كشفت تقارير دولية حديثة أن المغرب يرسخ مكانته كفاعل رئيسي في سوق الأسمدة العالمية، مستفيدا من احتياطاته الضخمة من الفوسفاط ومن بنيته اللوجستية المتطورة، وفي مقدمتها ميناء طنجة المتوسط، الذي أصبح محركاً أساسياً لتصدير المنتجات الفلاحية نحو الأسواق الدولية.
ويأتي هذا التحول في وقت تشهد فيه منطقة الخليج توترات جيوسياسية متزايدة قد تؤثر على إمدادات الأسمدة في الأسواق العالمية، خاصة مع اعتماد جزء كبير من تجارة اليوريا والأمونياك على المرور عبر مضيق هرمز.
وتشير تقديرات منصات متخصصة في الطاقة إلى أن نحو 11 في المئة من صادرات اليوريا العالمية تأتي من قطر، فيما يمر حوالي ثلث تجارة المغذيات الزراعية العالمية عبر هذا الممر البحري الاستراتيجي.
في هذا السياق، يبرز المغرب كبديل موثوق للأسواق الأوروبية والدولية، بفضل قدرته الإنتاجية الكبيرة من الفوسفاط، وهو المادة الأساسية في صناعة الأسمدة الفوسفاطية. ويملك المغرب ما يقارب ثلاثة أرباع الاحتياطات العالمية من هذه المادة الحيوية، ما يمنحه وزناً استراتيجياً في منظومة الأمن الغذائي العالمي.
كما لعب ميناء طنجة المتوسط دوراً محورياً في تعزيز هذه المكانة، إذ تحول خلال السنوات الأخيرة إلى أكبر مركز لوجستي في حوض البحر الأبيض المتوسط.
وقد تجاوزت قدرته الاستيعابية 11 مليون حاوية، ما مكنه من التفوق في حجم حركة الشحن على عدة موانئ إقليمية، وهو ما يعزز قدرة المغرب على تسويق صادراته نحو أوروبا وأمريكا وأفريقيا.
ولا تتوقف الاستراتيجية المغربية عند هذا الحد، إذ يستعد المغرب لتعزيز قدراته المينائية من خلال مشروع ميناء الناظور، الذي ينتظر أن يدخل حيز التشغيل بين عامي 2026 و2027، في خطوة تهدف إلى توسيع البنية التحتية اللوجستية للمملكة وتعزيز حضورها في طرق التجارة البحرية بالمتوسط.
وتشير المعطيات الاقتصادية إلى أن المغرب أصبح خلال عام 2025 المزود الأول للأسمدة في الاتحاد الأوروبي، بعدما استحوذ على نحو 19 في المئة من واردات التكتل، متجاوزا روسيا التي تراجعت حصتها إلى حوالي 12.8 في المئة، في ظل العقوبات الأوروبية المرتبطة بالحرب في أوكرانيا.
ويعزز هذا التحول موقع المغرب في سلاسل التوريد العالمية، خاصة مع سعي الدول الأوروبية إلى تنويع مصادر الإمداد وتقليص الاعتماد على الموردين التقليديين.
في المقابل، يواجه قطاع الأسمدة تحديات مرتبطة بارتفاع تكاليف إنتاج الأمونياك الذي يعتمد أساسا على الغاز الطبيعي. ولمواجهة هذه التحديات، أطلقت مجموعة OCP برنامجا استثماريا طموحا للتحول الطاقي، يتضمن إنشاء مشاريع لإنتاج الأمونياك الأخضر اعتماداً على الطاقة الشمسية والريحية.
ومن بين أبرز هذه المشاريع محطة صناعية قرب مدينة طرفاية، باستثمار يناهز 7 مليارات دولار، تستهدف إنتاج نحو 200 ألف طن سنويا من الأمونياك الأخضر ابتداء من عام 2026، مع خطة لرفع القدرة الإنتاجية إلى ثلاثة ملايين طن بحلول عام 2032.
كما يشهد المجمع الصناعي الضخم في الجرف الأصفر تجارب أولية لإنتاج الأسمدة باستخدام تقنيات منخفضة الانبعاثات، في إطار توجه المغرب نحو تعزيز الاستدامة الطاقية وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.
ويقدَّر حجم سوق الأسمدة العالمية بأكثر من 190 مليار دولار، مع توقعات بمواصلة النمو في ظل تزايد الطلب على الإنتاج الزراعي لتلبية احتياجات سكان العالم.
وفي هذا السياق، يضع مزيج الموارد الطبيعية والاستثمارات الصناعية والبنية اللوجستية المتطورة المغرب في موقع متقدم للاستفادة من التحولات الجيواقتصادية في هذا القطاع الحيوي.




تعليقات الزوار ( 0 )