لقد ابتلينا في السنوات الأخيرة بنقاش عمومي واستقطاب حاد، بين طرفين يراد لنا أن نتصورهم كنقيضين، الخونة والوطنيين، يوصف المدافعون عن سيادة الدول والأوطان والمحتكمين لقواعد القانون الدولي بالخونة لأوطانهم، ويصور المدافعون وعرابي الفوضى والقوة وقانون الغاب، أنهم وطنيين.
في سنوات الاستعمار الفرنسي، اعتبر الذين تواطئوا مع المستعمر وساعدوه خونة، واعتبر الذين حملوا السلاح وطنيين وحركة وطنية، لقد كان الأمر واضحا حينها، لكن لو كان تأخر الاستعمار الفرنسي الى بداية الألفية الثانية أو عاد بشكله التقليدي اليوم، لكان الخبراء الاستراتيجيين الذين يملئون الشاشات اليوم يبررون تدخله العسكري بذريعة محاربة الإرهاب، ولا مشكلة عند الخبراء في تصنيف الفاعلين الدينين الثانويين كإرهاب (العدالة والتنمية، العدل والإحسان، السلفية).
يحاول هذا الخطاب إخضاع مقاربات مدرسة كوبنهاغن في الدراسات الأمنية، متوسلين بالآلة الإعلامية لتحويل قضايا التدافع السياسي والمدني الطبيعي داخل المجتمعات إلى تهديدات أمنية وجودية، محاولين توفير الغطاء الإيديولوجي لتعليق القواعد الديمقراطية واستدعاء التدخل الخارجي لتصفية حسابات أيديولوجية تحت ذريعة الحرب الاستباقية، ومتجاهلين تماما العواقب الوخيمة لهذا الاستسهال في تصنيف الفاعلين الداخليين ككيانات إرهابية على المناعة الداخلية للدول وتماسك مجتمعاتها.
هناك مفارقة في هذا الخطاب تتجلى في عجزه عن القياس التاريخي، فالمقارب الشمولي الذي يقدم نفسه حارسا للوطنية، ينخرط طواعية في تبرير مصادرة القرار السيادي متى توافق ذلك مع أجندته الأيديولوجية الرامية إلى تصفية الخصوم حاملي المشاريع القيمية الكبرى، متناسيا أن المفاهيم المؤسسة للدولة الوطنية الحديثة نفسها، والتصورات الفكرية التي ساهمت في التحولات التاريخية الكبرى، انطلقت في جذورها الأولى كمشاريع طوباوية وشعارات تعبوية، قبل أن تخضع لمتطلبات التبيئة السياسية والواقعية، ففي نظر الكاهن الاستراتيجي اصبح الخيال والحلم والمبدا الاخلاقي محرما.
لست أدافع عن شعارات الإسلام السياسي، فهم أنفسهم تغيروا، وانتقلت أدبياتهم من يوتوبيا الخلافة إلى القبول بمحددات الدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية، وصولا إلى الاندماج العملي في السياسات العمومية وتدبير الشأن العام تحت سقف المؤسسات الدستورية خلال العقود الثلاثة الأخيرة، فإدماج الإسلاميين الذي قامت به الدولة المغربية والذي بدأ من نهاية التسعينات وتجلى بوضوح في الاستحقاقات الانتخابية لسنتي 2011 و2016 دليل قاطع على هذه البراغماتية، التي أثبت فيها النسق السياسي المغربي قدرته على احتواء مختلف الفاعلين وتحويلهم إلى شركاء في التدبير الحكومي والمؤسساتي، كاشفا التناقض الصارخ والدعوات الاستئصالية التي يروج لها الخبراء الإعلاميون العاجزون عن استيعاب تعقيدات الواقعية السياسية وتفضيلهم الدائم لسياسة الأرض المحروقة.
لست أدافع أيضا عن شعارات “الخبراء الاستراتيجيين” من قبيل الحماية التي توفرها الولايات المتحدة وإسرائيل، فهي نفسها تهاوت، وصارت وباءا على الخليج العربي، وكانت آخر أكذوبة سقطت قبل أيام ، لكن من حق الخبير الاستراتيجي أن يغرق في أحلامه دون أن يتحايل ويعتبرها معرفة علمية، غير قابلة للدحض، ويخون على اثر ذلك مخالفه، فهشاشة طرحه واضحة بالعودة إلى صعود التعددية القطبية وتراجع المظلات الأمنية التقليدية، إذ أثبتت الانسحابات الإستراتيجية الكبرى للقوى العظمى من مناطق النزاع، بدءا من الانسحاب الأمريكي من أفغانستان سنة 2021، ونهاية بالتكلفة الاقتصادية والسياسية والإستراتيجية التي تكبدتها الولايات المتحدة بتدخلها العسكري في الشرق الأوسط ضد إيران، وقصور الترتيبات الأمنية الإقليمية الحديثة في ضمان الاستقرار المطلق إبان الأزمات الجيوسياسية الطارئة، مما يثبت أن الركون إلى هذه التحالفات الصارمة هو مقامرة ترهن القرار السيادي لتقلبات المزاج الانتخابي في العواصم الغربية وتفقد الدول استقلاليتها الجيوسياسية.
إن التسطيح الفكري الذي يمارسه هؤلاء الخبراء واختزالهم لتعقيدات العلاقات الدولية في اصطفافات أحادية وميكانيكية بلهاء، متجاهلين الذكاء السياسي للدولة في تموقعاتها الجيوسياسية، القائم على تنويع الشركاء وإدارة التناقضات ورفض الارتهان المحوري، في إطار البراغماتية الاقتصادية والمصلحة السيادية العليا وليس الولاءات الأيديولوجية العمياء التي يسوقها الخطاب الإعلامي كقدر محتوم ونهائي.
إن قراءة معاهدة الحماية لسنة 1912 يجعلنا نعود الى الدور الذي لعبته البعثات العلمية (مثل أوجست موليراس إدوار ميشو بيلير ) ومؤسسات الاستشراق منذ بدايات القرن 18 في إنتاج المعرفة الخرائطية والسوسيولوجية التي مهدت للتوغل العسكري، وهي ذات الوظيفة التي كلفت بها اليوم شبكات “الخبراء الاستراتيجيين” في إطار الحماية الدولية الجديدة، والذي انتفت معه الحاجة إلى المستشرق التقليدي لصالح المحلل الإعلامي المكلف بتصنيع الرضا الشعبي، وتسويق التبعية الإستراتيجية كضرورة حتمية، مع ممارسة عنف رمزي وتخوين وتجريد كل الأصوات الرافضة لابتلاع السيادة الوطنية وتفريغها من مشروعيتها، معتبرين الحرب والتدخل الأجنبي حتمية إستراتيجية مقدسة تفرض اجتثاث كل من يعترضها.
اننا اليوم في وضع يحاول استنساخ أركان متلازمة 1912، بتحويل استوديوهات التحليل إلى مختبرات لتبرير التدخل الأجنبي، متيحة لكهنة الاستراتيجيا الجدد ممارسة عنف إبستمولوجي يتقاطع وظيفيا مع أدوار الاستشراق الكولونيالي، ويعتمد فيه مقاولو الأمننة، ضمن هذا النسق، على تفريغ السيادة الوطنية من محتواها، مدفوعين بحنين دفين للاستعمار يسعى إلى شرعنة قانون الغاب باسم العلم والتحليل العلمي، بحثا عن رضا شعبي مصطنع لتمرير خرافات وتفكير سطحي احادي بسيط، متوسلين بآلية تخوين الفاعل المدني كأداة لتبرير مصادرة القرار السيادي وتغطية بؤس الخبير أمام التحولات التي لا يرغب في فهمها.
وفي مقابل هذا التسطيح ودوغما الشاشات، تقف مركزية الذكاء السياسي للدولة الوطنية كحائط صد يحبط مساعي سمسرة السيادة وتسويق التبعية، وتفضح عبث المحللين واختزالاتهم، وتتجلى براغماتية النسق المؤسساتي في قدرته على استيعاب كافة الفاعلين، مرسخا واقعية الإدماج كاستجابة بنيوية تتناقض مع دعوات الاجتثاث والإقصاء، وتبين في المحصلة النهائية ملامح إفلاس الخبرة الاستراتيجية وعجزها البنيوي عن فهم تعقيدات العلاقات الدولية، مؤكدة أن تهاوي تلك المظلات الأمنية المستوردة ليس سوى النتيجة الحتمية لانهيار سرديات الحماية الجديدة أمام صلابة واستقلالية القرار السيادي.
باحث بسلك الدكتوراه، المغرب






تعليقات الزوار ( 0 )