لم يعد ملف الصحراء المغربية شأنا إقليميا محصورا في جغرافيته التقليدية، بل أضحى جزءا من دينامية دبلوماسية دولية أوسع، تتقاطع فيها اعتبارات القانون الدولي، وموازين القوى، ومنطق الاستقرار الإقليمي. هذا ما تعكسه النقاشات الجارية في العواصم الغربية، كما تؤكده التحولات اللافتة في مواقف عدد من دول أمريكا اللاتينية.
وفي هذا السياق، يبرز تحليل الباحث هيرنان أولانو المنشور على منصة “أتالايار” الإسبانية، والذي يسلّط الضوء على انتقال هادئ لكنه عميق في مقاربة النزاع، من التركيز الحصري على مفهوم “تقرير المصير” إلى البحث العملي عن حل سياسي واقعي قائم على الحكم الذاتي.
ورغم تأكيد واشنطن المتكرر على أن “القضية الأساسية” تظل مرتبطة بتقرير مصير السكان الصحراويين، فإن اللقاء الذي احتضنته السفارة الأمريكية في مدريد، في إطار حوار موسع وتعددي، جاء مباشرة بعد موقف أوروبي لافت.
إذ اعتبر الاتحاد الأوروبي أن مقترح الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب يمكن أن يشكل أساسا لحل سياسي “عادل ودائم ومقبول من جميع الأطراف” لقضية الصحراء الغربية المغربية.
وهذا التوازي بين الخطاب الأمريكي الحذر والموقف الأوروبي الأكثر وضوحا يعكس، وفق مراقبين، انتقالا تدريجيا من المقاربات النظرية إلى منطق الحلول القابلة للتنفيذ، خصوصا في ظل تعثر المسار الأممي التقليدي.
ويشير أولانو إلى أن نماذج مقارنة للحكم الذاتي جرى تحليلها على المستوى الدولي، قبل بلورة أي تصور يمكن أن يحظى باعتراف الأمم المتحدة كصيغة حقيقية وذات مصداقية.
ويؤكد أن أي نقاش جدي ينبغي أن ينطلق من المبادرة المغربية المقدمة سنة 2007، باعتبارها الإطار الأكثر واقعية إلى اليوم.
وفي هذا السياق، يكتسب الهدوء والتدرج أهمية قصوى، بعيدا عن منطق التصعيد أو الحلول القصوى التي أثبتت محدوديتها خلال العقود الماضية.
واستنادا إلى المصادر ذاتها، فإن التحول لا يقتصر على أوروبا والولايات المتحدة. ففي أمريكا اللاتينية، يبرز مثال بوليفيا، التي أعلنت استئناف علاقاتها الدبلوماسية مع المغرب، في خطوة تعكس توجها جديدا في سياستها الخارجية، خاصة في ظل القيادة السياسية التي يمثلها رودريغو باز.
ويحمل هذا القرار دلالات سياسية تتجاوز البعد الثنائي، إذ يعكس ابتعادا واضحا عن أطروحات جبهة البوليساريو، وتقديرا متزايدا للدور المغربي في مجالات استراتيجية تهم دول الجنوب، من قبيل الفلاحة، والأمن الغذائي، وصناعة الأسمدة، والتعاون الأمني.
وتكشف هذه التطورات المتزامنة أن ملف الصحراء لم يعد مجرد نزاع إقليمي مؤجل، بل أصبح جزءا من معادلة دبلوماسية دولية أوسع، تتداخل فيها رهانات الاستقرار، والتنمية، والتعاون جنوب–جنوب. وهو ما يفرض، كما خلص أولانو، قدرا أكبر من الحكمة والاتساق والرؤية بعيدة المدى، سواء في أوروبا أو في أمريكا اللاتينية.
ويخلص هيرنان أولانو إلى أ الحل السياسي لقضية الصحراء المغربية بات أقرب إلى منطق “التسوية الممكنة” بدل “الحل المثالي”، في ظل قناعة دولية متنامية بأن الاستقرار الدائم لا يتحقق بالشعارات، بل بالحلول الواقعية القابلة للتنزيل، وهو ما يمنح مبادرة الحكم الذاتي زخماً جديداً في مسار نزاع طال أمده.



تعليقات الزوار ( 0 )