نظمت دار الشعر بمراكش، بتنسيق مع المدرسة العليا للأساتذة بجامعة القاضي عياض، يوم الخميس الماضي، يوما دراسيا خصص لموضوع تدريسية النص الشعري، بمشاركة باحثين ونقاد وشعراء، إلى جانب حضور طلبة المدرسة العليا للأساتذة.
وافتتحت فعاليات هذا اللقاء بتنظيم ورشة تطبيقية نموذجية في الكتابة الشعرية أشرف عليها الشاعر والناقد الدكتور عبد اللطيف السخيري، أستاذ بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين ومؤطر ورشات الكتابة الشعرية للشباب. وقد امتدت الورشة لساعتين، وركزت على الجمع بين التأطير النظري والتطبيق العملي، من خلال اعتماد تقنية الانعكاس المرآوي التي مكنت المشاركين من إنتاج نصوص شعرية ضمن مجموعات عمل. وانتقلت التجربة تدريجياً من صياغة الجملة إلى بناء الفكرة الشعرية ثم الربط الفني بين مكونات النص، وصولاً إلى استثمار الحس البصري في صياغة الصور الشعرية.

وشكلت هذه الورشة التطبيقية مناسبة لتقديم تجربة دار الشعر بمراكش في تأطير ورشات الكتابة الشعرية الموجهة للأطفال واليافعين والشباب والمهتمين، وهي تجربة راكمت حضوراً لافتاً في المشهد الثقافي منذ تأسيس الدار سنة 2017 في إطار التعاون بين وزارة الثقافة المغربية ودائرة الثقافة في حكومة الشارقة.
وعرف المدرج الرئيسي للمدرسة العليا للأساتذة حضوراً مكثفاً خلال الجلسة الافتتاحية التي أدارها الدكتور عبد الرحيم ناجح، حيث قدمت خلالها كلمتا المؤسستين المنظمتين. وأكدت الدكتورة خديجة الحريري، مديرة المدرسة العليا للأساتذة، أهمية هذا التعاون الثقافي والعلمي مع دار الشعر بمراكش، مشيدة بتجربتها التي اكتسبت إشعاعاً عربياً ودولياً، ومعلنة حرص المؤسسة الجامعية على ترسيخ هذا الموعد الثقافي بشكل سنوي.
من جهته استعرض الشاعر عبد الحق ميفراني تجربة دار الشعر بمراكش وبرامجها الثقافية والشعرية، مشيراً إلى أن الدار استطاعت خلال سنوات قليلة أن ترسخ حضورها في المشهد الثقافي عبر تنظيم تظاهرات شعرية وملتقيات فكرية، إضافة إلى انفتاحها على مؤسسات جامعية عدة، من بينها كلية اللغة العربية وكلية الآداب والمكتبة الرقمية الجامعية بمراكش، وكذا كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بقلعة السراغنة.
وتواصلت فعاليات اليوم الدراسي بعقد جلسة علمية خصصت لموضوع تدريسية النص الشعري، قدم خلالها عدد من الباحثين مداخلات قاربت علاقة الشعر بالتربية من زوايا ديداكتيكية مختلفة.

في هذا السياق، تناول الباحث الدكتور عبد الرحمان أبو جاوة موضوع النحو مدخلاً لتدريس النص الشعري في التعليم الثانوي التأهيلي، حيث أكد أهمية النحو التحليلي الوظيفي في بناء المعنى داخل النص الشعري، مشيراً إلى أن النحو لا يقتصر على الجانب الشكلي بل يسهم في كشف الدلالات الجمالية للنص. كما أبرز وجود فجوة بين التوجيهات التربوية التي تدعو إلى توظيف النحو في تحليل النصوص وبين الممارسة الفعلية في الكتب المدرسية.
أما الباحثة الدكتورة سالمة الراجي فقد قاربت موضوع النصوص الشعرية في الكتاب المدرسي من التذوق إلى تمثل القيمة، مبرزة أن الشعر لا ينبغي أن يختزل في كونه مادة لغوية، بل يتجاوز ذلك ليصبح وسيطاً لتشكيل الوعي الجمالي والقيمي لدى المتعلم. وانتقدت في هذا السياق بعض الممارسات التعليمية التي تحول النص الشعري إلى مجرد وحدات معجمية منفصلة تفقده أثره الجمالي.
بدوره قدم الدكتور عزيز عشعاش مداخلة حول ديداكتيك النص الشعري في التعليم الثانوي، حيث وقف عند إشكالية هيمنة القراءة المنهجية النمطية في تدريس الشعر، معتبراً أن النص الشعري يحتل مكانة محدودة في المقررات الدراسية مقارنة بالنصوص النثرية. كما شدد على أهمية ارتباط تدريس الشعر بشغف المدرس بهذا الفن وقدرته على نقل هذا الشغف إلى المتعلمين.

وشهدت الجلسة الختامية نقاشاً تفاعلياً بين الطلبة والأساتذة حول عدد من الإشكالات المرتبطة بتدريس الشعر، من بينها ضعف حضور الكتابة الشعرية في مكون التعبير والإنشاء، وطبيعة النصوص المختارة في المقررات الدراسية، إضافة إلى صعوبات توظيف المكون النحوي في تحليل النصوص الشعرية.
وأكد المتدخلون في ردودهم على ضرورة التكامل بين مهارتي القراءة والكتابة، والتمييز بين مقاربة النصوص الشعرية والنصوص السردية، مع اعتماد التحليل الذي يبرز الصورة الشعرية والإيقاع والانزياح اللغوي، بما يتيح للمتعلمين تذوق النصوص جمالياً بدل الاقتصار على التحليل التقني الجاف.
كما شدد المشاركون على أهمية دور المدرس في إنجاح درس الشعر، باعتباره العنصر المحوري في العملية التعليمية، إذ يتطلب تدريس الشعر قدرة على الإحساس بالنص وتذوقه قبل نقله إلى المتعلمين.
واختتم اليوم الدراسي بفقرة شعرية بعنوان إشراقات شعرية، شارك فيها الشعراء مولاي رشيد العلوي وهاجر آيت مولاي علي وبوبكر وسلام، إلى جانب مشاركة عدد من الطلبة الذين قدموا نصوصاً شعرية من إنتاجهم بعد استفادتهم من الورشة التطبيقية.
وفي ختام اللقاء تم توزيع شواهد تقديرية على المشاركين، مع التأكيد على أهمية مواصلة هذا النوع من اللقاءات العلمية التي تسعى إلى تطوير مقاربات تدريس الأدب، وتعزيز حضور الشعر في المنظومة التربوية بما يسهم في بناء الحس الجمالي والقيمي لدى المتعلمين.




تعليقات الزوار ( 0 )