تجد العلاقات المغربية السنغالية نفسها، في الآونة الأخيرة، أمام اختبار دقيق فرضته تداعيات أحداث أعقبت نهائي كأس إفريقيا للأمم بالرباط، وما ترتب عنها من أحكام قضائية في حق عدد من المشجعين السنغاليين، وبين من يقرأ الملف من زاوية قانونية صِرفة، ومن يسعى إلى تأطيره سياسياً أو دبلوماسياً، يطفو سؤال التوازن بين سيادة القانون وعمق الروابط التاريخية.
وفي هذا السياق، يقدم العباس الوردي، أستاذ القانون العام بجامعة جامعة محمد الخامس بالرباط، ومدير المجلة الإفريقية للسياسات العامة، قراءة قانونية ودستورية تؤكد متانة العلاقات بين الرباط ودكار، وتفصل بين منطق القضاء ومقتضيات الأخوة الإفريقية، مستحضراً الأبعاد الروحية والتاريخية التي تؤطر هذه العلاقة.
-عمق تاريخي
يشدد الوردي على أن العلاقات المغربية السنغالية ليست علاقات ظرفية أو مرتبطة بسياق رياضي عابر، بل هي علاقات ضاربة في التاريخ، تتداخل فيها الأبعاد الجيوسياسية والروحية والثقافية، فقبل كل شيء، يؤكد المتحدث أن الرابط الروحي يشكل أحد أعمدة هذه العلاقة، بالنظر إلى المكانة الدينية للمؤسسة الملكية المغربية، وإلى الامتدادات الروحية والتاريخية داخل المجتمع السنغالي.
وأبرز أستاذ القانون العام في تصريح لجريدة “الشعاع”، أن هذا التراكم التاريخي يجعل من الصعب تصور أن حدثاً رياضياً، مهما كانت حساسيته، يمكن أن يجهز على هذا الرصيد المشترك، لافتًا إلى أن العلاقات بين البلدين متينة ومبنية على أسس تتجاوز الظرفي والعابر، والمستمدة من ذاكرة مشتركة ومن تواصل مستمر على مستويات متعددة.
واستحضر في هذا السياق ما ورد في بلاغ الديوان الملكي عقب الأحداث، وما تضمنه من تأكيد على الأخوة والمحبة والتعبئة الإفريقية المشتركة، وهي رسائل تعكس وعياً رسمياً بضرورة تحصين العلاقات الثنائية من أي توتر عابر.
-سياق رياضي
يرى الوردي أن تحميل الملف أبعاداً تتجاوز حجمه القانوني فيه قدر من المبالغة، معتبراً أن بعض الأصوات تحاول استثمار الواقعة لتغذية خطاب متشنج لا يخدم المصالح المشتركة، معتبراً أن التظاهرات الكروية لها ضوابطها وقوانينها، وأي إخلال بالنظام العام يظل خاضعاً للمقتضيات القانونية الجاري بها العمل.
وأكد أن ما وقع يندرج في إطار مخالفات يعاقب عليها القانون الجنائي المغربي، كما هو الشأن في باقي الأنظمة القانونية المقارنة، حيث يشكل الشغب وتخريب الممتلكات العامة وتعريض سلامة الأشخاص للخطر أفعالاً مجرمة بنصوص واضحة تحدد الحد الأدنى والأقصى للعقوبات.
وفي هذا الصدد، شدد على أن تطبيق القانون لا يميز بين مغربي وأجنبي، بل يخضع لقاعدة عامة مفادها سريان القانون الجنائي على كل من يرتكب فعلاً مجرماً فوق التراب الوطني، وهو مبدأ معتمد في مختلف الدول، بما فيها السنغال نفسها.
-حق العفو
من الناحية الدستورية، يوضح الوردي أن العفو الملكي يعد اختصاصاً حصرياً لرئيس الدولة، بمقتضى الدستور المغربي، ولا يختلف اثنان حول هذه الصلاحية، مشيراً إلى أن العفو، سواء كان فردياً أو جماعياً، يظل آلية سيادية تمارس وفق ضوابط محددة وتقديرات ترتبط بالمصلحة العامة والاعتبارات الإنسانية.
وأشار إلى أن ما راج في بعض المنابر الإعلامية حول إمكانية توجيه طلب عفو من الجانب السنغالي يندرج في إطار المساطر الدبلوماسية المعهودة، دون أن يعني ذلك المساس باستقلال القضاء أو التشكيك في الأحكام الصادرة عنه، مبرزاً أن طلب العفو في حد ذاته، يفترض احترام الحكم القضائي والاعتراف بشرعيته.
ولفت إلى أن مؤسسة العفو في حال تفعيلها، يمكن أن تضطلع بدور رمزي مهم في تكريس مناخ التهدئة وتعزيز أواصر الأخوة، خاصة في سياق علاقات توصف تقليدياً بأنها نموذج للتعاون جنوب–جنوب داخل القارة الإفريقية.
-تبادل السجناء
إلى جانب العفو، يبرز الوردي إمكانية أخرى مؤطرة قانوناً، تتمثل في تفعيل اتفاقيات تبادل السجناء بين الدولتين، إن وجدت أو إذا تم الاتفاق بشأنها، موضحاً أن القانون الدولي يتيح في إطار اتفاقيات ثنائية، نقل المحكوم عليهم لقضاء ما تبقى من عقوبتهم في بلدهم الأصلي، وفق شروط محددة.
وأكد على أن هذا الخيار لا يشكل بديلاً عن الحكم القضائي، بل آلية لتنفيذه في إطار قانوني مختلف، يقوم على التعاون القضائي الدولي واحترام سيادة الدول، مبرزاً أن المحكوم عليه يظل خاضعاً للعقوبة، غير أن تنفيذها يتم في موطنه الأصلي، بما قد يراعي اعتبارات اجتماعية وإنسانية.
ويرى أن تفعيل مثل هذه الآليات يعكس نضج العلاقات بين الدول، وقدرتها على معالجة الملفات الحساسة عبر قنوات مؤسساتية هادئة، بعيداً عن منطق التصعيد الإعلامي أو الشعبوي.
-قنوات مؤسساتية
يشدد الوردي على أن العلاقات بين الرباط ودكار مؤطرة بمؤسسات وقنوات دبلوماسية مفتوحة، سواء على المستوى الحكومي أو الرئاسي أو الملكي، وبالتالي فإن أي إشكال طارئ يجد طريقه الطبيعي إلى المعالجة عبر هذه القنوات، دون الحاجة إلى تضخيمه في الفضاء العمومي.
واستحضر في هذا السياق ما صدر عن الرئيس السنغالي باسيرو ديوماي فاي، سواء في خطابه بمناسبة استقبال المنتخب السنغالي أو فيما أشيع حول عزمه مراسلة الملك محمد السادس لطلب عفو، لافتاً إلى أن هذا المسار يعكس احتراماً للمؤسسات ولمنطق السيادة، بدل مجابهة القرار القضائي.
وأشار إلى البعد الروحي الذي استحضره بعض الفاعلين الدينيين في السنغال، مذكراً بأن مكانة الملك باعتباره أمير المؤمنين تمنح للعلاقات بعداً رمزياً إضافياً، دون أن يعني ذلك تجاوز منطق القانون أو إغفال المساطر الشكلية والموضوعية المؤطرة لأي قرار.
-ثبات العلاقة
يلفت الوردي إلى أن العلاقات المغربية السنغالية أعمق من أن تهزها مباراة كرة قدم، وأن كأس إفريقيا، مهما كانت رمزيتها، تبقى حدثاً زمنياً انتهى بانتهاء المنافسة، وأما العلاقات بين الدول، فهي ممتدة ومبنية على المصالح المشتركة والهوية الإفريقية الجامعة.
وأكد على أن المغرب ظل حريصاً على صون هذه العلاقة، سواء من خلال الخطاب الرسمي الذي شدد على الأخوة والمحبة، أو من خلال إبقاء القنوات الدبلوماسية مفتوحة لمعالجة أي مستجد، مبرزاً أنه في المقابل، فإن السنغال أظهرت بدورها تقديراً واحتراماً للمملكة ومؤسساتها.
واعتبر أن الاختيارات الممكنة بين العفو الملكي أو تفعيل اتفاقيات تبادل السجناء، تظل جميعها مؤطرة بالقانون، ومبنية على المساواة واحترام المساطر. أما محاولات تأزيم الملف أو تصويره كخلاف سياسي، فلا تخدم سوى الأصوات التي تسعى إلى الركوب على حدث معزول، في وقت تظل فيه العلاقات المغربية السنغالية ثابتة ومتجذرة في التاريخ والروح والمصلحة المشتركة.




تعليقات الزوار ( 0 )