انتهى مونديال 2026، وبقي السؤال الذي يهم الأمم أكثر من سؤال الفوز والخسارة: ماذا بعد؟
فالمنتخبات الكبيرة لا تُقاس بما تحققه في بطولة واحدة، وإنما بما تبنيه عبر الزمن. أما البطولات الكبرى، فليست سوى محطات تكشف قوة المسار، ولا تصنعه من عدم.
بالنسبة إلى المغرب، لم يعد النقاش متعلقاً بمباراة ضاعت أو أخرى انتُصرت، بل بمشروع وطني أخذ يرسخ حضوره في كرة القدم العالمية، داخل الملعب وخارجه.
لقد غادر المنتخب المغربي مونديال 2026 ضمن أفضل ثمانية منتخبات في العالم، بعد مسار أكد أن ما تحقق في قطر سنة 2022 لم يكن لحظة استثنائية معزولة. ففي مونديال 2022 أصبح المغرب أول منتخب عربي وأفريقي يبلغ نصف نهائي كأس العالم، ثم عاد في 2026 ليبلغ ربع النهائي، ويثبت أن حضوره بين الكبار لم يعد مفاجأة عابرة، بل أصبح تعبيراً عن قدرة تنافسية متجددة.
قد تصنع الحماسة مباراة، وقد يمنح الحظ هدفاً، لكن المصادفة لا تصنع حضوراً متقدماً في نسختين متتاليتين من كأس العالم، ولا تبني منتخباً يراكم الخبرة ويواجه المدارس الكروية الكبرى بثقة الند للند.
وهنا يكمن الفرق بين من يصنع المفاجأة، ومن يبني الاستحقاق.
لقد انتقل المغرب، خلال سنوات قليلة، من حلم التأهل إلى كأس العالم إلى طموح المنافسة في أدواره النهائية. ولم يعد السؤال هو: هل يستطيع المنتخب تجاوز دور المجموعات؟ بل أصبح: كيف يمكنه إدارة التفاصيل الدقيقة التي تفصل بين بلوغ ربع النهائي والوصول إلى المباراة الأخيرة؟
غير أن قوة النموذج المغربي لا تظهر في نتائج المنتخب الأول وحدها. فالجاهزية لمونديال 2030 تُبنى أيضاً في القدرة على تنظيم الأحداث الكبرى، وفي تحويل الملاعب والمدن ووسائل النقل والخدمات والتدبير الأمني والجماهيري إلى منظومة واحدة تعمل بكفاءة.
وقد قدم المغرب في كأس أمم أفريقيا 2025 نموذجاً تنظيمياً مدهشاً، ظهر في جودة المنشآت، وحسن استقبال الوفود، وانسيابية الحركة، وكفاءة إدارة المباريات، والقدرة على صناعة أجواء جماهيرية منحت البطولة إشعاعاً يتجاوز حدود القارة.
ولم تكن كأس أمم أفريقيا حدثاً منفرداً، بل حلقة في تراكم تنظيمي أوسع شمل بطولات قارية ودولية، ومنافسات للفئات العمرية، وكرة القدم النسوية وكرة الصالات. وهذا التواتر ليس مجرد ازدحام في الروزنامة الرياضية، بل مدرسة عملية لإعداد الكفاءات، واختبار المنشآت، وتطوير القدرة على إدارة التدفقات البشرية والإعلامية واللوجستية.
فمونديال 2030 لن يبدأ يوم صافرة المباراة الافتتاحية، بل بدأ فعلياً في كل بطولة نظمها المغرب، وفي كل ملعب جرى تحديثه، وفي كل شبكة نقل توسعت، وفي كل تجربة أتاحت تشخيص مواطن القوة ومعالجة جوانب القصور.
ومع ذلك، فإن نجاح التنظيم لا يُقاس بحسن الضيافة وحده. فالبطولات العالمية تستقبل مئات الآلاف من الزوار، وقد يحاول أفراد محدودون استغلال الحدث لتحويل المدرجات أو الفضاء العام إلى ساحة للاستفزاز السياسي، أو الإساءة الرمزية، أو افتعال التوتر.
ومن هنا، ينبغي أن يكون استقبال الجماهير في مونديال 2030 قائماً على معادلة واضحة: ترحيب واسع بمن يحترم البلد وقوانينه، وصرامة كاملة في مواجهة كل من يحاول استغلال الحدث للإخلال بالأمن، أو الإساءة إلى الرموز الوطنية، أو التحريض على العنف والكراهية.
ولا تعني الصرامة إغلاق الأبواب، ولا التمييز بين الجماهير على أساس الجنسية أو الانتماء، بل تعني اعتماد تدقيق مهني في التأشيرات والاعتمادات والتذاكر، وتطوير آليات تبادل المعلومات، ورصد أصحاب السوابق المرتبطة بالعنف الرياضي، وتطبيق القانون بعدالة وسرعة على كل من يتجاوز الحدود.
فالضيافة ليست ضعفاً، والانفتاح لا يعني التساهل، وحماية صورة البلد جزء من نجاح التنظيم نفسه.
وقد أظهرت بعض الوقائع الهامشية التي صاحبت كأس أمم أفريقيا 2025 أن النجاح الكبير قد يجذب أيضاً من يبحث عن تشويهه، سواء من خلال استفزازات فردية أو حملات رقمية عدائية تحاول صناعة صورة مغايرة للواقع.
غير أن الرد على هذه الحملات لا ينبغي أن يكون بالانفعال ولا بالدخول في سجالات لا تنتهي. فقد أحسن المغرب حين ترك الإنجاز يتكلم، ولم يسمح للحسابات الوهمية والخطابات المشحونة بأن تفرض عليه جدول أعمالها.
إن أفضل رد على التشكيك ليس مطاردة كل تعليق، بل الاستمرار في البناء. فالضجيج الرقمي عمره قصير، أما الملعب والطريق والمطار والأكاديمية والنتيجة الرياضية فتبقى شواهد لا تمحوها المنشورات العابرة.
وعلى المغرب أن يحافظ على هذا الهدوء الاستراتيجي: حزم في الميدان، وتجاهل للضجيج، وثقة في المشروع. فلا ينبغي أن يتحول إلى رهينة لكل استفزاز، ولا أن تسمح له بعض الحملات الإعلامية أو الرقمية العدائية بأن ينجر إلى خطاب مماثل.
فالدول الواثقة لا ترد على الحسد بالحسد، ولا على الإساءة بالإساءة، وإنما تحمي مصالحها بالقانون، وتصون كرامتها بالفعل، وتدع نجاحها يبدد ما يقال عنها.
ولهذا، فإن استضافة كأس العالم 2030 بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها جائزة رمزية، بل باعتبارها نتيجة طبيعية لمسار طويل من العمل والاستثمار والثقة الدولية.
لكن التنظيم الناجح، على أهميته، ليس الغاية النهائية.
فالرهان المغربي الحقيقي يتجاوز تقديم ملاعب حديثة ومطارات فعالة ومدن قادرة على الاستقبال. إن التحدي الأكبر هو أن يدخل المنتخب الوطني مونديال 2030، على أرضه وبين جماهيره، بصفته أحد المنتخبات القادرة على المنافسة، لا مجرد منتخب مستضيف يبحث عن مشاركة مشرفة.
لقد تجاوز المغرب مرحلة البحث عن الاعتراف، وأصبح مطالباً بالحفاظ على المكانة التي انتزعها بالعمل. وهذه المرحلة أكثر صعوبة من مرحلة الصعود؛ لأن الوصول قد تحققه طفرة استثنائية، أما البقاء في القمة فيحتاج إلى تجدد دائم.
ومن ثم، فإن الطريق إلى 2030 يفرض رهانات واضحة: تجديد المنتخب من غير هدم نواته الصلبة، وتأمين استقرار تقني قائم على الكفاءة والمحاسبة، وتقوية البطولة الوطنية ومراكز التكوين، ورفع القدرة على حسم المباريات الكبرى حين تصبح التفاصيل الصغيرة فاصلة بين التأهل والإقصاء.
كما يقتضي المشروع ألا يتحول أبناء الجالية إلى حلول ظرفية عند اقتراب البطولات، بل أن يظل التواصل معهم جزءاً مؤسسياً من السياسة الكروية. ويقتضي أيضاً أن تُربط نهضة المنتخب الأول بتطور منتخبات الفئات العمرية وكرة القدم النسوية وكرة الصالات، لأن القوة الكروية لا تُبنى بفريق واحد، وإنما بمنظومة كاملة.
لقد نجح المغرب في الانتقال من حلم التأهل إلى واقع المنافسة، ومن تنظيم المنافسات إلى اكتساب سمعة البلد القادر على إنجاحها. والتحدي المقبل هو الانتقال من المنافسة المنتظمة إلى صناعة التتويج، ومن استضافة الحدث إلى التأثير في نتيجته.
فإذا كان مونديال 2022 قد قدم المغرب إلى العالم بوصفه مفاجأة كروية مدهشة، وكان مونديال 2026 قد أكد أن تلك المفاجأة أصبحت مساراً، وكانت كأس أمم أفريقيا 2025 وغيرها من البطولات قد أثبتت قدرته التنظيمية، فإن مونديال 2030 ينبغي أن يكون لحظة اجتماع هذه العناصر كلها: منتخب قوي، وتنظيم محكم، وأمن يقظ، وجمهور استثنائي، ودولة تعرف ماذا تريد من الرياضة.
في سنة 2030 لن يُختبر المغرب في قدرته على استقبال العالم فقط، بل في قدرته على حماية الحدث، وفرض معايير التنظيم، وتثبيت مكانه بين الدول التي تصنع تاريخ البطولة.
عندها لن يكون المغرب مطالباً بإعادة إنتاج مفاجأة 2022، بل بتقديم ثمرة مشروع كامل.






تعليقات الزوار ( 0 )