مغمورة ظلت دون صدى شاف رغم ما أبانت عنه من عناية مطلع القرن الحالي، عندما باتت مساحتها أكثر اتساعا وقد شملت عدة جهات بعيدا عن فرنسا. تحديدا مستعمراتها السابقة بشمال افريقيا من قبيل المغرب، ومن ثمة ما حصل من انفتاح عليها كتجربة فرنسية تروم حماية التراث الانساني وحفظه. تلكم هي ثقافة وعملية واستراتيجية حماية التراث الأثري، مؤطرة نظريا منذ سبعينات القرن الماضي ب”علم الآثار الوقائي”. مع أهمية الاشارة لِما تراكم حولها من جدل لقاءات وتأليف وبحث، لتسليط الضوء عليها من جهة، ولإثارة الانتباه لما يمكن أن تسهم به لفائدة حماية التراث وأخذه بالاعتبار في أوراش تنمية التراب من جهة أخرى. وعليه، ف”علم الآثار الوقائي” كما هو غير خاف على باحثين ومهتمين، هو بمساحة نصوص وقوانين مرجعية عدة، في سوادها الأعظم هي مقترحات وتوصيات انتهت اليها مواعيد علمية هنا وهناك، دون نسيان ما صدر عن منظمة اليونسكو من مؤلفات في معظمها حصيلة أعمال ندوات دولية، عملت عبرها فرنسا على تسويق آليتها في حماية التراث، فضلا عن عناية المجلس الأروبي بالموضوع من خلال ما أسهم به من نصوص في بعدها الترابي الأروبي.
أين المغرب من تجربة فرنسا هذه “علم الآثار الوقائي”، وأي تفاعل علمي بحثي اجرائي صوبها، وأية تراكمات وقراءات بعيون أثرية مؤسساتية مغربية، وأي انسجام من عدمه بين الطرح الأثري الفرنسي والبيئة الأثرية المغربية ورهاناتها وضوابطها، بل أي أثر وتعاون لحماية التراث الأثري المغربي وتجاوز ما هناك من تشوهات ومظاهر طمس إن بسبب الطبيعة أو الانسان من خلال أوراش تنمية التراب. ثم أية قناعة حصلت بالتجربة الفرنسية وأي تعميم وإجراء لها بعيدا عن وعائها النظري، وأي جديد في الموضوع “من الإنقاذ الى الوقاية ؟؟ “. مع أهمية الإشارة الى أنه إذا كانت التجربة الفرنسية صوب الأثر التاريخي، قد جاءت لحمايته من التلف إثر مخاطر أوراش تنمية ومشاريع اقتصاد ومجتمع، (طرق، سدود، سكك حديدية موانئ، عمران حديث، صناعة..)، أين التجربة الفرنسية في هذا الاطار من خراب الأثر التاريخي، عبر الحروب وما اسفرت عنه من طمس رهيب لمعالم إنسانية ضاربة في القدم ومن خلالها هوية إنسانية انسان وحضارات مجتمعات. وأين المجتمع الدولي والمنظمات عبر علم الآثار الوقائي والحالة هذه، وأية تقارير في حوزة التجربة الفرنسية حول ما كانت عليه الحروب من تخريب للتراث خلال العقود الأخيرة، والتي كان ينبغي فيها أخذ القوانين المنظمة بالاعتبار ومعها الاتفاقيات وعمل اللجان الدولية في الشأن. ومن هنا السؤال أيضا حول أي تشريع دولي ناجع لحماية التراث عبر الوقاية، وأية نجاعة مؤسسات محلية ودولية وأي توثيق وترافع من اجل هذا وذاك صوب المنشود حماية للتراث.
ولا شك أن التجربة الفرنسية حول استراتيجية وقاية التراث المادي واللامادي تأسست على تراكمات سابقة، وهنا السؤال حول طبيعة جديدها واضافتها وأثرها الوظيفي، فضلا عن تراكمات التحكيم حماية للتراث واستدامته بكل السبل، بما فيها الحديثة في زمن رقميات وتكنولوجيا أرشفة وتوثيق وذكاء اصطناعي ..الخ، وهنا السؤال حول موقع علم الآثار الوقائي وتدخلاته من أجل ما ينبغي من توازن. وبعيدا عن تجربة فرنسا صوب حماية التراث عبر سياسة وثقافة الوقائية، وعما اثارته من جدل في علاقتها بالقانون والاستثمارات والمؤسسات وغيرها. لماذا ركزت في مجالها الحيوي خارج ترابها على المجال المغاربي، وأية بصمات نجاح فيما اشتغلت عليه لعقود من الزمن على المستوى المحلي ثم الأروبي ثم المغاربي، وهل ما واجهته التجربة الفرنسية “علم الآثار الوقائي” من صعاب في الأجرأة داخليا، كان وراء دعايتها من أجل موقع قدم لها في البلاد المغاربية، مستفيدة من دعم منظمة اليونيسكو في هذا الورش، بحثا منها عن أفق دولي أوسع عبر فتح المجال لتكوين الأخر من الأطر المغاربية في علم الآثار الوقائي، مع تحمل كلفة هذا التكوين النظري والعملي ؟. سياق يسجل فيه حول علاقة فرنسا بالمغرب من خلال ورشها “علم الآثار الوقائي، الاتفاق المبرم بين الجمعية المغربية للطرق بالمغرب SNAM والمعهد الوطني لأبحاث علم الآثار الوقائي الفرنسي، وقد استهدف القيام بأشغال المسح الأثري في المنطقة التي شملها الطريق السيار تازة – فاس، علما أن هذا المقطع الطرقي هو بمواقع أثرية عدة ظاهرة وأخري مغمورة بحاجة لمزيد دراسات ومن ثمة حفظ وحماية.
يبقى رغم كل هذا وذاك من الدعاية الفرنسية والتقارب الفرنسي المغربي حول “علم الآثار الوقائي”، أي أثر وتجاوب وتفاعل وظيفي من أجل نجاعة مشاريع في خدمة التراث، وهل انتهى كل شيء بين الطرفيين الى حصيلة لا شيء يذكر، وهل انتهت تجربة التعاون الى ما انتهت اليه من خجل أثر في الواقع، خاصة وأن المغرب لم يقم بأية خطوة على مستوى مراجعة قوانينه حول التراث، فضلا عن إعادة هيكلة مؤسساته الوصية على حماية المجال وتدبيره، بما ينسجم والطرح/ التجربة الفرنسية / “علم الآثار الوقائي”. ثم أية نقاط اختلاف طبعت اشتغال الطرفين، خاصة وأن فرنسا كانت تروم تصدير تجربتها للخارج عبر بوابة المغرب والبلاد المغاربية، الوجهة التي اعتبرت ربما بديلا لأزمة “علم الآثار الوقائي” داخل فرنسا. وهل ما طبع التقارب الفرنسي المغربي من برودة في الشأن، كان نتاج كون التراث بالمغرب لا يزال دون ما ينبغي من اهتمام لاعتبارات عدة، ذلك أن الذي يهم البلاد أولا وأخيرا هو التنمية الترابية وأوراشها الاجتماعية والاقتصادية ليس إلا، وأن التجربة الفرنسية حول التراث تهم خصوصية المجتمع الفرنسي والتي لا يمكن ضمان نجاحها بجهات أخرى.
رئيس مركز ابن بري للدراسات وحماية التراث



تعليقات الزوار ( 0 )