يشهد المغرب في السنوات الأخيرة اهتمامًا دوليًا متزايدًا بتوطين الصناعات المتقدمة على أراضيه، سواء في القطاعات المدنية ذات القيمة المضافة العالية أو في المجال العسكري والأمني، الذي أصبح بدوره محور تنافس بين قوى دولية تسعى إلى تثبيت حضورها في شمال إفريقيا وغربها، حيث يأتي هذا التحول في سياق دينامية استراتيجية أوسع، عنوانها إعادة تشكيل سلاسل الإنتاج العالمية، وتقليص الارتهان للمجالات التقليدية، والبحث عن منصات مستقرة وموثوقة تجمع بين الكفاءة البشرية، والموقع الجغرافي، والاستقرار السياسي.
وضمن هذا السياق، يبرز الاهتمام الفرنسي المتجدد بالسوق المغربية، لاسيما في مجال الصناعات الدفاعية، باعتباره مؤشرًا على إدراك متزايد في باريس لتحول المغرب إلى فاعل إقليمي صاعد في الأمن والدفاع، فالتحركات الأخيرة، سواء عبر اللقاءات العسكرية المشتركة أو التقارير المتخصصة، تعكس محاولة لإعادة تموقع فرنسي يأخذ بعين الاعتبار التحولات الجيوسياسية، وتطور قدرات الرباط التفاوضية، في ظل انفتاحها على شركاء متعددي الجنسيات.
-شراكة متجذرة
يرى حسن سعود، الخبير الاستراتيجي في الأمن والدفاع العسكري، والباحث في المعهد الملكي للدراسات الإستراتيجية، أن الشراكة العسكرية بين المغرب وفرنسا ليست وليدة اللحظة، بل تمتد جذورها إلى عقود، حيث تعد باريس من المزودين التقليديين للمملكة في مجال التجهيز العسكري، مبرزًا أن هذا المعطى يمنح العلاقات الدفاعية بين البلدين طابعًا مؤسساتيًا متراكمًا، يتجاوز منطق الصفقات الظرفية.
وأشار سعود في تصريح لجريدة “الشعاع”، إلى أن اجتماع اللجنة العسكرية المختلطة الذي انعقد في باريس في دجنبر 2025 تناول مجالات دقيقة ومتقدمة، من بينها الأمن الرقمي والفضائي، ومكافحة الطائرات بدون طيار، ما يعكس انتقال التعاون من مستواه الكلاسيكي إلى آفاق تكنولوجية أكثر تعقيدًا.
وأبرز الخبير الاستراتيجي في الأمن والدفاع العسكري، أن هذا التحول يعكس رغبة مشتركة في الارتقاء بطبيعة التعاون الدفاعي نحو مجالات ذات بعد استراتيجي طويل الأمد.
وأضاف أن الطموح الحالي يتمثل في رفع مستوى الشراكة إلى إحداث مواقع مشتركة للصناعة الدفاعية داخل المغرب، وهو مكسب نوعي بالنظر إلى الخبرة الفرنسية في الصناعات العسكرية ذات القيمة المضافة، وفي إطار مقاربة تقوم على مبدأ المنفعة المتبادلة أو ما يعرف بمنطق “رابح–رابح”.
-منطق المصالح
يؤكد حسن سعود أن العلاقات الدولية ليست علمًا دقيقًا تحكمه قواعد جامدة، بل تبنى على شبكة مصالح متغيرة، وهو ما يفرض التعامل معها بواقعية وبراغماتية.
ولفت إلى أنه من هذا المنطلق، فإن انخراط فرنسا في مشروع توطين صناعات دفاعية بالمغرب ليس قرارًا عاطفيًا أو سياسيًا صرفًا، بل خيارًا مؤسسًا على دراسات دقيقة تأخذ بعين الاعتبار الموقع الجغرافي المحوري للمملكة، وعمقها الإفريقي، ومواردها البشرية المؤهلة.
وأكد الباحث في المعهد الملكي للدراسات الإستراتيجية، على أن المغرب بدوره يبني شراكاته على التعددية والتنويع، مستثمرًا في جاذبيته المجالية وفي اختيار مراكز تميز صناعي وتكنولوجي.
وأشار إلى أن التجربة الناجحة لشركات فرنسية كبرى داخل المغرب، مثل “Renault”، و”Stellantis”، و”Capgemini”، و”Alstom”، و”Orange”، تشكل نماذج عملية على جدوى الاستثمار الصناعي ذي القيمة المضافة في المغرب.
ويرى أن اختيار فرنسا للمغرب كوجهة محتملة لتوطين جزء من صناعاتها الدفاعية يستند إلى تجربة ناجحة وناجعة وضامنة للربح، ما يعزز منطق الاستمرارية والتطوير بدل القطيعة أو المغامرة.
-بوصلة باريس
في تقدير حسن سعود، فإن نجاح الشراكة المتعددة الأطراف مع فرنسا، مقارنة بعلاقات شركاء آخرين في المنطقة، أسهم في تغيير بوصلة باريس تجاه القضية الوطنية للمغرب.
واعتبر أن هذا التحول يعد مكسبًا مهمًا، خاصة وأن فرنسا عضو دائم في منظمة الأمم المتحدة، وهو ما يمنح موقفها وزنًا دوليًا مؤثرًا، كما يشكل حافزًا لتطور موقف الاتحاد الأوروبي.
وشدد على أن الاستقرار السياسي الذي ينعم به المغرب، إلى جانب جاذبيته الاستثمارية وريادته الإفريقية، تعد عوامل رئيسية في ترجيح كفته كوجهة تفضيلية على الصعيدين المغاربي والإفريقي.
وأبرز الخبير الاستراتيجي في الأمن والدفاع العسكري، أن المعادلة لا تقتصر على البعد العسكري، بل تشمل منظومة متكاملة من الاستقرار المؤسساتي والانفتاح الاقتصادي.
ولفت إلى أن توطين الصناعة الدفاعية، إن تم وفق رؤية استراتيجية واضحة، يمكن أن يشكل رافعة لتعزيز السيادة الصناعية والأمنية للمملكة، مع الحفاظ على توازناتها الدولية.
-عرض نوعي
من جهته، يرى محمد الطيار، الخبير في الشؤون الأمنية والعسكرية والاستراتيجية، ورئيس المرصد الوطني للدراسات الاستراتيجية، أن التقرير المنشور في موقع “Africa Intelligence” يشير إلى أن التحرك الفرنسي يتجاوز مجرد استعادة حصة في سوق عسكرية واعدة، ليعكس إدراكًا متزايدًا في باريس لتحول المغرب إلى فاعل إقليمي فرض نفسه في مجالات الأمن والدفاع والصناعة.
واعتبر الطيار في تصريح لـ”الشعاع” أن عرض توطين جزء من الصناعات الدفاعية الفرنسية في المغرب، إذا تضمن نقلًا فعليًا للتكنولوجيا، وتكوينًا للكفاءات المحلية، وإدماجًا في سلاسل الإنتاج العالمية، فقد يشكل تحولًا استراتيجيًا حقيقيًا.
وأردف الخبير في الشؤون الأمنية والعسكرية والاستراتيجية، أنه إذا اقتصر على تركيب أو تجميع محدود دون قيمة مضافة صناعية فعلية، فسيظل أقرب إلى تكتيك ظرفي هدفه احتواء المنافسة الأمريكية والإسرائيلية والتركية المتنامية داخل السوق المغربية.
وشدد رئيس المرصد الوطني للدراسات الاستراتيجية، على أن المعيار الحاسم يكمن في طبيعة العرض الفرنسي: هل هو شراكة صناعية عميقة تؤسس لقاعدة إنتاج سيادية، أم مجرد إعادة تموضع ظرفية في مواجهة منافسين جدد؟
-تنويع الشركاء
يبرز محمد الطيار أن المغرب يتمتع اليوم بهامش مناورة أوسع بفضل تنويعه لمصادر التسليح والشراكات، خاصة مع الولايات المتحدة وإسرائيل والصين وتركيا، موضحًا أن هذا التنوع يمنحه قدرة تفاوضية مهمة، لكنه في المقابل يفرض إدارة دقيقة للتوازنات، تفاديًا لأي تضارب مصالح أو ضغوط جيوسياسية.
وأكد على أن النهج الذي اعتمدته الرباط في السنوات الأخيرة يقوم على براغماتية واضحة، أساسها الانفتاح على الجميع دون الارتهان لأي طرف، وربط التعاون العسكري بمصالح صناعية وتنموية ملموسة، بدل الاكتفاء باعتبارات سياسية ظرفية.
وفيما يتعلق بالعلاقة بين الاهتمام الفرنسي المتزايد وملف الصحراء، يرى الطيار أنه لا يمكن فصل البعد السياسي عن الاستراتيجي، فاعتراف باريس بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية أعاد الدفء إلى العلاقات الثنائية، وفتح المجال أمام إعادة بناء الثقة في ملفات حساسة، من بينها التعاون الدفاعي.
وشدد الخبير في الشؤون الأمنية والعسكرية والاستراتيجية، على أن التصنيع العسكري المشترك قد يشكل مدخلاً لشراكة أعمق تتجاوز صفقات السلاح التقليدية نحو تكامل صناعي وأمني طويل الأمد، خاصة في ظل التحولات الإقليمية في الساحل وغرب إفريقيا.
ونبه على أن نجاح هذه الشراكة سيظل رهينًا بمدى وضوح وجدية الرؤية الفرنسية، واستعدادها لتقديم عرض نوعي يتماشى مع طموح المغرب في بناء قاعدة صناعية دفاعية سيادية ومتعددة الشركاء، لا رهينة ولا خاضعة لمنطق النفوذ التقليدي.




تعليقات الزوار ( 0 )