اعتبر هشام معتضد، الخبير في السياسات العامة والتحليل الاستراتيجي من كندا، أن حديث الملك محمد السادس في خطاب عيد العرش عن الحكومة التي ستنبثق عن الانتخابات التشريعية المقبلة، قبل أشهر من موعد الاقتراع، يحمل دلالات سياسية ومؤسساتية عميقة، تتجاوز مجرد الإشارة الزمنية إلى الاستحقاق الانتخابي، لتشكل إطاراً استراتيجياً واضحاً للمرحلة الحكومية المقبلة.
وأوضح معتضد في حديث مع “الشعاع الجديد”، أن الملك لم يتحدث عن أسماء أو أحزاب أو توازنات انتخابية، ولم يوجه الناخبين نحو خيار سياسي معين، وإنما حدد منذ الآن السقف الوظيفي للحكومة المقبلة، والمتمثل في تحصين المكتسبات، ومواصلة المشاريع والإصلاحات الكبرى، وإطلاق دورة جديدة في المسار التنموي للمملكة.
من سيفوز بالانتخابات.. “ما الذي يجب أن تكون الحكومة المقبلة قادرة على إنجازه؟”
وأضاف أن الخطاب نقل النقاش من سؤال “من سيفوز بالانتخابات؟” إلى سؤال أكثر أهمية بالنسبة للدولة، وهو “ما الذي يجب أن تكون الحكومة المقبلة قادرة على إنجازه؟”، معتبراً أن هذه المقاربة تعكس رؤية مؤسساتية تقوم على استمرارية الدولة واستدامة المشاريع الاستراتيجية.
وأشار إلى أن الخطاب الملكي يميز بوضوح بين الاستمرارية الاستراتيجية للدولة وبين التداول الحكومي الذي تفرزه الانتخابات، لافتا إلى أن تأكيد الملك على أن المكتسبات الاقتصادية والاجتماعية “تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني” يعني أن الانتخابات لا تعيد رسم الخيارات الكبرى للدولة، وإنما تفرز السلطة التنفيذية المكلفة بمواصلة هذه الخيارات وتطويرها.
ويرى الخبير أن الحكومة المقبلة ستكون مطالبة بالدخول إلى مسؤولياتها وهي تدرك أن مهمتها الأساسية ليست إعادة صياغة السياسات الوطنية من الصفر، وإنما تحويل التراكمات التي حققتها المملكة خلال السنوات الماضية إلى مرحلة جديدة ترتكز على النجاعة والفعالية وتحقيق النتائج.
دورة جديدة في المسار التنموي
وأكد معتضد أن من أبرز الرسائل الواردة في الخطاب الملكي حديث العاهل المغربي عن إطلاق “دورة جديدة في مسارنا التنموي”، معتبرا أن هذه العبارة تحمل وزنا سياسيا كبيرا، لأنها تشير إلى انتقال المغرب من مرحلة بناء الأسس الكبرى إلى مرحلة تعميق السيادة الاقتصادية، وتسريع التصنيع، وتعزيز التمويل الوطني، وتطوير الصناعات الدفاعية، والرقمنة، والعدالة المجالية، والتنمية الترابية المندمجة.
وأضاف أن المرحلة المقبلة ستقوم على الانتقال من منطق إطلاق المشاريع الكبرى إلى منطق قياس أثرها الفعلي على الاقتصاد الوطني وعلى حياة المواطنين، بما يجعل الأداء الحكومي معياراً أساسياً لتقييم النجاح.
واعتبر أن العد التنازلي لمرحلة سياسية جديدة قد بدأ بالفعل، لكن ليس بالمفهوم الانتخابي الضيق، وإنما من خلال تحديد شروط المرحلة المقبلة ومتطلباتها، موضحاً أن الخطاب يشكل بمثابة “ورقة تكليف سياسية غير مباشرة” للحكومة القادمة، التي ستكون مطالبة بتعزيز التنفيذ، وتنسيق السياسات العمومية، وتعبئة التمويل الداخلي، وحماية المكتسبات، وتحويل المكانة الدولية المتقدمة للمغرب إلى فرص استثمار ونمو اقتصادي ومناصب شغل.
شرعية الأداء قبل نتائج الاقتراع
وشدد على أن معيار الشرعية السياسية في المرحلة المقبلة لن يقتصر على نتائج صناديق الاقتراع، بل سيمتد إلى شرعية الأداء والإنجاز والقدرة على تحقيق نتائج ملموسة.
وفي هذا السياق، وجه معتضد رسالة إلى الأحزاب السياسية، أن الانتخابات المقبلة لن تكون مجرد منافسة على تعبئة الأصوات، بل اختبارا لقدرتها على تقديم نخب حكومية تمتلك الكفاءة والخبرة لإدارة دولة أصبحت أكثر تعقيدا، في ظل تحديات ترتبط بالاقتصاد الصناعي، والأمن المائي والغذائي، والسيادة الطاقية، والصناعات الدفاعية، والتمويل المبتكر، والتنمية الترابية، والشراكات الدولية المتوازنة.
وختم الخبير تحليله بالتأكيد على أن الإشارة الملكية إلى الحكومة المقبلة لا يمكن اعتبارها مجرد استباق زمني للاستحقاقات الانتخابية، بل تمثل إعادة تعريف مبكرة لوظيفتها داخل المشروع السياسي للدولة، حيث ترك الملك للانتخابات تحديد الأغلبية السياسية، لكنه رسم مسبقا طبيعة المهمة الاستراتيجية المنتظرة من الحكومة القادمة، في إطار انتقال المغرب من مرحلة تراكم المكتسبات إلى مرحلة تعظيم آثارها الاقتصادية والاجتماعية، ومن بناء الأوراش الكبرى إلى تعظيم مردوديتها، ومن الاستقرار باعتباره إنجازاً إلى الاستقرار باعتباره رافعة لتعزيز القوة الاقتصادية والسياسية للمملكة.





تعليقات الزوار ( 0 )