شهدت كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة الحسن الثاني بالمحمدية، مساء اليوم الخميس، مناقشة أطروحة جامعية في القانون الجنائي تقدم بها الطالب عبد الرحيم موهوب، خُصصت لموضوع “الإثبات الجنائي في جرائم الأعمال”، وهو موضوع يكتسي أهمية علمية وعملية متزايدة في ظل التحولات العميقة التي يعرفها الاقتصاد المعاصر، وتنامي دور المؤسسات المالية والتجارية، وتزايد المخاطر المرتبطة بالجرائم الاقتصادية والمالية ذات الأثر الواسع على الثقة العامة والنظام الاقتصادي.

وتندرج هذه الأطروحة ضمن حقل القانون الجنائي للأعمال، الذي ما يزال، رغم حضوره الواقعي القوي، مجالا فقهيا غير مؤسس تشريعيا في المغرب، حيث تتوزع مقتضياته بين نصوص قانونية خاصة ومتفرقة، دون وجود مدونة موحدة تؤطر التجريم والإجراءات الجنائية المرتبطة بعالم المال والأعمال.
وتنطلق الأطروحة من فرضية أساسية مفادها أن جرائم الأعمال لا يمكن التعامل معها بالمنطق نفسه الذي يحكم الجريمة الجنائية التقليدية، لأن هذه الجرائم غالبا ما ترتكب داخل فضاءات مشروعة ظاهريا، وبوسائل قانونية وتقنية معقدة، وعلى يد فاعلين يتمتعون بمكانة اجتماعية واقتصادية مرموقة، ما يجعلها بعيدة عن الصورة النمطية للمجرم الكلاسيكي.
وركز الباحث عبد الرحيم موهوب على أن جرائم الأعمال التي تنتمي إلى ما يعرف في علم الإجرام بـ”الانحراف الصامت”، حيث لا يكون هناك عنف ظاهر أو ضحية مباشرة، بل آثار اقتصادية واجتماعية ممتدة، قد لا تظهر نتائجها إلا بعد فترة طويلة، وهو ما يجعل مهمة الإثبات الجنائي في هذا المجال شديدة التعقيد، وتستدعي أدوات تحليل قانونية وتقنية تتجاوز الوسائل التقليدية.
الإثبات الجنائي كإشكالية مركزية
تحتل مسألة الإثبات الجنائي موقع القلب في هذه الأطروحة، باعتبارها الركن الحاسم في تحريك الدعوى العمومية وبناء الاقتناع القضائي. فجرائم الأعمال، بحكم طابعها التقني والتنظيمي، بحيث أنها لا تترك آثارا مادية واضحة، وإنما تخفي أفعالها داخل وثائق محاسباتية، ومعاملات مالية، وقرارات إدارية، ورسائل إلكترونية، وتحويلات بنكية تبدو في ظاهرها قانونية.
وأوضح موهوب في ثنايا أطروحته أن الدليل الجنائي في هذا المجال لا يُلتقط بسهولة، بل يُستخرج عبر تفكيك البنيات التي أنتجت الفعل الإجرامي، وربط الوقائع بسياقها المؤسسي والاقتصادي. وهو ما يجعل الإثبات الجنائي في جرائم الأعمال عملية مركبة، تتداخل فيها المعرفة القانونية مع الخبرة المحاسباتية والتقنية، وتخضع في النهاية لتقدير القاضي في إطار الاقتناع القضائي.
السياق المغربي وتحديات التشريع
في تحليله للسياق المغربي، يشير الباحث إلى أن المشرع عزز، خلال السنوات الأخيرة، من تجريم عدد من الأفعال المرتبطة بعالم المال والأعمال، خاصة في مجالات الشركات، والأبناك، وسوق الرساميل، حماية للأمن الاقتصادي والثقة العامة، غير أن هذا التوسع في التجريم لم يواكبه، في نظر الباحث عبد الرحيم موهوب تطوير كافٍ للقواعد الإجرائية ونظرية الإثبات، بما يراعي خصوصية هذا النمط من الإجرام.
وتقف الأطروحة عند إشكالية تشتت النصوص القانونية، حيث تتوزع المقتضيات الزجرية والإجرائية بين قوانين خاصة متعددة، دون إطار موحد للقانون الجنائي للأعمال، الأمر الذي ينعكس سلبًا على وضوح السياسة الجنائية، ويطرح صعوبات عملية على مستوى البحث الجنائي والمتابعة القضائية.
خصصت الأطروحة حيزا مهما لتحليل دور الأدلة الرقمية والخبرات التقنية في إثبات جرائم الأعمال، خاصة في ظل التحول الرقمي الذي يشهده الاقتصاد، واعتماد المؤسسات على الأنظمة المعلوماتية، والخدمات البنكية الإلكترونية، والمعاملات عن بُعد.
ويرى الباحث أن هذه الأدلة، رغم أهميتها، تطرح إشكالات دقيقة تتعلق بمشروعيتها، وحجيتها، وحدود الاعتماد عليها، فضلًا عن التحديات المرتبطة بالسرية البنكية، وحماية المعطيات الشخصية، وإمكانية التلاعب بالبيانات الرقمية. وهو ما يفرض، حسب الأطروحة، تعزيز تكوين القضاة، وتمكينهم من أدوات فهم وتقييم هذه الأدلة، دون المساس بضمانات المحاكمة العادلة.
بين الفعالية والضمانات
من بين المحاور الأساسية التي تناولتها الأطروحة، التوتر القائم بين ضرورة فعالية الإثبات الجنائي في مواجهة جرائم الأعمال، وضرورة احترام المبادئ الأساسية للعدالة الجنائية، وعلى رأسها قرينة البراءة، وشرعية الدليل، وحقوق الدفاع.
ويؤكد الباحث أن جسامة الجرائم الاقتصادية وخطورتها الاجتماعية لا يمكن أن تبرر المساس بأسس العدالة، أو توسيع سلطات البحث والمتابعة دون ضوابط قانونية واضحة. فالتحدي الحقيقي، في نظر الأطروحة، يتمثل في بناء منظومة إثبات جنائي قادرة على كشف الجرائم المعقدة، وفي الوقت نفسه تحافظ على التوازن بين السلطة والحرية.
دوافع اختيار الموضوع
تعود دوافع اختيار موضوع الأطروحة، بحسب الباحث، إلى محدودية الإنتاج الأكاديمي المغربي في مجال القانون الجنائي للأعمال، وصعوبة ضبط هذا النوع من الجرائم، وحداثة النصوص القانونية المؤطرة له، كما يرتبط الاختيار بالتحولات العميقة التي يعرفها الاقتصاد الوطني، وتزايد أهمية الاستثمار، وما يفرضه ذلك من حماية قانونية فعالة للثقة في المعاملات والمؤسسات.
ويرى الباحث أن دراسة الإثبات الجنائي في جرائم الأعمال لم تعد ترفا أكاديميا، بل ضرورة علمية وعملية، بالنظر إلى المخاطر التي يشكلها هذا الإجرام على التنمية الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي.
المنهجية المعتمدة

واعتمدت الأطروحة مقاربة منهجية متعددة، جمعت بين المنهج الوصفي لرصد القواعد القانونية المنظمة لجرائم الأعمال وإجراءات إثباتها، والمنهج التحليلي لتفكيك منطق التجريم والإثبات والمسؤولية الجنائية، وكذا المنهج المقارن للاستئناس بالتجارب القانونية المقارنة، خاصة الفرنسية، بغرض تقييم التجربة المغربية واستشراف سبل تطويرها.
وقد مكنت هذه المقاربة المركبة من تقديم قراءة شمولية للإشكالية، تجمع بين التحليل النظري والبعد العملي.
وخلص عبد الرحيم موهوب في أطروحته إلى مجموعة من النتائج، أبرزها أن الإثبات الجنائي في جرائم الأعمال يمثل الحلقة الأضعف في مواجهة هذا النمط من الإجرام، وأن تطويره يقتضي مراجعة شاملة للقواعد الإجرائية، وتعزيز التنسيق بين الفاعلين القضائيين والتقنيين، والتفكير في تقنين أكثر انسجامًا للقانون الجنائي للأعمال.
كما دعت إلى إعادة تقييم دور القاضي في تمحيص الأدلة، وإلى اعتماد مقاربة تشريعية متوازنة، تراعي خصوصية الجرائم الاقتصادية، دون الإخلال بالمبادئ الدستورية والحقوق الأساسية.
وأجمعت لجنة المناقشة المكونة من الأساتذة محمد أبو الحسين وخالد الحري وعبد الجليل العيوني وطارق لكدالي وإبراهيم الغندور، بعد مناقشة مطولة منح الطالب عبد الرحيم موهوب لقب دكتور في القانون والعلوم السياسية بميزة مشرف جدا.
وتعد هذه الأطروحة إضافة نوعية إلى البحث الأكاديمي المغربي في مجال القانون الجنائي، لما تطرحه من إشكالات دقيقة، وما تقدمه من تحليل عميق لعلاقة القانون بالاقتصاد، والإثبات بالسلطة، والعدالة بالثقة الاجتماعية.
وأكدت الأطروحة، في خلاصتها، أن مواجهة جرائم الأعمال لا تتحقق فقط بتشديد العقوبات، بل أساسا بتطوير آليات الإثبات، وبناء سياسة جنائية عقلانية، قادرة على كشف الجرائم الخفية، وصون العدالة، وحماية النظام الاقتصادي، في مجتمع تتزايد فيه تعقيدات المال والأعمال.




تعليقات الزوار ( 0 )