تشهد العلاقات بين الجزائر ودولة الإمارات العربية المتحدة تصعيدا غير مسبوق، بعد سنوات من التوتر غير المعلن، في تطور يعكس تحولات عميقة في موازين القوى والتحالفات داخل المنطقة المغاربية والشرق الأوسط.
فقرار الجزائر إلغاء اتفاق النقل الجوي الموقع سنة 2013 لم يقرأ فقط كخطوة تقنية، بل كإشارة سياسية واضحة إلى انتقال الخلاف بين البلدين إلى مرحلة القطيعة شبه المفتوحة.
ووفق تحليل نشره موقع “المونيتر” (Al-Monitor) المتخصص في الشؤون الجيوسياسية، فإن الأزمة الحالية لا ترتبط بملف واحد، بل هي نتيجة تداخل عدة ملفات إقليمية حساسة، أبرزها الصحراء، وليبيا، وإعادة تشكيل التحالفات الأمنية في شمال إفريقيا.
ويُجمع مراقبون على أن ملف الصحراء يمثل جوهر التوتر بين الجزائر وأبوظبي. فالإمارات كانت من أوائل الدول العربية التي أعلنت دعمها الواضح لمغربية الصحراء، وهو موقف يتناقض جذريا مع الدعم السياسي والعسكري الذي تقدمه الجزائر لجبهة البوليساريو.
هذا التباين الاستراتيجي حوّل القضية من خلاف دبلوماسي تقليدي إلى صراع نفوذ إقليمي، خاصة مع تزايد الاعترافات الدولية بالمبادرة المغربية للحكم الذاتي، وهو ما تعتبره الجزائر تراجعا لموقعها السياسي داخل القارة الإفريقية والعالم العربي.
ويشير التقرير إلى أن أحد أبرز دوافع التوتر يتمثل في القلق الجزائري من تطور التعاون الأمني والعسكري بين المغرب وإسرائيل منذ استئناف العلاقات سنة 2020.
وسمح هذا التقارب، بحسب التحليل، بتعزيز القدرات العسكرية المغربية عبر تكنولوجيا متقدمة، خاصة في مجال الطائرات المسيّرة وأنظمة المراقبة.
وترى الجزائر في هذا التحالف، المدعوم سياسيا من بعض القوى الإقليمية ومنها الإمارات، تحولا في التوازن العسكري الإقليمي، ما يزيد من حساسيتها تجاه أي اصطفاف سياسي يدعم الرباط.
ولا يقتصر الخلاف على منطقة المغرب العربي فقط، بل يمتد إلى ليبيا، حيث دعمت الإمارات القائد العسكري في شرق البلاد خليفة حفتر، في حين تفضل الجزائر مقاربة مختلفة تقوم على الحياد النسبي والحلول السياسية التوافقية.
وهذا التباين حول مستقبل ليبيا يعكس تنافسا أوسع على التأثير في شمال إفريقيا والساحل، وهي منطقة تعتبرها الجزائر مجالا حيويا لأمنها القومي.
ويرى تقرير “المونيتر” أن العلاقات الجزائرية الإماراتية دخلت ما يشبه “الحرب الباردة” السياسية، حيث تنظر الجزائر إلى أبوظبي كفاعل إقليمي يدعم خصومها الاستراتيجيين ويساهم في توسيع نفوذ تحالفات جديدة في المنطقة، بما في ذلك الانفتاح الإسرائيلي في شمال إفريقيا.
وفي هذا السياق، لم يعد قرار إلغاء اتفاق الطيران سوى تجل عملي لتدهور أعمق في الثقة السياسية بين البلدين، يعكس إعادة رسم التحالفات الإقليمية في مرحلة تتسم بتسارع الاصطفافات الجيوسياسية.
ورغم غياب إعلان رسمي بقطع العلاقات، تشير المؤشرات الدبلوماسية إلى أن الأزمة مرشحة للاستمرار، خاصة في ظل تباعد الرؤى حول ملفات استراتيجية يصعب التوصل فيها إلى تسويات سريعة.
وبين صراع النفوذ في ليبيا، والتنافس حول الصحراء، والتحالفات الأمنية الجديدة في المنطقة، تبدو العلاقات الجزائرية الإماراتية اليوم أمام اختبار حقيقي قد يعيد تشكيل توازنات سياسية أوسع داخل العالم العربي وشمال إفريقيا.




تعليقات الزوار ( 0 )