تتصاعد التساؤلات حول مدى قدرة الجارة الجزائر على توظيف أزمتي الطاقة والتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط لتحقيق مكاسب سياسية ضد المغرب، وسط قراءات متباينة تربط بين حجم الصادرات الغازية وبين القدرة على ممارسة الضغط الدولي.
وغير أن المؤشرات الرقمية والواقع الهيكلي للسوق الطاقية العالمية يفرضان مقاربة واقعية تتجاوز الشعارات السياسية المستهلكة، لتسلط الضوء على الإكراهات الداخلية واللوجستية التي تكبل طموحات الجزائر الإقليمية وتجعل من “ورقة الغاز” أداة محدودة التأثير في موازين القوى الراهنة.
وعلى مستوى الفاعلين الدوليين، لم تعد أوروبا تراهن على مورد وحيد لتأمين احتياجاتها، بل اتجهت نحو تنويع شركائها الاستراتيجيين مع قوى كبرى مثل الولايات المتحدة والنرويج اللتين تستحوذان اليوم على الحصة الأكبر في السوق الأوروبية، مما قلص من وزن الإمدادات الجزائرية.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، تبرز الحاجة إلى استثمارات ضخمة وتقنيات متطورة لتطوير الحقول الغازية، وهي مشاريع تتطلب سنوات طويلة ومناخا استثماريا مستقرا، مما يجعل أي حديث عن استغلال الطاقة للضغط على الرباط مجرد خطاب للاستهلاك الداخلي يفتقر للركائز الاستراتيجية الميدانية.
وفي هذا السياق، أكد علي الغنبوري، الخبير والمحلل الاقتصادي ورئيس مركز الاستشراق الاقتصادي والاجتماعي، أن الفكرة القائلة بقدرة الجزائر على استغلال أزمة الطاقة لتحقيق مكاسب سياسية على حساب المغرب تظل بعيدة كل البعد عن الواقع المعطياتي.
وأوضح الغنبوري في تصريح لجريدة “الشعاع”، أن الأرقام تؤكد أن الجزائر تعاني من ضغط متزايد للطلب الداخلي الذي ينمو سنويا، خاصة في مجال إنتاج الكهرباء، مما يضع توازنها الطاقي المحلي في وضع صعب.
وأضاف أن بنيتها اللوجستية المعتمدة على أنبوبين فقط يربطانها بأوروبا تجعل حصتها في السوق الأوروبية لا تتعدى 12%، وهي نسبة غير كافية لامتلاك نفوذ دولي أو ممارسة ضغوط على القوى الأخرى.
واستطرد أن السوق الأوروبية لم تعد تراهن على مورد واحد، حيث تراجعت حصة الجزائر من 41 إلى 39 مليار متر مكعب، في وقت تهيمن فيه الولايات المتحدة والنرويج على السوق.
ولفت إلى أن الخطط الجزائرية لزيادة الإنتاج، تصطدم بحاجتها لاستثمارات ضخمة بملايير الدولارات وشراكات طويلة المدى، وهي نتائج لن تظهر إلا بعد سنوات طويلة.
وأكد على أن الجزائر لا تملك القدرة الهيكلية ولا الإمكانات الاستراتيجية لتحويل الغاز إلى ورقة ضغط ضد المغرب، وأن دورها يظل محدودا بفعل الضغط الداخلي وموقعها الثانوي عالميا، مشددا على أن موازين القوى الحقيقية تبنى اليوم بالرؤية والاستباق لا بالمزايدات الظرفية.






تعليقات الزوار ( 0 )