بعد سبعة وعشرين عاما من حكم الملك محمد السادس، يأتي خطاب العرش في لحظة تتقاطع فيها رهانات الداخل مع تحولات الإقليم والعالم، ليقدم رؤية تتجاوز منطق الحصيلة إلى رسم معالم المرحلة المقبلة، ولم يقتصر الخطاب الملكي على استعراض المؤشرات الاقتصادية والإنجازات، بل وضع مفاهيم الأمن والاستقرار والسيادة الاقتصادية والتموقع الجيوسياسي في قلب المشروع الوطني، موجهاً رسائل إلى الفاعلين السياسيين والاقتصاديين ومختلف مؤسسات الدولة، في أفق استحقاقات تشريعية ودورة تنموية جديدة.
وفي هذا الصدد قال الدكتور الشرقاوي الروداني، المحلل السياسي والخبير الأمني، إن الخطاب الملكي حدد أولويات المرحلة المقبلة، مع ربط الاستقرار السياسي والمؤسساتي باستمرار التنمية.
وأضاف الخبير الأمني، في تصريح خاص لجريدة “الشعاع الجديد” بأن هذا الربط يأتي في سياق إقليمي ودولي مضطرب، أصبحت فيه قدرة الدول على الحفاظ على تماسك مؤسساتها واستمرارية اقتصادها جزءا من قوتها.
وأضاف أن جلالة الملك وصف الاستقرار بأنه رأسمال استراتيجي يوسع مفهوم الأمن، فالأمن لا يتعلق فقط بحماية الحدود أو مواجهة التهديدات المباشرة، بل يشمل أيضا انتظام عمل المؤسسات، واستمرار النشاط الاقتصادي، والقدرة على تدبير الأزمات والكوارث، والحفاظ على ثقة المواطنين والشركاء.
وأوضح أن الخطاب الملكي يوسع كذلك مفهوم السيادة الوطنية، فهي لا تقتصر على القرار السياسي، بل تشمل الأمن الغذائي والمائي والطاقي والدوائي، إضافة إلى الصناعة والتكنولوجيا والتمويل والدفاع والأمن السيبراني.
وأكد أن هذه الأولويات تعكس حرص المغرب على تأمين حاجاته الأساسية والحد من التبعية في القطاعات الحساسة.
كما أبرز أن الإشارة إلى الصناعات الدفاعية والأمن السيبراني تحمل دلالة خاصة، لأنها تشير إلى توجه نحو تطوير قدرات وطنية تربط الأمن بالصناعة والتكنولوجيا، ولا يتعلق الأمر فقط بتلبية الحاجات الدفاعية، بل أيضا بنقل المعرفة، وتأهيل الكفاءات، وجذب الاستثمار، وخلق فرص شغل في قطاعات ذات قيمة مضافة عالية.
واعتبر أن الخطاب، من منظور جيوستراتيجي، يقدم المغرب كدولة مستقرة، تتوفر على مؤسسات قادرة على التنفيذ، وقاعدة صناعية تتوسع، وشراكات متعددة، وهو ما يمنح المملكة هامشا أوسع في إدارة علاقاتها الخارجية، وفي صياغة تعاون يخدم مصالحها الوطنية.
وأضاف أن الدعوة إلى تعبئة الادخار الوطني وتوسيع تمويل المقاولات والمشاريع الكبرى تعكس أهمية التمويل في دعم القرار الاقتصادي، فلا يمكن تطوير الصناعة أو الطاقة أو الدفاع من دون منظومة مالية توجه الموارد نحو الاستثمار والإنتاج والابتكار.
وشدد على أن الخطاب يؤكد أن المشاريع الكبرى للمملكة تقوم على الاستمرارية والتراكم، ولا ترتبط بمدة حكومة أو ولاية تشريعية، وهو ما يضمن وضوح التوجه، واستمرار التنفيذ، وربط السياسات العمومية بأهداف بعيدة المدى.
وخلص إلى القول إن الخطاب يجمع بين الاستقرار، وقوة المؤسسات، والتصنيع، والتمويل، والشراكات الخارجية ضمن تصور واحد، والهدف هو تعزيز قدرة الدولة على حماية مصالحها، وتقليص تبعيتها، والاستفادة من موقعها الجغرافي وشبكة علاقاتها في بيئة دولية تزداد تنافسا واضطرابا.
وأكد أن المغرب، وفق هذا المنظور، أمام خطاب يؤسس لعقيدة جيواقتصادية مرتبطة بتقوية محددات السيادة الشاملة، حيث وضع الاستقرار بوصفه رأسمالا استراتيجيا، والقوة بوصفها مشروع دولة.
وفي معرض حديثه عن مفهوم الدولة الأمة، أوضح الدكتور الشرقاوي الروداني أن هذا المفهوم، من الناحية الاستراتيجية، يبين أن حماية الدولة لا تنفصل عن الحفاظ على تماسك الأمة، فالأمن الوطني لا يتعلق فقط بحماية المؤسسات والحدود، بل يشمل أيضا صيانة الوحدة الوطنية، وتقوية الثقة في الدولة، والحد من الفوارق التي قد تمس التماسك الاجتماعي أو الشعور بالانتماء المشترك.
وأضاف أنه لا بد من النظر إلى الأمن الوطني من زاوية الأمن القومي.
وأوضح أن هذا المفهوم يوجه كذلك رسالة إلى الخارج مفادها أن المغرب يتعامل مع قضاياه السيادية، وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية، انطلاقا من وحدة تاريخية ووطنية، لا باعتبارها مجرد نزاع ترابي، فالدفاع عن الوحدة الترابية يرتبط بحماية كيان الدولة الأمة واستمراريتها، وليس فقط بإدارة حدود جغرافية.
وأكد أن الإشارة إلى الدولة الأمة تعيد وضع العلاقة بين الدولة والمجتمع داخل تصور يقوم على التكامل، حيث تحمي الدولة الأمة وتضمن استقرارها، بينما تمنح الأمة الدولة شرعيتها وقوتها وقدرتها على الصمود، وهو ما يشكل أحد أهم مصادر الاستقرار الاستراتيجي للمغرب.
وفي قراءته للتحول الاقتصادي الذي أبرزه الخطاب الملكي، قال الدكتور الشرقاوي الروداني إن الإشارة إلى أن صادرات صناعة السيارات والطيران تجاوزت صادرات الفوسفاط لا تتعلق بترتيب القطاعات الاقتصادية بقدر ما تعكس تحولا في مصادر القوة الاقتصادية للمغرب.
وأضاف أنه على امتداد عقود ارتبطت المكانة الاقتصادية للمغرب بما يتوفر عليه من موارد طبيعية، وفي مقدمتها الفوسفاط، أما اليوم فإن تصدر الصناعات التحويلية للصادرات يعكس انتقالا نحو نموذج يعتمد على الإنتاج والتكنولوجيا والاندماج في سلاسل القيمة العالمية.
وأوضح أن الفرق بين النموذجين جوهري، فالمورد الطبيعي يمنح الدولة ميزة مرتبطة بما تمتلكه، بينما تمنحها الصناعة ميزة ترتبط بما تستطيع إنتاجه وتطويره، وهذا النوع من القوة لا يقوم على الثروة الخام، وإنما على الاستثمار، ونقل التكنولوجيا، وتأهيل الموارد البشرية، والقدرة على المنافسة في الأسواق الدولية.
وأشار إلى أن إبراز هذا المعطى في الخطاب الملكي يحمل رسالة مفادها أن المغرب لم يعد يقدم نفسه باعتباره بلدا مصدرا للمواد الأولية، وإنما باعتباره قاعدة صناعية قادرة على إنتاج مكونات تندمج في الصناعات العالمية، وهو تحول يعزز موقعه داخل الاقتصاد الدولي.
كما اعتبر أن لهذا التحول البنيوي بعدا استراتيجيا، فالدول التي تمتلك قاعدة صناعية متنوعة تكون أقل عرضة لتقلبات الأسواق العالمية وأكثر قدرة على حماية اقتصادها في فترات الأزمات.
وأضاف أن الصناعة أصبحت اليوم أحد عناصر القوة الوطنية، لأنها ترتبط بالتكنولوجيا، والبحث والتطوير، والتشغيل، وجذب الاستثمارات، وتعزيز الاستقلالية الاقتصادية.
وأكد أن ذلك لا يعني تراجع أهمية الفوسفاط، الذي سيظل أحد الأصول الاستراتيجية للمملكة، وإنما تكمن الرسالة الأساسية في تنويع مصادر القوة، فكلما توسعت القاعدة الإنتاجية ازدادت قدرة الدولة على تحقيق النمو، وتقليص الهشاشة، وتعزيز استقلال قرارها الاقتصادي.
وختم بالتأكيد على أن هذا التحول يعكس، من منظور جيواقتصادي، انتقال المغرب من اقتصاد يستند أساسا إلى قيمة موارده الطبيعية إلى اقتصاد يراكم قوته من خلال الوظائف التي يؤديها داخل الاقتصاد العالمي، وأن الرسالة الأهم ليست أن السيارات والطيران تجاوزا الفوسفاط، بل أن الصناعة أصبحت أحد مصادر السيادة الاقتصادية للمغرب.
وفي ختام قراءته للخطاب الملكي، قال الدكتور الشرقاوي الروداني إن العبارة التي أكد فيها جلالة الملك أنه لم يسع طوال سبعة وعشرين عاما إلى خدمة صورته تعد من أكثر الرسائل السياسية دلالة في الخطاب.
وأوضح أنها تنقل النقاش من تقييم الأشخاص إلى تقييم السياسات والنتائج، فعندما يؤكد جلالة الملك أنه لم يسع إلى خدمة صورته، فإنه يضع معيارا واضحا لممارسة السلطة، وهو أن شرعية الأداء تقاس بما يتحقق على أرض الواقع، لا بما يبنى من صورة إعلامية.
وأضاف أن هذه العبارة تحمل أيضا رسالة إلى مختلف الفاعلين داخل مؤسسات الدولة، مفادها أن الأولوية يجب أن تكون لحل الإشكالات وتحقيق النتائج، وليس لإدارة الانطباعات أو البحث عن المكاسب الرمزية.
وتابع أن المؤسسة الملكية في المغرب تستند إلى عدة مستويات من الشرعية؛ فهي تستمد مشروعيتها من الشرعية التاريخية، والشرعية الدينية باعتبار أمير المؤمنين، والشرعية الدستورية والسياسية، لكنها في الوقت نفسه تعمل على ترسيخ شرعية الإنجاز من خلال الحصيلة الميدانية وما يتحقق من مشاريع وإصلاحات.
وأشار إلى أن الحفاظ على الشرعية لا يقتصر على الأسس التاريخية والمؤسساتية، بل يتطلب أيضا تجديدها عبر النتائج الملموسة التي يشعر بها المواطن.
واختتم بالتأكيد على أن هذه العبارة لا تبدو دفاعا عن حصيلة مرحلة، بقدر ما تؤسس لمنطق في ممارسة السلطة يجعل الإنجاز معيارا للتقييم، ويضع الفعل العمومي فوق الاعتبارات المرتبطة بالصورة أو الخطاب، وهو ما يعكس تصورا للدولة يقوم على الاستمرارية، وربط الشرعية بالقدرة على تحقيق التنمية وتعزيز الاستقرار ومواكبة التحولات التي يعرفها المغرب.



تعليقات الزوار ( 0 )