يرتكز البرنامج الوطني لمحاربة الأمية بالمساجد على جهود 10000 إطار تربوي يواجهون هشاشة سوسيو-مهنية قاسية تتناقض كليا مع حجم المنجزات الرقمية للوزارة الوصية. يحقق هذا الورش الملكي تراكما يتجاوز 4.5 مليون مستفيد منذ انطلاقته سنة 2000، مسجلا حوالي 300000 مسجل خلال الموسم الدراسي الأخير موزعين على 6685 مسجدا. تمثل الإناث نسبة 89% من مجموع هؤلاء المستفيدين، بينما يستحوذ العالم القروي على 47%، مما يبرز الدور المحوري للبرنامج في فك العزلة المعرفية. يقابل هذا النجاح الكمي حرمان تام للطاقم البشري المشرف من أبسط مقومات الاستقرار الوظيفي، حيث يشتغل المؤطرون خارج إطار الترسيم القانوني ويفتقدون للتغطية الصحية، ليبقى هذا الجيش التربوي مجردا من الحماية الاجتماعية في تناقض واضح مع الخطاب الرسمي لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية التي تدير ميزانيات ضخمة وتلقن دروسا في حفظ حقوق الأجراء.
معاينة ميدانية تكشف عمق الأزمة المادية
قادت المعاينة الميدانية التي أنجزتها جريدة “الشعاع” الجديد داخل النفوذ الترابي لإقليم القنيطرة إلى رصد تفاصيل دقيقة تجسد عمق المعاناة اليومية لهذه الفئة. يتقاضى المؤطر تعويضا ماليا يحدد في 50 درهما للساعة، ضمن غلاف زمني لا يتجاوز ساعتين يوميا بمعدل 5 أيام في الأسبوع. تتبخر هذه الأجرة الهزيلة أمام مصاريف التنقل التي تتراوح بين 10 وأكثر من 50 درهما يوميا، فضلا عن إجبار المدرسين على اقتناء الوسائل الديدكتيكية وطبع أوراق الامتحانات من مالهم الخاص. تتعمق الأزمة المالية بفعل حرمان الأساتذة من التعويض عن الرخص الطبية والعطل المدرسية، وتأخر صرف المستحقات الشهرية بانتظام إلى ما بعد يوم 12 من كل شهر في بعض الأحيان، مما يضعهم في خانة العجز الاقتصادي التام ويضرب الاستعداد النفسي الضروري لإنجاح العملية التعليمية. يكشف نص القرار الوزاري الأخير الموقع في دجنبر 2025 عن زيادة مرتقبة تحدد التعويض في 60 درهما ابتداء من شهر أكتوبر من نفس السنة، و 70 درهما في السنة الموالية، غير أن هذه التعديلات الطفيفة تظل قاصرة جدا عن بلوغ الحد الأدنى للأجور المحدد وطنيا في 3200 درهم.
مخاطر الطريق ومحنة المؤطرات
تشكل النساء الأغلبية الساحقة من الطاقم التربوي المشرف على سير الدروس، وتتحمل هذه الفئة عبء التنقل اليومي نحو مساجد تتواجد بمناطق نائية وهوامش معزولة تفتقر لشبكة نقل عمومي قارة. تواجه المؤطرات أخطارا جسدية حقيقية خلال مسارات الذهاب والإياب المسائية، تتنوع بين التهديد الأمني واحتمالات التعرض للاعتداء المباشر من طرف المتربصين، وصولا إلى خطر هجمات الكلاب الضالة التي تنتشر بكثافة في المسالك القروية وشبه الحضرية المظلمة. يتحول أداء الواجب المهني إلى مغامرة يومية غير محسوبة العواقب، وتغيب معها أية التفاتة مؤسساتية لتأمين مسارات هؤلاء العاملات أو توفير تعويضات مالية خاصة بالمخاطر المهنية المحدقة بهن طيلة الموسم الدراسي.
تسلط المستشارين وهيمنة المحسوبية
يخضع كل 10 مؤطرين لسلطة مباشرة يمارسها مستشار تربوي يلعب دور حلقة الوصل الوحيدة والآمر الناهي بين المدرسين ومندوبيات الأوقاف والشؤون الإسلامية. تفرز هذه التراتبية الإدارية اختلالات تنظيمية عميقة تتجلى في برمجة تكوينات بيداغوجية ولقاءات تأطيرية بشكل أحادي وعشوائي، دون أدنى مراعاة للانشغالات المهنية أو الالتزامات العائلية الآنية للأساتذة. تطفو على السطح ممارسات يومية تتسم بالمحسوبية والزبونية في تدبير التعيينات وانتقاء الأطر وتوزيع الحصص، وتغيب معايير الكفاءة الأكاديمية والاستحقاق لصالح الولاءات الشخصية والمجاملات، مما يفرغ الهيكلة التأطيرية من محتواها التربوي ويحولها إلى أداة للضبط الإداري المتعسف الخالي من أية مرونة.
اختراق حزبي واستغلال للفضاء الديني
يتجاوز الخلل حدود التدبير المالي والإداري الكارثي ليبلغ مستوى الاستغلال السياسي المباشر لفضاءات المساجد المخصصة أصلا لمحاربة الجهل الأبجدي. توثق التظلمات المرفوعة من طرف مجموعة من المؤطرين، تحديدا بجهات مراكش آسفي ودرعة تافيلالت، تحول الفصول الدراسية الدينية إلى قواعد انتخابية تخدم أجندات حزبية محددة. يعمد بعض المستشارين والمؤطرين المنتمين لهيئات سياسية، والذين يحملون صفة أعضاء في المجالس الجماعية، إلى استغلال المجموعات التعليمية لكسب قواعد جماهيرية والترويج الانتخابي لمرشحين وبرلمانيين نافذين. يضرب هذا الانحراف حياد المؤسسة الدينية وقداستها، ويحول ورشا تعليميا يستمد شرعيته من المؤسسة الملكية إلى خزان للأصوات الانتخابية تحت مرأى ومسمع الجهات الوصية التي تكتفي بالصمت حيال هذا الاختراق الحزبي الواضح.
يضع هذا التخبط التنظيمي الجدوى الفعلية من إحداث الوكالة الوطنية لمحاربة الأمية موضع شك حقيقي، بعدما عجزت هذه المؤسسة عن تأسيس فروع جهوية ومحلية قادرة على المراقبة، تاركة تدبير آلاف الملفات رهينة للبيروقراطية التقليدية لمندوبيات الأوقاف والمجتمع المدني المتعاقد. يشكل التناقض الواضح بين الخطاب الديني الرسمي الذي يمجد إعطاء الأجير حقه، وبين الممارسة الإدارية الميدانية التي تسحق أبسط حقوق حملة الشواهد الجامعية العاملين بالقطاع، خللا بنيويا يفقد البرامج الحكومية مصداقيتها. يفرض استمرار هذا الاستنزاف البشري والتوظيف السياسي لبيوت الله تدخلا مؤسساتيا حازما لإنصاف هذه الفئة العريضة، ووضع حد قاطع لسياسة غض الطرف التي تنهجها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، بوصفها الجهة التي تتحمل المسؤولية القانونية والأخلاقية المباشرة عن تكريس الهشاشة كمنهجية ثابتة لإدارة مشروع وطني يتطلب استقرارا مهنيا حقيقيا لضمان نتائجه التنموية.



تعليقات الزوار ( 0 )