حوار شامل مع نورالدين بلالي أحد المؤسسين لجماعة البوليساريو الانفصالية، والذي عاد إلى المغرب عام 1989 بعدما قاد رفقة مجموعة من زملائه من القياديين في البوليساريو انتفاضة 1988 من داخل المخيمات.
في هذا الحوار، والذي نعده تاريخيا مع شخصية تاريخية، يتحدث نورالدين بلالي الإدريسي عن الإرهاصات الأولى لنشأة البوليساريو والتي كانت ولادتها مغربية خالصة، حيث انطلقت مع محمد سيدي إبراهيم بصيري، والذي ينحدر من بني ملال حيث كان والده شيخ الزاوية بني عياط والتي لا تزال قائمة إلى حد الآن، ووصل بصيري مدينة السمارة وبدأ يُدرس القرآن كغطاء وفي نفس الآن شرع في تأسيس الخلايا الأولى لما سمى “تحرير الصحراء”، والتي أطلقت عليها إسبانيا فيما بعد اسم “الحزب المسلم”، وفي عام 1970 اكتشفت السلطات الإسبانية حركة بصيري وتعرضت لضربات متتالية فيما يعرف بـ”عملية الزملة” ثم أحداث مظاهرات طنطان 1972 والتي طالبت باسترجاع الصحراء للمغرب ورفعت فيها شعارات موالية للمغرب.
الحوار سيتطرق كيف استطاعت البوليساريو أن تغتصب قرار الصحراويين بداية مع سحب المشروعية من شيوخ القبائل والتنكر للمؤسس، سيدي إبراهيم بصيري، والذي لم تطالب به البوليساريو في صفقة تبادل الأسرى مع الإسبان خوفا من الكاريزما التي يتمتع بها الرجل.
الحوار عرج على الدعم الليبي الهائل على عهد العقيد معمر القذافي ودور الفقيه البصري في ربط الولي المصطفى السيد بالليبيين، ثم التخلص من المؤسسين المغاربة وفرض محمد ولد عبد العزيز من قبل النظام الجزائري.
نورالدين بلالي يشرح بالتفصيل، ضمن هذا الحوار، أسباب وتداعيات انتفاضة 1988 داخل المخيمات والتي لم يستفد منها المغرب للتخلص من البوليساريو، وكذا لقائه مع الفقيه البصري في ليبيا والذي طلب من البوليساريو الاستفادة من أراضي “محررة” لضرب المغرب، كما يحكي، أيضا، عن لقائه مع الشيخ عبد الكريم مطيع في ليبيا وتدريب عناصر من الشبيبة في المخيمات.. وأشياء أخرى تكتشفونها ضمن هذا الحوار الشامل مع أحد مؤسسي جبهة البوليساريو الانفصالية.
ألم تكن يد للمخابرات المغربية في هذه الانتفاضة مع العلم، وكما يشاع، أن بعض الأشخاص داخل المخيمات رفعوا صور الحسن الثاني والعلم المغربي؟
حسب علمي وبأمانة من رفع الأعلام المغربية وكتب على الجدران شعارات: يعيش البصري، ويعيش الحسن الثاني، هي قيادة البوليساريو لكي تحرض الشارع ضد المنتفضين ضد القيادة، وحسب معلوماتي وبأمانة أن كل واحد يتمنى أن يشاع خبر أن المخابرات المغربية هي من دبرت هذا الحدث، و في الحقيقة لم يكن هناك أي دور للمخابرات المغربية، وإذا كان أي دور فهو دور إلهي مع الحسن الثاني حسب تفسيري للأحداث لا أقل ولا أكثر، لأن الانتفاضة كانت نابعة من الداخل، أو يمكن أن نقول أن قيادة البوليساريو خدمت المخابرات المغربية، وخدمت المغرب بشكل عام، بسوء تدبيرها والديكتاتورية التي تبنتها ومنهجية الممارسة التي جعلت الناس يكرهون منهجها وطريقتها ويفضلون العودة لوطنهم المغرب.
أقول: لقد كنا نقاتل من أجل الكرامة و الحرية فلم نجدهما ووجدنا حرية أكثر في المغرب.
هناك من يقول أن هذه الانتفاضة قصمت ظهر البوليساريو، يعني أن مجموعة من الكوادر والأطر خرجت من البوليساريو وعادت إلى أرض الوطن وأن المغرب لم يستفد من هذا الموعد التاريخي الهام لأن المغرب كان بإمكانه أن يذوب ويقضي على البوليساريو آنذاك، كيف ترى هذا الكلام؟
هذا منطق سليم الذي ذكرته، وهو عين الحقيقة إلى أبعد الحدود، فالبوليساريو وقع بها انشقاق، وأصبحت هناك بوليساريو المغرب وبوليساريو الجزائر، فالصورة التي كانت تقدمها البوليساريو في الخارج كونها تمثيل ساكنة الصحراء في، أو هكذا تدعي، فهذه الصورة خسرتها ولم تعد ممثلة للصحراويين، هناك أعضاء مؤسسون قدموا وعادوا للمغرب، وأعضاء من اللجنة التنفيذية عادوا للمغرب، وقيادات عسكرية وأطر دبلوماسية وشيوخ تاريخيين ومهمين عادوا للمغرب، ولكن ما أستطيع أن أقوله هو أن المغرب لم يعرف كيف يستغل هذه الوضعية لصالحه ولم يعرف كيف يوظفها ويصنع إطارا مغربيا بديلا عن البوليساريو، وقدر معي كيف أن أناسا عاشوا أربعين سنة في الانفصال وبلغوا مراتب عليا في مؤسسات ولهم تاريخ ويتبنون الطرح الوحدوي، لدرجة أننا أصبحنا وحدويين أكثر من الوحدويين، ولكن الجهات المسؤولة عن التدبير لم تدبر هذا الملف بما يخدم مصلحة الوطن.
وأنا أرجع أن السبب لربما يعود لعامل قصر النظر في التدبير، لأنك وأنت تتعامل مع البوليساريو والجزائر يجب أن يكون لك هدفان: إما أن تعمل في اتجاه تذويب البوليساريو دون أن تصل إلى الاستفتاء الذي هو مطلوب على مستوى الأمم المتحدة، وهذا يتطلب سحب الصحراويين من تحت سلطة البوليساريو وترك عبد العزيز شخصا وحيدا لدى الجزائريين ومعه مجموعة قليلة تعزلهم وتنزع ثقة الجزائر منهم، وبالنهاية الثقة الدولية فيهم أيضا ويفقدون مكانتهم، فهذا كان هو المطلوب. وهذا العمل لم يقم به المغرب طبعا.
ويمكن أن الأمر يعود لحسابات بسيطة، وممكن أن يفكر البعض الناس أن الجيش في السبعينات كان يمثل نوعا من الخطر على المؤسسات الرسمية بالمغرب، وتم إبعاد الجيش للحدود مع مشكل الصحراء، وأن البوليساريو خدمت إلى حد ما وضع النظام واستقراره، والآن فيه عشرات الشباب بل الآلاف يصلون للقنصليات المغربية ومن مختلف المنافذ ويُرفض دخولهم إلي وطنهم، وها نحن الآن تحولنا إلى حراس للبوليساريو ونرد لها الناس في الوقت الذي نقول أن هؤلاء الناس مخطوفون ومقهورون ومحتجزون… فهذا تناقض في الطرح.
يجب العمل على تذويب البوليساريو وسحب الصحراويين منها، عبر الاستيعاب، والعمل على جعل الجزائر في عزلة. ولكن هذا لم نقم به ولم نستغل الكفاءات التي وصلت، بل ولم نوظفها في الأقاليم الجنوبية للقضاء على نزعات الانفصال..
وأذكر أني لما عدت لأرض الوطن قمت بجولة في الأقاليم الجنوبية للمغرب وأجريت لقاءات مع الشباب والنساء والرجال والشيوخ وكانت جولة ناجحة بكل المقاييس وأغرت العائدين بالقيام بجولات في الجنوب المغربي، ولكن لم تستغل هذه الأمور بما فيه الكفاية، ويجب أن نعلم أن كل القيادات التي عادت لها أهل في الجنوب فلا بد لهم من أن يذهبوا ويحتكوا بأهليهم وذويهم، فبدل أن نربط الناس بالحمادة، والرابوني يجب علينا أن نربطها بالرباط من خلال رموزها وأعيانها ووجوهها وشخوصها التاريخيين.
والمشكل أن التدبير الذي نراه ونحياه بخصوص ملف قضيتنا الوطنية يساهم في تفريخ الانفصال للأسف.
أنت بتدبيرك هذا ترغم الناس علي أن يصبحوا انفصاليين وهم كارهون للانفصال، لأن شؤون المنطقة لم تدبر على أنها منطقة فيها نزاع مشتعل وفيها أناس يزرعون الانفصال وينشرون إشاعات باعتبار هذه الأرض هي كويت الفسفاط والبترول وهي الجنة الموعودة…
إذن هناك بضاعة سيئة يلزم أن نقاومها ببضاعة جيدة ومعقولة لنقرب الناس للوطن، لأن من يقدر على تقريب المنطقة وتقرير مصيرها هم أهلها وسكانها من خلال تعاملك أنت معهم، وهل كان بالإمكان أن يغيرني أحد؟ وها أنا تغيرت قبل25 سنة، من كان يستطيع أن يغيرني؟، وكل الناس مرشحون لأن يتغيروا هم أيضا…
أنا أفهم من خلال كلامك أنك تلقي باللائمة على مستوى التدبير الرسمي لملف الصحراء، ولكن أنتم الذين عدتم لأرض الوطن أطر لها تجربة ووعي كاف بطبيعة الملف، ماذا قدمتم لهذه القضية؟
نحن قدمنا أنفسنا وأرواحنا على طبق من ذهب لدولتنا، جئنا لأرض الوطن منظمين وجاهزين للعمل، وأية مهمة مطلوب منا أن نقدمها نحن مستعدون أن نؤديها بإتقان…
أنتم قبلتم بالوظائف السامية وتفرغتم للأكل والشرب والنسل..؟
هذه الوظائف السامية يجب أن تضع عليها علامة استفهام كبيرة. لأن وظيفتي السابقة كممثل للبوليساريو في دمشق وليبيا، والإمكانيات التي كنت أحوزها لا تقارن بوضعي الآن في بلدي المغرب، لأني أقترض المال كي يدرس أبنائي، وأنا مجرد موظف في إدارة وراتبي لا يكفي لتدريس طفلين في ليسي ديكارت، فما بالك أن أقوم بتعليمهما في الخارج أو جهات أخرى..
ولذلك فأنا غير مؤهل من حيث المنصب ولا من ناحية التسهيلات ولا من حيث التعامل مع الإدارة التي أتبعها كي أشتغل، وكي تعمل ما يحلو لك لا بد أن تكون مسنودا بإطار مرجعي تنسق معه، وبرنامج مدروس تطبقه.
ولماذا لم تؤسسوا إطارا جمعويا ينشط في إطار المجتمع المدني يجمع الأطر والكفاءات التي عادت لأرض الوطن يُعنى بملف الصحراء وآنئذ يمكن لكم أن تضعوا برنامجا ومخططا وتعملون من أجل تحقيق أهدافه، وهي أهداف وطنية وأعتقد أن هذا الأمر هو مطلوب ومرغوب فيه من قبل المؤسسات الرسمية للبلاد؟
نحن جئنا لإدارة منظمة ووضعنا أنفسنا تحت التصرف، لم نأت كي نكون معارضين أو منازعين أو منافسين لأية جهة كانت في البلاد، والمساعد هو موضوع تحت الطلب، صحيح أنه يقترح ولكن يجب أن يقترح على جهة تستمع إلى اقتراحاته وتتفاعل مع ما يقترحه، في بعض الأحيان يأتي عندي بعض الناس أعلى مني منزلة يشكون كونهم لم يحصلوا على التسريح خارج أرض الوطن من أجل العطلة الصيفية.
باعتبارك ممثلا للبوليساريو في ليبيا هل جماعة الفقيه البصري هي من فتحت الاتصال مع ليبيا؟
بطبيعة الحال، فالفقيه البصري حسب علمي أنه ساعد، وهي مساعدة رمزية ، للولي المصطفى السيد لكي يجد مأوى أو مقاما في ليبيا حتى يلتقي مع السلطات الليبية، وقدمه للسلطات الليبية، والتي بدأت تتعرف عليه، وبعد ذلك عمق علاقاته مع الليبيين.
بحكم تمثيلك للبوليساريو في ليبيا سابقا، هل اتخذت ليبيا على عهد معمر القذافي البوليساريو بديلا للجناح الثوري للاتحاد الوطني للقوات المسلحة بعد فشل الثورة المسلحة في مارس 1973 خاصة وأن البوليساريو تأسست بشهرين فقط وأغلقت ليبيا معسكرات المغاربة في أكتوبر 1973 لتعضوها بدعم البوليساريو؟
هناك مقدمات للعلاقة مع البوليساريو قبل هذا الوقت بالذات، اذكر زيارة القذافي لموريتانيا عام 1972 وألقى خطابا في نواكشوط ودعا إلى انسحاب إسبانيا من الصحراء وأعلن عن دعمه للنضال ضد الاستعمار الإسباني فهو اعتبر ظهور البوليساريو تلبية لما نادى به قائد القومية العربية، حسب وهم القذافي حينئذ، واعتبر ظهور البوليساريو استجابة لدعوته، كما أن القذافي يزعج كثيرا من دول الجوار خصوصا الجزائر التي تحظى برصيد نضالي المتمثل في ثورة نونبر ناهيك عن ثروة البترول والغاز، وأراد من هذا أن تنشغل الجزائر في مشاكل حدودية مع المغرب، ولهذا كان حينما يضعف الدعم الجزائري للبوليساريو كان يمد البوليساريو بالدعم حتى تبقى الجزائر منشغلة، والجزائر كانت تريد التحكم في الصراع حتى يبقى تحت السيطرة ولا يصل لدرجة زعزعة المنطقة برمتها. إذن القذافي كان يصب البنزين على النار لتوريط الجزائر أكثر.
أليس هناك علاقة بين ثورة مارس 1973 للفقيه البصري ودعم ليبيا للبوليساريو؟
لا أعتقد ذلك، بالرغم من أن الفقيه البصري كان يعيش في ليبيا، وأذكر أن ثلاثة من مكتب ديوان الفقيه البصري جاؤوا عندي في مكتبي وطلبوا مني أن تسلم لهم منطقة محررة لانطلاق عملياتهم ضد المغرب، ولكن كانوا يشترطون أن يبقى الموضوع في طي السرية والكتمان….
سنأتي على هذا الموضوع… البوليساريو عقدت مؤتمرها الثاني فوق التراب الجزائري في منطقة وديان الطوطرات في أم غريد بالضبط، وهي منطقة تقع جنوب تندوف بحوالي 50 كيلومتر، في شهر غشت 1974، وبعدها مباشرة استقرت قواعد الجبهة في الرابوني عاصمة البوليساريو حاليا. هذا يعني أن العلاقة وبتنسيق مع السلطات الجزائرية كانت قوية قبل ذلك، والجبهة لم يمض على تأسيسها إلا عام واحد..كيف تفسر ذلك؟
عام 1974 اكتشفت الجزائر أن هناك تنسيقا موريتانيا مغربيا على تقسيم الصحراء، هذا الاتفاق لم يعجب الجزائر، بل اعتبرته طعنة من الخلف لأن الطرفين اتفقا دون علمها وهي اكتشفت الاتفاق بطرقها الخاصة، فالجزائر نادت على البوليساريو والتي كانت حركة مهمشة وليست لها تأثير لدي الجزائريين، وقالوا لهم أن المغاربة والموريتانيين خذلوكم واحتقروكم ونحن مستعدون لتقديم لكم الدعم والسلاح لتدافعوا عن أنفسكم، فالجزائر غذت الصراع انتقاما من التفاهم المغربي الموريتاني لأنه لم يعجبها.
هل كنتم أنتم المؤسسون من الأقاليم الصحراوية على علم بذلك، أم أن الموضوع كان مقتصرا على المؤسسين القادمين من الجزائر سلطات بلادهم خاصة وأن في هذا المؤتمر تمت تنحية الأمين العام غالي ولد سيدي المصطفى وهو من السمارة وإمساك القيادة القادمة من خارج الإقليم بزمام الأمور ولاسيما الجناح العسكري الذي يقوده محمد الأمين البوهالي الذي انضم للجبهة من داخل الجزائر؟
الجزائر كانت دائما تتحدث عن ثورة نونبر، وسواء كانت هذه الدعاية كاذبة أم صادقة، فالناس كانوا يرون فيها حلما، وكنا نظن أن الثوار الجزائريين سيقفون مع ثورتنا، وهنا أذكر أنه في البداية اعتقلت الجزائر عناصر من البوليساريو، والذين أطرتهم البوليساريو في تندوف، وبعدها فروا إلى موريتانيا، والنقطة الثانية هي أن الجبهة دعيت للمشاركة في مؤتمر شباب العالم الثالث بالجزائر في شهر يوليوز عام 1974، وشاركت بخمسة أعضاء من بينهم الولي رحمه الله وأنا شخصيا والبشير الدخيل الموجود الآن بالمغرب، وعمر الحضرمي ومعنا شخص آخر هو الآن سفير البوليساريو في دولة البنين. نحن الخمسة مثلنا البوليساريو في ذلك المؤتمر، وأسسنا ضمن وفود الشباب العربي اللجنة التحضيرية لتكوين اتحاد الشباب العربي، آنئذ كانت الجزائر تتوفر على حركة أتت من المغرب ولها علاقة ببعض الأجهزة الأمنية المغربية، وهي حركة مرحب، أي حركة الرجال الزرق، والتي كان يقودها الركيبي موحا، و هو الآن موجود في الدار البيضاء، وكان عاملا وزوجته مراسلة لإذاعة فرنسا الدولية، والجزائر قالت للبوليساريو أنتم شعب قليل وعدة حركات لا تخدمكم ولا بد لكم من التعاون، وردت جماعة البوليساريو بأن هذه الحركة التي اعترفتم بها هي حركة من صنع المخابرات المغربية، فالجزائر بدأت تحقق وتبحث في الوقت الذي هرب فيه ادوار موحا من العاصمة الجزائرية إلى فرنسا، بعد ذلك انفتحت الجزائر على البوليساريو ولكن كان ذلك بدعم بسيط من قسم العلاقات الخارجية في جبهة التحرير الجزائرية، وبإمكانيات بسيطة إلى عام 1974 حين شعرت الجزائر أن هناك تفاهما بين المغرب وموريتانيا لتقسيم الصحراء، انزعجت الجزائر منه وفتحت المعسكرات للتدريب في جنين بورزق وفي بشار وأعطت الوسائل الضرورية، ولكن قبل هذا وصل سلاح ليبي عبر السفارة الليبية في نواكشوط في صيف 1974، فأول مرة أصبحت البوليساريو تتوفر على كلاشينكوف وسلاح أتوماتيكي متطور وذخيرة قوية، ووقعت عمليات نوعية في كجيجيمات ضد إسبانيا ووقع فيها الكثير من القتلى الإسبانيين، وأسرت مجموعة من الجنود، كما أن الجنود الصحراويين الذين كانوا ضمن الجيش الإسباني اعتقلوا ضباطهم والجنود الذين كانوا معهم من الإسبان وذهبوا بهم إلى جماعة البوليساريو، حيث تم التحاق أربع كتائب من الجنود الإسبان، وأصبح للبوليساريو إمكانيات لم تكن تتوفر عليها سابقا..
المختار ولد داده، الرئيس الموريتاني الأسبق، يقول في مذكراته بأن زعيم البوليساريو قال له في لقاء تم بينهما أن الجزائر تمارس عليهم ضغوطات كبيرة، وتتحكم فيهم، وأنهم يتعاملون معها مكرهين، وأنهم لو وجدوا بديلا عنها لما ترددوا، هل كانت هذه هي وجهة نظر كل القيادات، أم أن هذا التوجس من قبل الولي المصطفى السيد هو ما عجل بوفاته؟
هذا الكلام الذي قاله الولي السيد هو تعبير عن المجموعات التي تعرضت للاعتقال في تندوف من لدن الجزائر، وبعدها فرت في اتجاه حدود موريتانيا، ولكنها عناصر من الصحراء تنحدر من قبائل تندوف، أطرتهم البوليساريو واكتشفتهم الجزائر فاعتقلتهم. لكن موريتانيا تعاونت مع البوليساريو، بحيث منحوهم جوازات سفر وبعض المساعدات المادية المحدودة، ناهيك عن تسهيلات في التنقل عبر الحدود، وغض الطرف عن بعض الوحدات من البوليساريو والتي تهرب من إسبانيا في اتجاه موريتانيا وتدخل إلى الصحراء من جديد، وهذا وقع من باب التعاطف لأنهم جميعا ينتمون إلي مجتمع البيضان باعتباره مجتمع و احد وأغلبيتهم تنتمي إلي قبائل اركيبات وأولاد دليم وتكنة.. وأقاربهم هناك.
أنا ومجموعات أخرى أسسنا خلايا في مدينة نواذيبو وفي مدينة أطار وفي الزويرات وكنا نجمع التبرعات والطلقات بالحبة من عند العائلات..
سنة 1975 أجرت البوليساريو والتي كنتم عضوا في مكتبها السياسي مفاوضات لتبادل الأسرى مع الإسبان لماذا لم يكن قائدكم أنتم الشيخ سيدي محمد إبراهيم بصيري في حركة 17يونيو 1970 والمعتقل لدى الإسبان ضمن الصفقة؟
هاجس البوليساريو في عدم المطالبة بمحمد سيدي إبراهيم بصيري يرجع إلى خوف قيادة البوليساريو من أن يظهر زعيم بديل عنهم، وبصيري أول زعيم أسس حركة في الصحراء، وهو زعيم معتقل وأصبح يتمتع بشرعية داخل الصحراء، إذن كانوا يتخوفون من ظهور بصيري وكانوا يخافون أن يكون بديلا عنهم، ولهذا لم يتشددوا في المطالبة به ولم يضعوا اسمه شرطا في المفاوضات، وإثر ذلك وقعت بعض المشادات مع بعض قيادا ت البوليساريو، مع الوالي نفسه وولد الليلي حول قضية بصيري، وقيل لهم لماذا تفرطون في بصيري؟ وكان جوابهم ضعيفا ولم يحمل جديدا، بحيث ردوا بالقول: كما استطعنا أن نأسر هؤلاء الأسرى يمكننا أن نأسر آخرين ونطالب ببصيري مرة أخرى، وأضافوا بأنهم لم يستطيعوا أن فرضوا شروطهم في التفاوض ولكن بالإمكان أن يتحسن وضعهم التفاوضي في المرة القادمة.
ما هو مصير بصيري برأيك، هل تم قتله من لدن الاستعمار الإسباني وتكتموا على ذلك؟
الإشاعات التي روجتها إسبانيا في ذاك الوقت كانت متضاربة، في فترة معينة وزع الإسبان صوره على الحدود على اعتبار أنه فار من السجن، ومرات أخرى سربوا بأنهم سلموه للمغرب لأنه مغربي في الأصل، ومرات يقولون بأنهم أعدموه، ولكن حسب التقديرات الظنية أنه قُتل لأنه من المستحيل أن يبقى في السجون الإسبانية إلى هذا الوقت، والمغرب لا يمكن أن يحبسه إلى ما لا نهاية.
إبان الانقلاب على المختار ولد داده في موريتانيا عام 1979 بالضبط، وقعتم اتفاق سلام مع موريتانيا تضمن تبادل الأسرى، لماذا أيضا لم يكن مؤسس الجبهة وهو الولي المصطفى السيد ضمن صفقة الأسرى ولماذا لم تطالبوا برفاته؟ هل هناك من يسعى إلى طمس الشخصيات المؤسسة؟
الموريتانيون لم يريدوا تسليم رفات الولي..
لماذا برأيك؟
لأنهم خافوا أن يكون عنصر إثارة ضد الموريتانيين وتبقى ذكرى وفاته مناسبة للتحريض ضد الموريتانيين. ثم إن سنة 1979 كانت هناك اتفاقيات للتعبير عن حسن النوايا ولم تصل العلاقات إلى عمقها التفاوضي المطلوب لإنهاء كل الملفات..
الرئيس الموريتاني الأسبق محمد خونا ولد هيدالة في مذكراته “من القصر إلى الأسر” يقول عن المصطفى السيد أنه قاد هو شخصيا هجوما على نواكشوط، ووجدوا معه منشورات فحواها أنه ينسق مع بعض القوى داخل موريتانيا كي يسقطوا الحكومة وينصبون أحمد بابا ولد مسكة رئيسا لموريتانيا، هل موريتانيا كانت تخشى من كشف بعض الخلايا الأخرى التي كان ينسق معها الولي وجماعته؟
أحمد بابا ولد احمد مسكة لم يكن موجودا في موريتانيا، فهو كان عضو المكتب السياسي للبوليساريو، وهو منذ 1975 وهو عضو في البوليساريو، وكان يعيش في المنفى بباريس قبل ذلك، فهو ليس له علاقة بالداخل الموريتاني كي يكون مؤثرا، وما قاله ولد هيدالة لا أظن أنه صحيح، وقد يكون ولأحمد باب ولد مسكة بعض الأقارب والأصدقاء في نواكشوط، والبوليساريو لها أسماء تعرفهم وموجودون في نواكشوط. كما أن البوليساريو لم تأت لاحتلال نواكشوط، بل للضرب والانسحاب.
أنتم خضتم هجومين على نواكشوط ثم ضربتم السكك الحديدية التي تنقل الحديد من الزويرات إلى نواذيبو لشل الاقتصاد الموريتاني، ناهيك عن الهجومات التي لم تنقطع منذ سنة 1975 وإلى سنة 1979 حيث وقع الانقلاب على المختار ولد داده الذي كان يرفض إيقاف الحرب مع البوليساريو، وبعد الانقلاب أوقفتم الحرب من جانب واحد، أي من جانب البوليساريو. لماذا؟
من أجل إعطاء الدليل والبرهان للعسكر الموريتاني الانقلابي أننا أهل سلام لاستدراجهم لاتفاقيات سلام، ولكن أريد أن أقول أن احمد بابا ولد مسكة لم يكن خطة لاحتلال نواكشوط وإنما كان هدف ضرب نواكشوط هو رسالة إلى الموريتانيين مفادها أنكم لم تستطيعوا حماية عاصمتكم فكيف أن تحموا إقليم وادي الذهب.
الهجوم المتكرر على نواكشوط كانت له دلالة رمزية ودعائية والهدف منها أن العسكر الموريتاني عاجز على حماية العاصمة فما بالهم أن يحتلوا إقليم “تيرس” الغربية والتي تشمل منطقة وادي الذهب، وهذا هو الهدف، أما موريتانيا فكان نظامها هشا ولا تتوفر إلا على 15 ألف جندي أو أكثر بقليل، وموريتانيا تعرضت للشلل بفعل الضربات العسكرية من البوليساريو وضرب السكك الحديدية، وعملياتنا انتشرت من النعمة إلى نواكشوط ونواذيبو وجميع الأراضي الموريتانية لأن أرضها مفتوحة وإمكانياتها محدودة، ساعدتها الطائرات الفرنسية في فترة معينة ولكن الطيران لم يكن مؤثرا بشكل فعال، لأن البوليساريو تعاملوا أيضا مع الطيران من خلال صواريخ سام والتمويه والقوات المشتتة والموزعة، وموريتانيا أصيبت بشلل إلى أن توقفت رواتب الموظفين والعسكر ووصلت إلى الاختناق، إلى درجة أن المختار ولد داده كان يتمنى أن يقع الانقلاب ليخرج هو من الأزمة الشاملة التي عصفت بالبلد.
ولكنه كان يرفض توقيف الحرب مع البوليساريو..
طبعا، لأنه كانت له التزامات، وقال بأن الهواري بومدين، الرئيس الجزائري، هدده وسبه وقال له ستندم على العواقب، فهو كان له التزام مع الملك الحسن الثاني…
ومع فرنسا كذلك..
هذا صحيح، ومع فرنسا أيضا، ولكن الفرنسيين كانوا وراء الانقلاب لأنه مستحيل أن يقع الانقلاب في موريتانيا بدونعلم فرنسا ومباركتها ، ومن يقول لك غير ذلك فهو كاذب ومغالط.
ولد هيدالة ينفي دور فرنسا في الانقلاب على ولد داده، وقال بأن القوة العسكرية المغربية التي كانت مرابطة في بئر أم كرين والزويرات والتي يبلغ عددها 8 آلاف جندي لم تكن تعلم بذلك.
القوة المغربية بدون شك لم تكن تعلم، لأنها كانت متمركزة في بئر أم كرين وأطار والزويرات وفي مناطق بعيدة وفي ثكنات عسكرية والاختلاط بالشارع لم يكن قويا من قبل المغاربة حتى يعرفوا ما يجري في موريتانيا، والحسن الثاني وبخ السفير المغربي الذي كان موجودا في نواكشوط، وقال له: “كيف يقع انقلاب في حضارة الخيمة وأنتم لا تعلمون شيئا، ولكم المسجد والجالية والناس”. هذا صحيح بالنسبة للجانب المغربي كنه لم يكن على علم بالانقلاب، ولكن الفرنسيين كانوا يعلمون كل الخبايا لأن العسكر الموريتاني مؤطر ويوجد به ضباط فرنسيون في أركان الجيش الموريتاني..
ويقال أن فرنسا كان لها ارتباط مع ولد داده أكثر من الانقلابيين؟
ولد داده تحول إلى عبء بالنسبة للفرنسيين، وأرادوا أن يبحثوا عن مخرج يخلصهم من ولد داده، وأصبح نظامه مرهقا بالنسبة للفرنسيين.
لماذا قمتم بهجومات ضد موريتانيا، هل كنتم تبحثون عن اعتراف من موريتانيا لاسيما أن ما قدمه نظام ولد هيدالة للبوليساريو لم يقدمه لها أي نظام آخر على مستوى العلاقات الخارجية؟
لأن موريتانيا كانت قد انخرطت في اتفاق مع المغرب بعد 17 فبراير 1975، وضمن بنود هذا الاتفاق إقامة الإدارة الثلاثية ودخول الجيش المغربي إلى موريتانيا، ومن الجهة الجنوبية دخلت موريتانيا إلى لكويرة ووقع فيها قتال في تميميشات، كما حدثت مواجهات في الكثير من المناطق فتحرك جيش موريتانيا وتحركت الجزائر من الجهة الأخرى وقصفت عين بنتيلي في حين أن البوليساريو كانت تهاجم على الأرض، وعين بنتيلي هي المنطقة الشرقية وتقع قبل تفاريتي بنحو 70 كيلومتر، إذن موريتانيا دخلت للحرب لتأمين الإقليم، ووجود الجيش الملكي في موريتانيا هو بسبب ضعف موريتانيا التي لم تستطع الدفاع عن نفسها، وهذا ما جعل الجيش الملكي موجودا في مدينة أطار والزويرات وبئر أم كرين. فالجيش المغربي حمى شمال موريتانيا من هجمات البوليساريو.
كم كان لديكم من تلميذ في ليبيا؟
كان لدينا 4500 تلميذ يتابعون دراساتهم في ليبيا.
والعسكر؟
قريب من هذا العدد أو أكثر موزعين على مختلف المدن التي يتدربون بها، في بنغازي وطرابلس وتاجورا وغريان وعدة مدن ليبية أخري.
والدور الآخر الذي كنت تقوم به.
العلاقات مع السلطات الليبية ومع وسائل الإعلام ومع حركات التحرير الموجودة هناك ومع بعض سفارات الدول العربية، وكنت أقوم بحملات إعلامية في بعض الدول العربية مثل بيروت ودمشق..
ما الهدف من هذه الحملات الإعلامية؟
كنت أقوم بندوات صحافية ومقابلات في وسائل الإعلام، ثم كان لدي صوت إذاعي في الإذاعة الليبية، الساقية والودي على طريق الحرية في صوت الوطن العربي، والإذاعة كانت تبث من ليبيا وكان لدينا نصيب 20 دقيقة في برنامج إذاعي، ثم الدعم الليبي من التموين والسلاح، أما الفلوس فكان لنا حساب واحد، حساب الجبهة هو حساب المكتب، ليبيا كانت تضع لنا فيه الفلوس ونحن نسحب ما نريد ونحتاج.
كنت تسحب الفلوس من هذا الحساب؟
نعم، كنت أسحب شخصيا، وبدون حدود.. ولكن كنا شبابا صغارا قنوعين، كنا نصف أنفسنا كوننا ملائكة في أجساد بشر، لم نكن نعرف قيمة الفلوس وكانت لنا نية صادقة. وأذكر واقعة حدثت لي عام 1975، جاءتني أوامر أن أقوم بتحويل 100 ألف دولار من الحساب في ليبيا إلى حساب الجبهة في الجزائر، وأنا لم يسبق لي أن قمت بهذه العملية على الإطلاق، أخذت معي شانطة للملابس وذهبت إلى البنك الذي فتحنا فيه الحساب لأن ذاك البنك لا يمكن تحويل منه الفلوس هناك بنك آخر هو من يتكفل بتحويل الفلوس للخارج، وجمعت الفلوس في الشانطة وذهبت للبنك الآخر فوجدته أغلق أبوابه وغادر الموظفون الإدارة، ورجعت للمكتب وحدي وبت أعس على الفلوس إلى طلوع الفجر، في الصباح ذهبت للبنك، وبمجرد ما رأوا كمية الفلوس التي معي أغلقوا النوافذ وجئ بجميع الموظفين وطفقوا في العد والحساب ورقة ورقة، وقالوا لي ما قمت به هو انتحار إذ كان عليك أن تأخذ ورقة شيك وتأتي بها ونقوم بالتحويل… (يضحك).. أجبتهم بأني جاهل بالطريقة ولم أكن أعرف.





تعليقات الزوار ( 0 )