نشرت مجلة فورين بوليسي تقريرًا للباحث مايكل كاغلمان سلط فيه الضوء على التحركات المتسارعة لباكستان في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، معتبرًا أن إسلام أباد تحاول استثمار اللحظة الجيوبوليتيكية الراهنة لتعزيز حضورها الإقليمي وتوسيع أدوارها الأمنية خارج نطاقها التقليدي في جنوب آسيا.
وأشار التقرير إلى ما أوردته وكالة رويترز مؤخرًا بشأن اقتراب باكستان من إبرام صفقة أسلحة مع السودان بقيمة تناهز 1.5 مليار دولار، في سياق مشابه لتقارير سابقة تحدثت عن صفقة عسكرية أكبر بقيمة 4 مليارات دولار مع الجيش الوطني الليبي المسيطر على شرق البلاد. وتأتي هذه الصفقات ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى ترسيخ موقع باكستان كمزود أمني مؤثر في مناطق تشهد فراغات استراتيجية وصراعات مفتوحة.
ولا تقتصر التحركات الباكستانية على إفريقيا، إذ تجري إسلام أباد مفاوضات حول صفقات تسليح مماثلة مع حليفتها التاريخية المملكة العربية السعودية، التي تربطها بها معاهدة دفاع مشترك، مع وجود مؤشرات على احتمال انضمام تركيا، الشريك الإقليمي القريب، إلى هذه الترتيبات الدفاعية، بما يعكس تشكل محور أمني جديد متعدد الأطراف.
وفي بعد سياسي موازٍ، أبدت باكستان اهتماما بالمشاركة في قوة دولية لتحقيق الاستقرار في غزة، في خطوة تفسرها فورين بوليسي على أنها محاولة من إسلام أباد لتعزيز موقعها لدى واشنطن، وتقديم نفسها كفاعل إقليمي مسؤول قادر على المساهمة في إدارة الأزمات الكبرى. كما تعكس هذه المقاربة سعي باكستان إلى توظيف علاقاتها التاريخية وموقعها الجغرافي لرفع قيمتها الاستراتيجية في حسابات القوى الكبرى.
وترى المجلة أن صفقات السلاح، ولا سيما تلك المتعلقة بالمقاتلات الجوية، تستند إلى الثقة التي اكتسبها الأداء العسكري الباكستاني خلال المواجهة الأخيرة مع الهند في أيار/مايو الماضي، حين لفتت قدرات سلاح الجو الباكستاني انتباه المراقبين الإقليميين والدوليين. كما تسعى إسلام أباد من خلال انخراطها المتزايد في الشرق الأوسط إلى موازنة النفوذ الهندي المتنامي في المنطقة، وتعويض الضغوط الجيوبوليتيكية التي تواجهها في محيطها الآسيوي المباشر.
غير أن هذا التوسع لا يخلو من مخاطر، إذ قد تجد باكستان نفسها عالقة في شبكات تنافس إقليمي معقدة. فبيع السلاح للسودان، على سبيل المثال، يضعها في قلب التنافس غير المعلن بين السعودية والإمارات داخل هذا البلد. كما أن أي تحالف دفاعي يضم تركيا والسعودية يحمل في طياته حساسية إضافية، نظرًا لاختلاف مواقف الدولتين سابقًا بشأن الصراع الليبي، رغم مؤشرات التقارب الأخيرة بين أنقرة والجيش الوطني الليبي.
ويشير التقرير أيضا إلى محاولة باكستان لعب دور الوسيط بين الولايات المتحدة وإيران، وهي جهود حققت نتائج محدودة في العام الماضي، لكنها لقيت ترحيبا أمريكيا. ويرى بعض المحللين أن إعادة إحياء هذا الدور قد يخدم مصالح إسلام أباد، خاصة في ظل سعيها لتفادي أي تصعيد عسكري محتمل ضد إيران، لما قد يحمله من تداعيات إقليمية مباشرة عليها.
وبالرغم من العلاقات الودية التي تجمع باكستان وإيران، فإنها تظل علاقة هشة، كما أظهر اشتباك عسكري محدود عام 2024، أعاد إلى الواجهة مخاوف مرتبطة بالتطرف العابر للحدود وبالتحالفات الباكستانية مع خصوم طهران الإقليميين. كما أن تنامي تقارب إسلام أباد مع واشنطن قد يحد من قدرتها على لعب دور الوسيط المقبول لدى إيران.
ويخلص تقرير فورين بوليسي إلى أن باكستان، وهي تعزز حضورها الجيوبوليتيكي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تجد نفسها أمام معادلة دقيقة: توسيع نفوذها كشريك أمني فاعل، مقابل إدارة مخاطر الانخراط في صراعات إقليمية معقدة، في وقت تواجه فيه تحديات داخلية حادة وتوترات مستمرة مع أفغانستان والهند، ما يجعل أي خطأ في الحسابات الخارجية مكلفا على المديين القريب والبعيد.




تعليقات الزوار ( 0 )