تغرق شوارع القنيطرة تحت وطأة احتلال عشوائي يرهن مستقبل التحول الحضري المطلوب ليتناسب مع رهانات تنظيم فعاليات كأس العالم 2030.
ويواجه تدبير الشأن المحلي تحديا هيكليا يتمثل في تفكيك شبكات الاقتصاد غير المهيكل الذي يبتلع الأرصفة بالكامل.
تبعا لذلك، يقف هذا النزيف المجالي عائقا حقيقيا أمام تصنيف المدينة كحاضرة متطورة قادرة على مواكبة الاستحقاقات الدولية.
هذا وتجاوز المخالفون مسألة العرض الظرفي للسلع ليشرعوا في هندسة الشوارع وتطويعها عبر تثبيت أعمدة حديدية وحواجز إسمنتية.
ووصل التمادي لدرجة طلاء الأرصفة باللونين الأبيض والأحمر لمحاكاة التشوير الرسمي ومنع توقف السيارات بشكل نهائي، ما يعكس أزمة حكامة وتداخلا في الاختصاصات بين المجلس الجماعي المنتخب والسلطة المحلية.
وترتبط الفوضى الحالية بتركة ثقيلة خلفها التدبير الإقليمي السابق الذي اتسم بتسيب إداري وتجاوزات مالية موثقة رسميا.
وتشير تقارير الرقابة لتبديد ميزانيات ضخمة ضمن المخطط الاستراتيجي للتنمية الممتد بين 2015 و2020 المخصص له 8.4 مليار درهم. ما أثار اتهامات بتفويت صفقات كبرى خارج مساطر الشفافية والمنافسة الشريفة.
بالإضافة إلى ذلك، ساهم الفراغ الرقابي وتجميد آليات المحاسبة الإدارية في إضعاف سلطة القانون بشكل غي مسبوق. وتمدد القطاع غير المهيكل تبعا لهذا التسيب ليخترق مساحات المدينة ويفرض سيطرة ميدانية مطلقة على الأرصفة.
حيث استغل المخالفون غياب الردع الميداني لتحويل الملك المشترك لملكيات خاصة تخضع حصريا لأعراف موازية يفرضها محتلو الشوارع.

التهرب الضريبي وتواطؤ المجالس
كشفت تحقيقات المفتشية العامة للإدارة الترابية حجم التواطؤ السياسي في التغاضي عن تحصيل الرسوم الجبائية المحلية بدقة.
وسجل التقرير تراكم ديون ضخمة غير مستخلصة كانت قد بلغت قيمتها 53 مليار سنتيم بسبب الحسابات الانتخابية الضيقة للمجالس المتعاقبة.
وشجع هذا التساهل كبار المستثمرين وأرباب المقاهي على تشييد هياكل معدنية ثابتة فوق الأرصفة دون أداء الضرائب.
وفي هذا السياق، يحرم هذا التهرب المزدوج ميزانية الجماعة من تمويل مشاريع التهيئة الحضرية الضرورية لتطلعات سكان عاصمة الغرب.
كما يخلق الوضع تفاوتات تضر بالتاجر النظامي الملتزم بأداء مستحقاته لصالح شبكات تجارية تعيش وتتغذى على الريع المطلق.
وتتطلب هيكلة المدينة الانتقال الفوري نحو تفعيل أوامر الاستخلاص الجبري ضد المتهربين وتطبيق الغرامات لتفادي التقادم.

تشريح بؤر الفوضى المجالية
تتوزع خريطة الفوضى المجالية على بؤر سوداء محددة تشل الحركة الاقتصادية والمرورية بقلب المدينة وهوامشها الحضرية بشكل تام.
ويمثل مركز الخبازات التجاري نقطة الصدام الأعنف بين المحلات المهيكلة وعربات بيع الفواكه والباعة الجائلين المستقرين أرضا.
حيث تندلع مواجهات يومية دامية تستعمل فيها الأسلحة البيضاء للسيطرة على الأرصفة وتقاطعات الطرق المزدحمة بالمتسوقين بحثا عن مورد للرزق.
بالموازاة مع ذلك، أصدرت جمعيات التجار الشرعيين بيانات غاضبة تحمل الجهات المحلية مسؤولية الركود الاقتصادي وانهيار منظومة التجارة المهيكلة.
ويحذر المهنيون من احتضار سوق الخبازات تجاريا بسبب محاصرة المحلات بالبضائع العشوائية التي تمنع ولوج الزبائن للتبضع بشكل طبيعي.
كما يهدد هذا الاحتقان بانزلاق أمني خطير يدفع المتضررين للجوء نحو الشارع لحماية مصادر رزقهم وتفادي الإفلاس المحقق.
علاوة على ما سبق، تعاني أحياء أخرى كالمدينة العليا (لافيلوط) ومنطقة الساكنية من تحول شوارعها إلى أسواق مفتوحة للباعة المتجولين وعرض المأكولات السريعة وسط تكدس للنفايات طيلة اليوم.
ويجبر استيلاء المقاهي على الأرصفة بحي أولاد اوجيه الراجلين على السير وسط الشوارع جنبا إلى جنب مع السيارات والدراجات النارية.
ويرفع هذا الاستحواذ المادي نسبة حوادث السير ويشوه الطابع المعماري للأحياء السكنية المصنفة ضمن الواجهة الجمالية للمدينة.
وفي الإطار ذاته، يشهد مدخل حي الإرشاد عرقلة تامة بسبب التمركز الكثيف لباعة الألبسة المستعملة والسلع الرخيصة.
تمتد الظاهرة نحو أحياء بئر أنزران والعلامة والأطلس حيث تتداخل أنشطة المحلات التجارية مع عربات الباعة العشوائيين يوميا.
وتكرس هذه الجغرافيا المشوهة عجز السياسات المحلية عن تنظيم المجال وتوفير مسالك آمنة ومريحة لحركة السير والجولان.

مخاطر صحية وبدائل معطلة
يشكل غياب الرقابة الصحية على المواد الاستهلاكية المعروضة بالشارع تهديدا مباشرا للسلامة الجسدية لآلاف المواطنين المستهلكين يوميا.
وتؤكد تقارير مخبرية في مرات عديدة احتواء سلع تباع بالأسواق العشوائية على سموم فطرية خطيرة تسبب أمراضا كبدية مزمنة للمصابين.
كذلك يتم ترويج لحوم وأسماك بمناطق كالفوارات و”طهرون” في ظروف تخزين بدائية تفتقر لأبسط معايير سلسلة التبريد المعتمدة قانونيا لتفادي التسممات.
ويعزى استمرار هذا النزيف للفشل الذريع لمقاربة الأسواق النموذجية التي التهمت أموالا طائلة من الميزانية دون جدوى فعلية.
وبقيت فضاءات تجارية كبرى مثل سوق أولاد عرفة المجهز بخمسمائة محل مغلقة، وتعاني من ركود اقتصادي تام.
يعود هذا الشلل لإدراج أشخاص لا علاقة لهم بالتجارة ضمن لوائح المستفيدين استجابة لولاءات حزبية ونقابية ضيقة.
وتبعا لذلك، انحرفت الجمعيات المهنية المكلفة بإحصاء الباعة عن مسارها التنظيمي لتتحول لأدوات سياسية توزع المحلات بمنطق المحسوبية والزبونية.
فيما وجد الحرفيون الحقيقيون أنفسهم مقصيين ومجبرين على العودة للشارع لممارسة التجارة الجائلة والهروب من الملاحقات المستمرة.
وتفقد هذه الاختلالات مشاريع التأهيل مصداقيتها وتجعل الأسواق مجرد بنايات إسمنتية فارغة تستنزف المال العام بلا عائد مرجو. بل تشوه معالم المدينة وجماليتها المنشودة.
إلى جانب هذا، عرفت مشاريع أسواق القرب الأخرى كسوق الوفاء وبير الرامي والشاطو وسوق السبت إغلاقا مستمرا وتخريبا ممنهجا لمعالمها.
كما ساهم اختيار مواقع جغرافية معزولة تفتقر للحركية التجارية في نفور الباعة من الالتحاق بهذه المنشآت وتفضيلهم لشوارع وسط المدينة.
ويعكس هذا التخبط غياب أي دراسة استباقية ترافق عمليات بناء وتشييد هذه الفضاءات الاستيعابية.

تحركات إدارية لاختبار الجاهزية
لمواجهة هذا الوضع، دشن المسؤول الترابي الجديد عبد الحميد المزيد منذ تعيينه في أكتوبر 2024 تحركات ميدانية تستهدف القطع مع متلازمة الحملات الروتينية.
وأجرى زيارات تفقدية مباشرة لبؤر التوتر كالخبازات لفتح قنوات حوار مع الجمعيات المهنية وممثلي الباعة الجائلين ميدانيا.
كما تروم هذه التحركات تفكيك شبكات المصالح العميقة وتجنيب المدينة صدامات أمنية تعيق مسار التأهيل الحضري الشامل المبرمج.
بناء على هذه الخطة، أسفرت التدخلات الصارمة عن تفكيك بنيات عشوائية ثابتة بمحيط الأسواق الكبرى وأحياء مركزية محددة.
واضطر أكثر من ستمائة صاحب مقهى ومحل تجاري لتقديم طلبات رسمية لتسوية وضعيتهم القانونية والجبائية لدى المصالح المختصة.
كما تعكس الحصيلة الأولية تراجعا لسيطرة اقتصاد الشارع تمهيدا لفرض سيادة قانون الدولة بهدف القطع مع التدبير العشوائي لهذا الملف.
ويشكل التنسيق العرضي بين السلطات المحلية والأمن الوطني والمصالح الخارجية خطوة أساسية لضمان استدامة عمليات تحرير الملك المشترك.
في الوقت الذي تطالب الهيئات المنتخبة بخلق لجان إقليمية دائمة للشرطة الإدارية والصحية لضبط إيقاع الشارع وفرض الانضباط على أرباب المحلات والمقاهي.
ويختبر هذا التوجه قدرة مؤسسات الدولة على استعادة هيبتها دون الإخلال بالسلم الاجتماعي الهش داخل أوساط الفئات الضعيفة.
في المقابل، يرتبط نجاح رهان تأهيل البنية التحتية للمدينة بمدى استمرارية صرامة التدخلات وتجاوز سياسة غض الطرف الجبائي بشكل مطلق.
ويضع استمرار تشميع الأسواق النموذجية وتوزيع الدكاكين بمنطق الولاءات السياسية عراقيل فعلية أمام مسار التنمية الاقتصادي المنشود.
لتستمر الساكنة المحلية في دفع ضريبة التقاعس الإداري عبر حرمانها اليومي من مساحات مشتركة آمنة ومنظمة تحترم قواعد التخطيط العمراني.



تعليقات الزوار ( 0 )