يستقر حطام سفينة معدنية ضخمة بشاطئ مهدية بمدينة القنيطرة منذ سنوات طويلة، متسببا في حوادث دموية وإصابات جسدية بالغة لمرتادي هذا الفضاء.
وتغوص كتل حديدية صدئة تحت الرمال ومياه البحر، لتتحول إلى مصائد حادة تتربص بالسباحين وممارسي الرياضات المائية بشكل يومي ومستمر.
يخفي الجزء الظاهر من هذا الهيكل امتدادات معدنية أعمق تحت السطح، مما يجعل السباحة في المقطع الساحلي المذكور مغامرة محفوفة بمخاطر حقيقية.
وتتضاعف خطورة هذا الجسم الدخيل خلال فترات المد البحري العالي، حيث تغطي المياه الهيكل الحديدي وتجعله غير مرئي نهائيا لرواد الشاطئ.
يتحول الحطام المغمور إلى حاجز صلب يرتطم به الأطفال والشبان أثناء ممارسة السباحة أو القفز وسط الأمواج المتكسرة بالقرب من الشاطئ.
وتتعرض فئة ممارسي رياضة ركوب الأمواج لخطر تمزق البذلات المطاطية وتكسر الألواح الخشبية والزجاجية بمجرد الاحتكاك العنيف بهذه البقايا الحادة.
تبعا لذلك، تسجل المراكز الصحية ومستعجلات القنيطرة توافد حالات مصابة بجروح غائرة وتمزقات عضلية ناجمة عن الاحتكاك المباشر بالقطع المعدنية المتآكلة.
ويتطلب العلاج الطبي في هذه الحالات تدخلا مستعجلا لتقطيب الجروح وحقنا مضادة لمرض الكزاز، لتفادي مضاعفات صحية خطيرة تهدد سلامة الضحايا.
تشكل القطع الصدئة بيئة خصبة لتكاثر البكتيريا، مما يرفع من احتمالات تسمم الجروح وتدهور الحالة السريرية للمصابين بشكل سريع ومفاجئ.
ويضاعف هذا التلوث البيولوجي الكيميائي من معاناة المصابين ويكبدهم مصاريف علاجية إضافية كان بالإمكان تفاديها بمجرد تصفية الملك العمومي البحري.
غياب التواصل وتداخل الاختصاصات
إداريا، تتجاهل الجهات المسؤولة عن تدبير الملك العمومي البحري هذا التهديد الميداني الموثق، رغم المناشدات المتكررة لإزالة الهيكل وتأمين محيط السباحة.
ويفرز التداخل المؤسساتي في الصلاحيات بين المجلس الجماعي لمهدية ووزارة التجهيز والماء شللا إداريا تاما في اتخاذ قرار التدخل المباشر.
تبرر المجالس المنتخبة تعثر المعالجة بكون تدبير الشواطئ وحماية الساحل يدخل ضمن الاختصاصات الحصرية لقطاعات حكومية ومندوبيات إقليمية محددة بقوة القانون.
حاولت جريدة الشعاع الجديد في هذا السياق ربط الاتصال برئيس المجلس الجماعي لمهدية والجهات التقنية المسؤولة لاستفسارهم حول أسباب هذا التأخر المستفز.
باءت جميع المحاولات الهاتفية المتكررة للحصول على تصريح رسمي بالفشل، وظلت الهواتف ترن دون مجيب من طرف مسؤولي الشأن المحلي.
ويعكس هذا التهرب الصريح غيابا لثقافة التواصل المؤسساتي، ورغبة واضحة في التملص من التبعات القانونية المترتبة عن ترك جسم يهدد السلامة الجسدية.
على المستوى الميداني، تغيب اللوحات التحذيرية وعلامات التشوير التي تنبه المرتفقين لوجود خطر معدني مغمور في هذه النقطة الشاطئية المفتوحة للعموم.
وتكتفي فرق الوقاية المدنية بالتدخل البعدي لإسعاف الضحايا، عوض تفعيل آليات المنع الاستباقي وتطويق المكان بحواجز تمنع اقتراب السباحين.
يترجم التعاطي السطحي مع الظاهرة ضعفا جليا في إدارة المخاطر وتدبير الأزمات داخل المنظومة الإدارية المشرفة على تسيير الشواطئ وتأمين روادها.
ويستمر توافد الزوار يوميا نحو هذه المصيدة المعدنية دون أي إرشاد أو توجيه يحميهم من الحوادث المحتملة التي قد تكلفهم أرواحهم.
تحديات تقنية وتكلفة مالية
تقنيا، تتطلب عملية انتشال البقايا المعدنية الغارقة تعبئة آليات لوجستيكية ثقيلة تشمل رافعات ذات حمولة عالية وجرافات مخصصة للعمل الميداني المعقد.
ويصطدم التدخل بتحديات طبيعية مرتبطة بحركة المد والجزر المستمرة، والتي تقلص حيز الزمن المتاح لتنفيذ أشغال الحفر والتقطيع الميكانيكي للهيكل.
يفرض الوضع الاستعانة بفرق غطس متخصصة لتحديد الامتداد الفعلي للحطام تحت الرمال، وضمان إزالة كافة الأجزاء السفلية العميقة بشكل ينهي الخطر.
ماليا، تتذرع الجهات الوصية بارتفاع التكلفة المالية لمثل هذه العمليات التي تستوجب فتح طلبات عروض عمومية للتعاقد مع شركات متخصصة.
تغيب الاعتمادات المخصصة للتدخلات الاستعجالية عن ميزانية جماعة مهدية، مما يعقد مسطرة تمويل عملية استخراج الخردة البحرية وتصفية الملك العمومي.
ويكشف تبرير التقاعس بضعف الموارد المالية غيابا لترتيب الأولويات التدبيرية التي تضع حياة الإنسان وسلامته فوق الاعتبارات المحاسباتية والبيروقراطية.
مسؤولية قانونية وترافع مدني مفقود
قانونيا، يتناقض هذا الوضع الميداني مع مقتضيات القانون رقم 81.12 المتعلق بالساحل، والذي يلزم الإدارة بضمان ولوج حر وآمن للمواطنين للشواطئ.
ويساهم التراخي في تسجيل دعاوى قضائية من طرف المتضررين في تشجيع السلطات المحلية على التمادي في إهمال هذا الملف لسنوات إضافية.
يكتفي الضحايا بتلقي العلاجات الضرورية دون التوجه نحو المحاكم الإدارية لطلب التعويض المادي عن الأضرار الناتجة عن تقصير الإدارة المباشر.
وبناء على ذلك، يشجع غياب المساءلة القضائية الرادعة المجالس المنتخبة على تأجيل البت في مصير الحطام وتصنيفه ضمن الملفات غير المستعجلة.
يقتصر التنديد بوجود هذه الكتل الحديدية المهددة للحياة على تدوينات متفرقة وصور تنشر عبر منصات التواصل الافتراضي بين الفينة والأخرى.
وتفتقر عمالة القنيطرة لتنسيق قوي يجمع بين نوادي الرياضات المائية وجمعيات حماية المستهلك لتشكيل جبهة ضغط مدنية تلزم المسؤولين بالتحرك الفوري.
يؤدي ضعف الترافع المؤسساتي من طرف فعاليات المجتمع المدني إلى إبقاء القضية حبيسة النقاشات العابرة وتغييبها عن جداول أعمال دورات المجلس.
ويتطلب الوضع القائم توجيه شكايات رسمية مكتوبة ومسجلة إلى عامل إقليم القنيطرة والمديرية الإقليمية للتجهيز، لتجاوز حالة الجمود الإداري المتعمد.
تشكل هذه الخطوة الإجرائية المدخل القانوني السليم لدفع السلطات الإقليمية نحو تفعيل صلاحياتها الرقابية وإلزام الجهات المعنية بتحمل مسؤولياتها التقنية.
وتفرض المعطيات الميدانية تجاوز المقاربات البيروقراطية العقيمة، وتأسيس تنسيق إلزامي بين السلطات ومصالح التجهيز لتعبئة الموارد التقنية وحل المشكل.
تتحمل مؤسسات تدبير الشأن العام محليا ومركزيا التكلفة الأخلاقية والقانونية لاستمرار نزيف الإصابات وسط المرتفقين والمصطافين بسبب توانيها في التدخل.
ويمثل تهاون هذه المجالس دليلا ماديا قاطعا على التنصل من واجب حماية أرواح زوار الشاطئ وتأمين المرفق العام وفق التشريعات المعتمدة.



تعليقات الزوار ( 0 )