شكلت كلمة الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالدار البيضاء، بمناسبة افتتاح السنة القضائية 2026، وثيقة مؤسساتية ذات حمولة دلالية قوية، لما تضمنته من معطيات رقمية دقيقة وإحصائيات شاملة، عكست بوضوح حجم الضغط الذي تشتغل تحته النيابة العامة داخل أكبر دائرة قضائية بالمملكة، كما أبرزت في الآن ذاته رهانات المرحلة المرتبطة بتعزيز النجاعة وترسيخ ثقة المواطن في العدالة.
الكلمة، في بعدها العام، لم تأت في قالب بروتوكولي تقليدي، بل حملت طابع التقرير الإخباري التقييمي لحصيلة سنة كاملة من العمل القضائي، مدعّمة بأرقام تكشف عن الكثافة الاستثنائية للقضايا، وتعقيد الملفات، واتساع رقعة التدخلات الموكولة للنيابة العامة، داخل مجال ترابي يعرف أعلى كثافة سكانية وأكبر حجم للنزاعات بالمغرب.
وأظهرت المعطيات المعلنة أن خدمة المواطن لم تعد مجرد شعار مرفوع، بل تحولت إلى ممارسة يومية داخل مرافق النيابة العامة. فقد استقبلت مكاتب الواجهة المفتوحة خلال سنة 2025 ما مجموعه 377.864 مرتفقًا، مقابل 270.270 مرتفقًا سنة 2024، بزيادة تجاوزت 107 آلاف مرتفق، أي بنسبة ارتفاع بلغت 29 في المائة، وهو ما يعكس تصاعد لجوء المواطنين إلى مؤسسة النيابة العامة وتنامي الثقة في دورها كفاعل محوري في حماية الحقوق وصيانة المشروعية.
وفي السياق نفسه، توصلت النيابات العامة بـ218 طلبًا للمساعدة القضائية، تمت معالجة غالبيتها بنسبة إنجاز قاربت 98 في المائة، في تجسيد عملي للحق الدستوري في الولوج إلى العدالة، خاصة لفائدة الفئات الهشة. وعلى مستوى الخدمات الإدارية، أنجزت النيابات العامة بالمحاكم الابتدائية ما مجموعه 71.940 بطاقة رقم 3 للسجل العدلي، بنسبة إنجاز كاملة، إلى جانب إصدار 90.039 شهادة أبوستيل، بزيادة تقارب 15 في المائة عن السنة السابقة، ومعالجة آلاف الطلبات المتعلقة بشهادة الجنسية المغربية عبر المنصة الرقمية لوزارة العدل.
أما في مجال حماية الحقوق والحريات، فقد واصلت النيابة العامة تعزيز آليات المراقبة الميدانية، حيث أنجز قضاة النيابة العامة 1.436 زيارة تفقدية لأماكن الحراسة النظرية والاحتفاظ، بزيادة لافتة مقارنة بسنة 2024، إضافة إلى 75 زيارة للمؤسسات السجنية و12 زيارة لمستشفيات الأمراض العقلية والنفسية، للتأكد من قانونية الإيداع وظروف التكفل. كما تمت مراجعة أكثر من 12 ألف برقية بحث، أسفر أغلبها عن إلغاء برقيات ثبت انتفاء مبرراتها القانونية، بما لذلك من أثر مباشر على صيانة الحريات الفردية.
وعلى مستوى تدبير الشكايات، كشفت الأرقام عن معالجة 153.285 شكاية، مع تصفية أزيد من 77 ألف شكاية، وتقليص المخلف بنسبة 41 في المائة، في حين تمت معالجة ما يفوق 587 ألف محضر، بنسبة إنجاز بلغت 83 في المائة، مع تسجيل تقدم ملموس في تقليص الملفات العالقة. كما تم تسجيل ما يقارب 200 ألف محضر إلكتروني في إطار مدونة السير، جرى البت في غالبيتها بنسب إنجاز مرتفعة.
وفي ما يتعلق بتقديم الأشخاص أمام النيابة العامة وتدبير الاعتقال الاحتياطي، أبرزت الحصيلة تراجعًا ملحوظًا في نسب الإيداع في السجن، حيث بلغت نسبة الاعتقال الاحتياطي 11.4 في المائة سنة 2025، مقابل نسب أعلى خلال السنوات السابقة، وهو ما يعكس توجّهًا واضحًا نحو ترشيد اللجوء إلى الاعتقال الاحتياطي وتعزيز بدائل المتابعة في حالة سراح، مع احترام الضمانات القانونية.
كما أظهرت الأرقام مجهودات مهمة في مجال حماية الفئات الهشة، خاصة النساء والأطفال ضحايا العنف، من خلال معالجة آلاف الشكايات بنسب إنجاز مرتفعة، فضلًا عن استمرار عمل قسم الجرائم المالية في تتبع قضايا المال العام، وتقليص المخلف، وضبط حالات تلبس بالرشوة عبر الخط المباشر للتبليغ.
وفي محور تنفيذ العقوبات، سجلت النيابة العامة ارتفاعًا ملحوظًا في تنفيذ الأحكام السالبة للحرية في حق أشخاص في حالة سراح، إلى جانب الارتفاع اللافت في طلبات العفو والإفراج المقيد، بما يعكس دينامية متزايدة في تدبير مرحلة ما بعد الحكم.
كما شملت الحصيلة تفتيش مئات مكاتب الموثقين والمفوضين القضائيين، مع تسجيل تراجع في عدد الشكايات ضد المهنيين القضائيين، ومباشرة مساطر تأديبية كلما اقتضت الضرورة، في إطار تخليق الحياة المهنية وتعزيز الثقة في المهن المرتبطة بالقضاء.
ولم تغفل كلمة الوكيل العام للملك الإشارة إلى التحول الرقمي كخيار استراتيجي لا محيد عنه، حيث تم التأكيد على الانخراط القوي في مشاريع الرقمنة، وتعميم التبادل اللامادي، وإعادة هيكلة كتابة النيابة العامة، بما يتلاءم مع الاختصاصات الجديدة التي أقرها القانون 03.23، في أفق رفع النجاعة وتقليص الآجال وتعزيز الشفافية.
وبالرغم من الخصاص البنيوي في الموارد البشرية، خصوصًا في صفوف موظفي كتابة الضبط، فإن الحصيلة الرقمية لسنة 2025 تعكس حجم المجهودات الجبارة المبذولة داخل دائرة قضائية استثنائية من حيث الضغط وتعقيد الملفات، وتضع سنة 2026 أمام رهان مضاعف عنوانه عدالة مواطِنة، قوية بالقانون، مدعومة بالأرقام، ومحصنة بخيار الرقمنة وحسن تدبير الموارد.



تعليقات الزوار ( 0 )