لم تعد التحولات الجارية في مقاربة الولايات المتحدة لمنطقة المغرب العربي مجرد إشارات دبلوماسية عابرة، بل باتت تعكس توجهاً استراتيجياً واضحاً يقوم على الفرز بين الحلفاء وفق منطق المصالح الصلبة لا الاعتبارات الرمزية.
وفي قلب هذا التحول، يبرز المغرب باعتباره الشريك المفضل لواشنطن في شمال إفريقيا، مقابل تراجع موقع الجزائر التي تبدو، وفق قراءات أميركية متزايدة، خارج الإيقاع الجديد.
وتَجسّد هذا التحول عملياً مع مغادرة السفيرة الأميركية إليزابيث مور أوبين للجزائر مطلع يناير 2026، في خطوة فسّرتها دوائر سياسية وإعلامية على أنها أكثر من مجرد إجراء إداري.
فالتغيير جاء متزامناً مع إعادة انتشار دبلوماسي أميركي واسع في عهد الرئيس دونالد ترامب، يقوم على مبدأ «العائد الاستراتيجي» بدل سياسة التوازن التقليدية.
ووفق تحليل نشره موقع The Times of Israel، فإن واشنطن حسمت خيارها نهائياً لصالح الرباط باعتبارها «المرتكز» الجديد لسياستها في شمال إفريقيا، سواء على مستوى الأمن أو الطاقة أو سلاسل التوريد المرتبطة بالمعادن الاستراتيجية.
التقرير ذاته اعتبر أن الجزائر أخفقت في لعب دور الشريك المتوازن، بسبب تعميق ارتباطها بالمحور الروسي–الصيني، واستمرار اعتمادها على عقيدة أمنية تعود إلى منطق الحرب الباردة.
في المقابل، استطاع المغرب أن يقدّم نفسه كشريك مندمج في المنظومة الغربية، مستفيداً من موقعه الجغرافي، واستقراره السياسي النسبي، وتراكم استثماراته في الطاقات المتجددة والبنيات التحتية الكبرى، إضافة إلى دوره المتنامي في سلاسل الإمداد العالمية، خصوصاً في مجالات الفوسفاط والكوبالت والهيدروجين الأخضر.
لكن البعد الأكثر حساسية في هذا التحول يظل مرتبطاً بملف الصحراء المغربية. فالإدارة الأميركية الحالية لم تعد تتعامل مع النزاع بوصفه ملفاً مفتوحاً على جميع الاحتمالات، بل تعتبر، استناداً إلى قرار مجلس الأمن رقم 2797، أن مقترح الحكم الذاتي المغربي هو الإطار الوحيد القابل للحياة.
وفي هذا السياق، جاء ما وُصف بـ«إنذار ويتكوف» للجزائر، الذي يربط أي انخراط أميركي إيجابي بمدى تجاوبها مع مسار التطبيع الإقليمي وإنهاء دعم جبهة البوليساريو.
والأكثر لفتاً للانتباه هو انتقال واشنطن من لغة الوساطة إلى منطق الضغط التشريعي، من خلال مشروع قانون داخل الكونغرس يصنف البوليساريو كتنظيم إرهابي أجنبي، على خلفية اتهامات بالتنسيق مع أطراف مصنفة إرهابية.
ويرى التقرير، أن خطوة كهذه، إن كُتب لها المرور، قد تضع الجزائر أمام معادلة صعبة: إما مراجعة خياراتها الإقليمية، أو مواجهة عزلة سياسية واقتصادية متزايدة.
وأشار التقرير إلى أن ما يجري ليس مجرد إعادة تموضع تكتيكي، بل إعادة صياغة كاملة لخريطة النفوذ في المغرب العربي. خريطة تضع المغرب في موقع الشريك المركزي، وتدفع الجزائر إلى هامش القرار الدولي ما لم تبادر إلى تغيير مقاربتها.


تعليقات الزوار ( 0 )