نَفَسٌ جَدِيد… لِفَصْلٍ جَدِيد
هناك لحظات في تاريخ الأمم لا يكون السؤال فيها: من سيفوز في الانتخابات؟ بل يصبح السؤال الأكثر عمقًا: أي مستقبل نريد أن تفتحه هذه الانتخابات؟
ذلك هو السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه عشية الاستحقاقات التشريعية لشهر شتنبر 2026.
فإذا كانت الديمقراطية ليست مجرد احترام للدكتور و للمواعيد الانتخابية، وإنما هي قبل كل شيء إنتاج متجدد للثقة والأمل والمشاركة، فإن المغرب يوجد اليوم أمام مفترق طرق سياسي جديد، يفرض التفكير في روح جديدة للعمل السياسي، وليس فقط في حكومة جديدة.
إن ما تحتاجه بلادنا ليس مجرد انتخابات تُجرى في موعدها، وإنما انتخابات تؤسس لمرحلة جديدة من البناء الديمقراطي.
من “النفس الجديد” عند لوسيان فيفر إلى “الفصل الجديد” في المغرب
عندما استعمل المؤرخ الفرنسي لوسيان فيفر مفهوم “النفس الجديد” (Second Souffle) بعد الحرب العالمية الثانية، لم يكن يقصد مجرد تجديد مجلة “الحوليات” أو تطوير منهج البحث التاريخي، بل كان يدعو إلى إعادة بعث الحياة في الفكر بعد انهيار عالم قديم.
لقد اعتبر أن الأزمات الكبرى لا تُواجَه بإعادة إنتاج الأدوات نفسها، وإنما بإبداع أسئلة جديدة، ومناهج جديدة، ورؤية جديدة للواقع.
لقد نقل التاريخ من مجرد سرد للأحداث إلى “تاريخ-إشكالية”؛ أي تاريخ يبحث عن الأسئلة قبل الأجوبة، وعن المستقبل بقدر ما يفسر الماضي. وهذا هو الدرس الذي يمكن استلهامه اليوم في المغرب.
فنحن لا نحتاج إلى انتخابات تعيد إنتاج المشهد نفسه، بل إلى نفس جديد يجعل من الانتخابات لحظة لإعادة التفكير في الدولة والمجتمع، وفي علاقة المواطن بالسياسة.
إذا كانت النتائج معروفة… فلماذا الانتخابات؟
السؤال الذي لا يجرؤ كثيرون على طرحه هو:
إذا جرت انتخابات 2026 بنفس القوانين، ونفس الثقافة السياسية، ونفس وسائل التأطير، ونفس نسب المشاركة المتوقعة، ونفس الإكراهات الاجتماعية، فما الذي سيتغير؟ هل نريد فقط احترام الأجندة الدستورية؟ هل نريد فقط تشكيل حكومة جديدة؟ أم نريد فعلاً أن نصنع مغربًا جديدًا؟
إن احترام المواعيد الانتخابية مكسب ديمقراطي لا نقاش فيه.
لكن الديمقراطية لا تُقاس فقط بانتظام الانتخابات، وإنما أيضًا بقدرتها على إنتاج الثقة، وتجديد النخب، وفتح الأمل أمام المواطنين. أما إذا بقيت الانتخابات مجرد آلية لتدوير نفس الفاعلين، فإنها تتحول تدريجيًا إلى طقس إداري أكثر منها مشروعًا مجتمعيا.
حكومة المونديال… أم مغرب ما بعد المونديال؟
يتحدث كثيرون عن الحكومة التي ستقود المغرب نحو تنظيم كأس العالم 2030. لكن السؤال الأهم ليس هو من سيقود المونديال؟.بل من سيقود المغرب بعد المونديال؟
فالتظاهرات الرياضية الكبرى لا تصنع وحدها التنمية، ولا تعوض الحاجة إلى إصلاحات عميقة في التعليم، والصحة، والثقافة، والعدالة الاجتماعية، والحكامة.
إن حكومة المونديال يجب أن تكون أيضًا حكومة الإنسان المغربي.
الأحزاب السياسية… بين إرهاق الماضي وضبابية المستقبل
يصعب إنكار أن جزءًا مهمًا من المشهد الحزبي يعيش حالة إنهاك:
أحزاب سياسية مثقلة بتاريخها، وأخرى منشغلة بصراعاتها الداخلية، وأخرى فقدت قدرتها على إنتاج الحلم الجماعي. وأصبح النقاش السياسي في كثير من الأحيان يدور حول الأشخاص أكثر مما يدور حول المشاريع.
وهنا يبرز سؤال أنطوني غيدنز: كيف يمكن للمجتمع أن يعيد إنتاج نفسه في زمن التحولات الكبرى؟
إن السياسة التي لا تتغير تتحول إلى عبء على المجتمع.
فأين الشباب؟ فهم يشكلون أغلبية المجتمع المغربي، لكنهم الأقل حضورًا في القرار السياسي.
إنهم حاضرون في الجامعات، وفي المقاولات، وفي الابتكار الرقمي، وفي الهجرة. لكنهم غائبون عن صناعة القرار.
فليس المطلوب فقط تمثيل الشباب داخل اللوائح الانتخابية، وإنما إشراكهم في صناعة السياسات العمومية، وفي رسم مستقبل البلاد.
مغاربة العالم… رأسمال استراتيجي لا خزّان انتخابي
أكثر من خمسة ملايين مغربي يعيشون خارج الوطن. لكنهم لا يريدون أن يُستدعوا فقط خلال الانتخابات. إنهم يطالبون بالمشاركة في بناء السياسات العمومية.
لقد أنهكتهم الهجرة، وأرهقهم المنفى و الاغتراب. وشهدوا رحيل أجيال كاملة من المناضلين الذين حافظوا على ارتباطهم بالمغرب رغم قسوة المنفى.
إنهم ليسوا جالية فقط…بل قوة اقتراحية كبرى.
المدينة ليست مجرد فضاء انتخابي
من أخطاء السياسة المغربية أنها تنظر إلى المدينة باعتبارها كتلة انتخابية، بينما هي في الحقيقة مختبر اجتماعي وسياسي وثقافي واقتصادي.
إن المدينة هي المكان الذي تُختبر فيه السياسات العمومية يوميًا.
وفيها تتجسد جودة النقل، والسكن، والثقافة، والبيئة، والخدمات.
ومن هنا جعلت “دينامية الطريق الرابع” من المدينة أحد المفاتيح الأساسية لبناء مغرب المستقبل.
المغرب العميق… الفصل المؤجل
في الجبال…وفي الواحات…وفي السهول…وفي المناطق الحدودية…لا تزال أسئلة التنمية مطروحة بنفس الحدة.
هناك مغرب آخر.. لا يظهر كثيرًا في الحملات الانتخابية، لكنه يظهر يوميًا في مؤشرات الفقر والهشاشة والتفاوت المجالي،
ولا يمكن لأي مشروع ديمقراطي أن ينجح دون إعادة الاعتبار لهذا المغرب.
المدرسة قبل صناديق الاقتراع
لا يمكن للديمقراطية أن تزدهر في ظل تعليم متعثر. فالتربية ليست قطاعًا من بين القطاعات، إنها المصنع الحقيقي للمواطنة.
ولهذا جعلت الجامعة الشعبية المغربية من التربية والتكوين ونشر المعرفة أحد أعمدة مشروعها المجتمعي.
العدالة الاجتماعية ليست شعارًا
لا يمكن الحديث عن الديمقراطية في ظل تفاوتات مجالية صارخة. ولا في ظل نظام ضريبي لا يحقق الإنصاف بالشكل المطلوب. ولا في ظل استمرار الفوارق في الولوج إلى الخدمات الأساسية.
فالعدالة الاجتماعية ليست برنامجًا انتخابيًا، بل شرطًا لبقاء الديمقراطية نفسها.
الثقافة… الحلقة المنسية
تظل الثقافة آخر ما يُفكر فيه خلال الانتخابات، مع أنها أول ما يصنع الإنسان.
إن بناء ثقافة حقوق الإنسان يبدأ من المدرسة، ومن الإعلام، ومن الفضاء العمومي، ومن الفعل الثقافي. كما يبدأ من الاعتراف الفعلي بحقوق النساء، والمسنين، والمتقاعدين، والأشخاص في وضعية إعاقة، وسكان المناطق المهمشة، وكل الفئات التي ما تزال تعيش على هامش التنمية.
البراغماتية السياسية… من سؤال “من يحكم؟” إلى سؤال “ماذا نحقق؟”
هنا تلتقي رؤية ريمون آرون مع الفكر البراغماتي الأمريكي.
فالقيمة الحقيقية لأي مشروع سياسي لا تقاس بشعاراته، وإنما بقدرته على حل المشكلات الواقعية..ليست القضية إذن في من يفوز. بل في قدرة الفائزين على تحسين حياة المواطنين.
” دينامية الطريق الرابع”… نفس جديد لا طريق رابع بين اليمين واليسار والسوسيال دي موقراطي.
لا تقدم دينامية “الطريق الرابع” نفسها باعتبارها حزبًا جديدًا، ولا باعتبارها منافسًا انتخابيًا..إنها تدعو إلى نفس جديد في التفكير السياسي.
نفس يجعل الديمقراطية مشروعًا مجتمعيًا دائمًا، لا مجرد موسم انتخابي. ولهذا جاءت مذكرتها، التي تضم أكثر من ستين توصية، كوثيقة اقتراحية مفتوحة أمام جميع الأحزاب السياسية، إيمانًا بأن الإصلاح لا يكون بالاصطفاف، بل بالحوار، وبالترافع، وبإنتاج
خاتمة: نَفَسٌ جديد… يليق بمغرب المستقبل
لقد أثبت التاريخ أن الأمم التي تتقدم ليست تلك التي تكرر تجاربها، بل تلك التي تمتلك الشجاعة لافتتاح فصول جديدة من تاريخها. وهذا هو المعنى العميق لـ”النفس الجديد” الذي دعا إليه لوسيان فيفر؛ ليس مجرد تغيير في الأشخاص أو المؤسسات، وإنما تجديد في الفكر، وفي الأسئلة، وفي طرق بناء المستقبل.
لقد كافح المغرب من أجل الاستقلال، وقدم المغاربة تضحيات جسامًا من أجل الحرية والكرامة وبناء الدولة الوطنية. ثم واصل مسارًا إصلاحيًا نوعيًا تجسد في مغرب الإنصاف والمصالحة، ومغرب إنصاف المرأة، والاعتراف الرسمي بالأمازيغية، وبناء المؤسسات الدستورية، وإطلاق الأوراش الاقتصادية الكبرى، وإنجاز البنيات التحتية الاستراتيجية، وترسيخ الأمن والاستقرار، وصيانة الوحدة الوطنية والترابية، وتعزيز مكانة المملكة واحترامها لالتزاماتها الدولية.
إن هذا الرصيد الوطني الكبير ليس نهاية المسار، بل هو نقطة انطلاق نحو مرحلة جديدة. فالمغرب الذي استطاع أن يحقق كل هذه الإنجازات، هو أيضًا المغرب القادر على بناء مستقبله من دون الاكتفاء بتكرار ما سبق، ومن دون إعادة إنتاج نفس المقاربات ونفس الممارسات ونفس الأجوبة.
إن انتخابات شتنبر 2026 ينبغي ألا تكون مجرد محطة دستورية عادية، بل فرصة لفتح فصل جديد في الممارسة الديمقراطية، قوامه الثقة، والمشاركة، والنجاعة، والعدالة، وتجديد النخب، وربط السياسة بانشغالات المواطنين وآمالهم.
هذا هو التصور الأولي الذي تقترحه دينامية الطريق الرابع؛ ليس باعتباره وصفة جاهزة أو حقيقة مكتملة، وإنما باعتباره دعوة مفتوحة إلى التفكير والحوار والتشارك في بناء مغرب المستقبل. فالمستقبل لا يصنعه طرف واحد، ولا يحتكره فاعل واحد، بل تبنيه الإرادات الوطنية حين تلتقي حول المصلحة العليا للوطن.
فمرحبًا بكل من يؤمن بأن المغرب يستحق نَفَسًا جديدًا… لفصلٍ جديد.
المصطفى المريزق
منسق دينامية الطريق الرابع
ملحوظة: أنتظر انتقاداتكم، فهي تُقوّيني، وتُساعدني على رؤية ما قد يغيب عني، كما تكشف لي ما يثير اهتمامكم بهذا المشروع، أو ما يزعجكم فيه. وفي كلتا الحالتين، يظل الحوار الصادق سبيلًا للتطوير، والاختلافُ مصدرًا للإغناء لا للإقصاء.






تعليقات الزوار ( 0 )