أوصى مجلس المنافسة بإدخال تعديلات جوهرية على مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة، داعيا إلى مراجعة عدد من المقتضيات التي تهم شروط الولوج إلى المهنة، وتنظيم الأتعاب، وتدبير الموارد المالية لهيئات المحامين، إلى جانب تعزيز الرقمنة وإرساء قواعد جديدة للتواصل المهني، وذلك بهدف تكريس مبادئ الشفافية والمنافسة وتجويد الخدمات القانونية.
وجاءت هذه التوصيات ضمن الرأي الذي أصدره المجلس بشأن مشروع القانون المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، في سياق استمرار الجدل بين وزارة العدل وهيئات المحامين حول عدد من مقتضيات المشروع، حيث تبنى المجلس مقاربة تقوم على تحقيق التوازن بين استقلالية المهنة ومتطلبات تحديث سوق الخدمات القانونية.
ومن أبرز التوصيات التي قدمها المجلس الدعوة إلى إلغاء شرط السن الأقصى المحدد في 45 سنة لولوج مهنة المحاماة، معتبرا أن هذا القيد يحول دون استقطاب كفاءات راكمت خبرة مهنية في مجالات قانونية مختلفة، كما أنه لا ينسجم مع عدد من التجارب المقارنة التي لا تعتمد سقفا عمريا للالتحاق بالمهنة.
وفي السياق ذاته، اقترح المجلس اعتماد آليات مرنة لإدماج بعض الممارسين في المهن القانونية والإدارية داخل هيئة المحامين، من قبيل أطر الإدارات العمومية وموظفي كتابة الضبط والمستشارين القانونيين بالمقاولات، وذلك عبر نظام للإعفاء الجزئي من بعض شروط الولوج، مع إخضاعهم لاختبار للكفاءات تحت إشراف الوزارة الوصية، شريطة التفرغ الكامل لممارسة المحاماة تفاديا لأي تضارب للمصالح.
وفي ما يتعلق بمجال الاختصاص، دعا مجلس المنافسة إلى مراجعة المادة 33 من مشروع القانون، بما يضمن وضوح اختصاص المحامي في تحرير مختلف العقود المرتبطة بالأنشطة الاقتصادية والتجارية والمدنية، مع استثناء العقود المتعلقة بالحقوق العينية العقارية، حفاظا على توزيع الاختصاصات بين مختلف المهن القانونية.
كما أوصى بإعادة النظر في اختصاص المحامي بصفته وكيلا للمهن الرياضية والفنية، عبر حصر دوره في الجوانب القانونية فقط، بما يضمن الفصل بين النشاط القانوني والوساطة التجارية، ويعزز شفافية المنافسة داخل هذا المجال.
وفي الشق المالي، اقترح المجلس مراجعة نظام واجبات الانخراط داخل هيئات المحامين، من خلال اعتماد سقف وطني مرجعي يحدد قيمة هذه الرسوم وفق معايير موضوعية، مع الاقتصار على تغطية المصاريف الإدارية المرتبطة بالولوج إلى المهنة، بدل توظيفها في تمويل خدمات أخرى.
كما دعا إلى اعتماد اشتراكات سنوية تراعي حجم النشاط المهني لكل محام، إلى جانب إقرار نظام للاقتطاع المباشر من المداخيل قصد تمويل أنظمة التغطية الصحية والتقاعد والتأمين، بما يضمن استدامة الحماية الاجتماعية للمحامين وتحقيق عدالة أكبر في المساهمات.
ولتعزيز البنيات الداعمة للمهنة، أوصى المجلس بإحداث صندوق وطني لضمان ودعم مكاتب المحاماة، خاصة لفائدة المحامين الجدد، إضافة إلى إنشاء صندوق خاص بتمويل التحول الرقمي للمكاتب، بما يشمل توفير برمجيات موحدة وتكوينات تقنية، فضلا عن اعتماد نظام وطني موحد للتأمين عن المسؤولية المدنية المهنية ومنظومة مركزية للخدمات الاجتماعية والتقاعد.
وفي جانب العلاقة بين المحامي والموكل، اقترح المجلس إعداد مرجعية استرشادية للأتعاب من طرف وزارة العدل، يتم اللجوء إليها عند غياب اتفاق مكتوب بين الطرفين، مع تطوير منصة رقمية تمكن المتقاضين من الحصول على تقدير تقريبي لتكاليف الخدمات القانونية، وإلزام المحامين بإبرام اتفاقات مكتوبة تتضمن تفاصيل احتساب الأتعاب ومراحل أدائها، إلى جانب إصدار فواتير مفصلة بالخدمات المقدمة.
كما تضمنت التوصيات إحداث لجان متخصصة داخل هيئات المحامين لتسوية منازعات الأتعاب بشكل ودي وسريع، بما يحد من النزاعات المرتبطة بالمقابل المالي للخدمات القانونية.
وفي ما يخص التواصل المهني، دعا مجلس المنافسة إلى اعتماد ميثاق ينظم الحضور الرقمي للمحامين على المواقع الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي، مع السماح لهم بالتعريف بمجالات تخصصهم وخبراتهم بطريقة موضوعية، ومنع الإعلانات المقارنة أو العبارات التفضيلية التي قد تمس بقواعد المنافسة وأخلاقيات المهنة.
كما أوصى بإحداث لجنة لليقظة الأخلاقية داخل الهيئات المهنية تتولى مراقبة المحتوى الرقمي والإشهاري للمحامين، مع تشجيع نشر المقالات والدراسات القانونية باعتبارها نشاطا علميا وتوعويا لا يندرج ضمن الإشهار التجاري.
وتعكس هذه التوصيات، بحسب مجلس المنافسة، توجها نحو تحديث الإطار القانوني المنظم لمهنة المحاماة، من خلال تعزيز الشفافية، وتوسيع فرص الولوج إلى المهنة، وتطوير آليات الحكامة والتنافسية، في وقت لا يزال فيه مشروع القانون يثير نقاشا واسعا بين وزارة العدل وهيئات المحامين، التي سبق أن عبرت عن رفضها لعدد من مضامينه، معتبرة أنها تمس باستقلالية المهنة وتوازناتها التنظيمية.



تعليقات الزوار ( 0 )