودة إلى دعم شامل للمحروقات.
ودعا إلى خفض “مكوّنات الصدمة” غير النفطية، عبر تشديد الرقابة التنافسية والحد من الهوامش غير المبررة في سلاسل التوزيع، وتسريع إصلاح النقل واللوجستيك لتقليل كلفة نقل الغذاء والسلع، لأن التضخم غالبا ما ينتقل عبر قناة المحروقات والنقل.
-تحوط وإدارة
يبرز سامي أنه من بين الأدوات المقترحة أيضا، اللجوء إلى التحوط المالي والتجاري من قبل الدولة والشركات الكبر، مثل المكتب الوطني للكهرباء وشركات النقل والمستوردين الكبار، باستخدام عقود آجلة أو خيارات ضمن حوكمة واضحة.
وأوضح المستشار الدولي في الاقتصاد والتخطيط الاستراتيجي وقيادة التغيير للشركات، أن التحوط هنا يعني تثبيت سعر مستقبلي عبر أدوات مالية، ما يحول صدمة السعر إلى كلفة تأمين محسوبة بدل عجز مفاجئ.
وأشار إلى أن مفهوم إدارة الطلب يبرز على الطاقة (Demand Response)، أي إدارة الاستهلاك بمرونة عبر إجراءات قصيرة المدى، مثل ترشيد استهلاك المؤسسات، وتحسين الكفاءة الطاقية في الإدارات والإنارة العمومية، وبرامج عاجلة للقطاع الصناعي. هذه الإجراءات تخفّض الفاتورة دون الحاجة إلى درهم دعم واحد.
وأكد على ضرورة اعتماد “قاعدة عدم الانزلاق” في المالية العمومية، أي أن أي توسيع اجتماعي مؤقت يجب أن يكون محددا زمنيا، وممولا عبر إعادة ترتيب نفقات أقل أولوية، ومرتبطاً بمؤشرات توقف تلقائي عند تراجع الأسعار.
-طوارئ وانتقال
يعتبر سامي أن الطوارئ والانتقال الطاقي ليسا خيارين متنافسين إذا صمما بشكل صحيح، بل متكاملين، مشيرا إلى أن الطوارئ تعالج الربع القادم من حيث السيولة والأسعار والضغط الاجتماعي، بينما يعالج الانتقال الطاقي أفق خمس سنوات قادمة عبر تقليص التبعية وتعزيز أمن الإمدادات.
واقترح خلال 90 يوما التركيز على الاستهداف الاجتماعي المباشر عبر “RSU“ بدل دعم السعر، ووضع خطة لوجستيك ونقل لتقليل انتقال الصدمة إلى أسعار الغذاء، إضافة إلى تحوط المستوردين الكبار وإدارة أخطار الشحن والتأمين والمسارات.
وأما خلال 24 شهرا، فيدعو إلى تحويل الأزمة إلى رافعة تموقع، عبر تسريع الاستثمار في الطاقات المتجددة وتعزيز الشبكات لخفض واردات الوقود تدريجيا، وتقوية الكفاءة الطاقية الصناعية، وتعزيز التموقع الإقليمي للمغرب كعرض “طاقة تنافسية” للصناعة الموجهة للتصدير.
وشدد على أن القرار الذكي ليس دعما شاملا، بل دعما مستهدفا مع تحوط وكفاءة وتسريع للطاقات المتجددة، بما يجعل السياسة الاقتصادية تشتغل كـ“حزام أمان” يحمي من الصدمات، و“محرك نمو” يعزز التنافسية في آن واحد.



تعليقات الزوار ( 0 )