تعكس المشاركة في مبادرات حفظ السلام الدولية أحد أبرز مؤشرات المكانة التي تحظى بها الدول داخل المنظومة الدولية، ومدى قدرتها على الجمع بين الالتزام الإنساني والمساهمة الأمنية، بما ينسجم مع التحولات الجيوسياسية التي تعرفها مناطق النزاع، وفي مقدمتها الشرق الأوسط.
وجاء انخراط المغرب في قوة الاستقرار الدولية بغزة ضمن سياق دولي يتطلع إلى تثبيت الأمن وإطلاق مرحلة إعادة الإعمار، بما يفتح الباب أمام نقاش حول دلالات هذه المشاركة، وانعكاساتها على الحضور الدبلوماسي والأمني للمملكة، ودورها في دعم جهود السلام والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي.
انخراط أممي
بيرز بوبكر أنغير، الباحث في العلوم السياسية وتاريخ العلاقات الدولية، أن توقيع المغرب الإطار القانوني للمشاركة في قوة الاستقرار الدولية بغزة يعكس انخراط المملكة الراسخ في المنظومة الأممية، ويؤكد تمسكها بدعم الأمن والسلم الدوليين.
واعتبر أنغير في تصريح لجريدة “الشعاع” الإلكترونية أن هذه الخطوة تحمل أبعادا جيوستراتيجية وإنسانية تعزز مكانة المغرب إقليميا ودوليا، وتكرس حضوره كفاعل موثوق في جهود حفظ السلام وإدارة الأزمات الدولية.
وأردف أن توقيع المغرب الإطار القانوني للمشاركة في قوة الاستقرار الدولية بغزة يعكس انخراط المملكة في المنظومة الأممية، وحرصها على الإسهام في ترسيخ الأمن والاستقرار بمختلف مناطق العالم.
ولفت إلى أن هذا الأمر يترجم استجابة المغرب لقرار مجلس الأمن، والتزامه بمختلف القرارات الدولية، إلى جانب مواكبته للمساعي التي تقودها القوى الدولية لإحلال السلام في قطاع غزة.
وأوضح أن هذه المشاركة تأتي في مرحلة دقيقة أعقبت الحرب الأخيرة، حيث أصبحت المنطقة في حاجة ماسة إلى جهود دولية لإعادة الإعمار والتنمية، إلى جانب تثبيت الأمن وإرساء السلام، باعتبار أن غزة تحظى بمكانة خاصة لدى المغرب، الذي ظل منخرطا في كل المبادرات الرامية إلى دعم القضية الفلسطينية.
وأضاف أن الشعب الفلسطيني يحتاج في المرحلة الحالية إلى دعم حقيقي يشمل تثبيت السلام، ثم إعادة الإعمار، فضلا عن توفير الخدمات الصحية والاجتماعية والعناية بالمتضررين، وهو ما يجعل المشاركة المغربية تتجاوز البعد الأمني إلى أبعاد إنسانية وتنموية متكاملة.
مكانة راسخة
يؤكد أنغير على أن هذه الخطوة تجسد انخراط المملكة المغربية الصادق في جميع المساعي الأممية الرامية إلى إقرار السلام، كما تعكس استمرار السياسة المغربية القائمة على دعم الأمن والاستقرار في مختلف مناطق العالم، خاصة تلك التي تتمتع بأهمية استراتيجية.
وأشار إلى أن المغرب كان دائما سباقا إلى الانخراط في المبادرات الدولية الخاصة بحفظ السلام، وهو ما أسهم في ترسيخ صورته كفاعل مسؤول داخل المنتظم الدولي، وعزز حضوره على المستويين الإقليمي والدولي.
واعتبر أن قبول مشاركة قوة مغربية في مهمة دولية من هذا الحجم ليس بالأمر السهل، بل يعكس حجم الثقة التي يضعها المجتمع الدولي في المملكة المغربية، كما يجسد المكانة المتميزة التي يحظى بها المغرب وقيادته، والمصداقية التي راكمها لدى مختلف الأطراف الدولية، سواء الفلسطينية أو الإسرائيلية أو غيرها.
نفوذ متصاعد
يشدد أنغير على أن هذه المشاركة تؤكد أن المغرب ظل دائما إلى جانب الأمن والسلم والاستقرار في العالم، كما تبرز أنه بات قوة إقليمية ودولية يحسب لها حساب في مختلف ترتيبات الأمن والاستقرار، خاصة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
وأضاف أن هذا الحضور يستند إلى الامتداد المتزايد للدبلوماسية المغربية، وإلى ما راكمته المملكة من نجاحات في عدد من الملفات الكبرى، وفي مقدمتها قضايا الساحل والصحراء، حيث برهنت على قدرتها على المساهمة في معالجة التحديات الأمنية والتنموية.
ويرى أن هذه الخطوة تؤكد من جديد أن المغرب يسير في الاتجاه الصحيح على مستوى سياسته الخارجية، من خلال تعزيز حضوره الدبلوماسي، وتكريس مكانته داخل المنظومة الدولية باعتباره شريكاً موثوقاً في دعم الأمن والاستقرار.
دبلوماسية فاعلة
يوضح الباحث أن المشاركة المغربية ستعزز الدور الذي تضطلع به المملكة في العلاقات الدولية، خاصة في مجال الإسهام في حل الصراعات وإرساء الأمن والسلم، مستفيدة من دبلوماسيتها الهادئة والمتوازنة، ووقوفها الدائم إلى جانب القضايا العادلة.
وأضاف أن اختيار المغرب للمشاركة في قوة الاستقرار الدولية يشكل دليلا إضافيا على مكانته المحورية في هذا المجال، خاصة بالنظر إلى علاقاته المتميزة مع السلطة الوطنية الفلسطينية والشعب الفلسطيني، في ظل رئاسة الملك محمد السادس للجنة القدس، فضلا عن علاقاته المتوازنة مع الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي وإسرائيل.
وأشار إلى أن هذه المعطيات تجعل الدور المغربي مرشحا للتعزز مستقبلا، كما تبرز أهمية الخبرة التي راكمتها القوات المغربية في عمليات حفظ السلام، وهو ما يفسر استمرار الطلب الدولي على مساهماتها في هذا النوع من المهام.
فرص وتحديات
يعتبر أنغير أن المشاركة المغربية تمثل فرصة مهمة لتعزيز حضور المملكة داخل المنظومة الدولية، وتوسيع مجالات التعاون مع عدد من الدول، بما يمكن المغرب من إبراز مكانته، والتأكيد على أن خبراته وإمكاناته تظل رهن إشارة الأمم المتحدة وكل القوى الساعية إلى إقرار الأمن والسلام.
وفي المقابل، لفت إلى أن المهمة لا تخلو من تحديات كبيرة، بالنظر إلى استمرار حالة التوتر في المنطقة، ووجود تداعيات إنسانية وأمنية معقدة خلفتها الحرب الأخيرة، خاصة ما ترتب عن أحداث “طوفان الأقصى”، وهو ما يجعل تحقيق الاستقرار يتطلب جهودا متواصلة وتنسيقاً دولياً واسعا.
وأكد على أن الخبرة المغربية المتراكمة، إلى جانب حكمة القيادة المغربية، كفيلتان بأن تمنحا هذه المشاركة قيمة مضافة، سواء من خلال تعزيز تموقع المغرب الإيجابي داخل العلاقات الدولية، أو عبر المساهمة الفعلية في إقرار الأمن والاستقرار وإعادة الأمل إلى منطقة تحظى بمكانة خاصة لدى المغاربة.


تعليقات الزوار ( 0 )