نشرت صحيفة نيويورك تايمز تقريرا تناول ما وصفته بـ”التحول العميق في الخريطة الأكاديمية العالمية”، في ضوء تراجع جامعة هارفارد الأمريكية إلى المرتبة الثالثة في أحد التصنيفات الدولية المعتمدة على حجم الإنتاج العلمي، مقابل تقدم لافت للجامعات الصينية في مجال البحث الأكاديمي.
ويعكس هذا التحول، بحسب الصحيفة الأمريكية، اتجاها أوسع يتمثل في فقدان الجامعات الأمريكية لهيمنتها التقليدية على مؤشرات الإنتاج البحثي.
وأوضح التقرير أن جامعة هارفارد، التي ظلت لعقود تتصدر التصنيفات العالمية من حيث عدد المنشورات الأكاديمية وجودتها، لم تعد تحتل الصدارة في بعض المؤشرات الكمية، شأنها شأن عدد من الجامعات الأمريكية الكبرى، في وقت حققت فيه الجامعات الصينية قفزات نوعية، مكنتها من احتلال مواقع متقدمة في التصنيفات التي تركز على حجم وجودة الأبحاث المنشورة.
وفي مطلع القرن الحادي والعشرين، كانت سبع جامعات أمريكية ضمن أفضل عشر جامعات عالمياً من حيث الإنتاج العلمي، تتقدمها جامعة هارفارد، بينما لم تكن سوى جامعة صينية واحدة ضمن أفضل 25 جامعة. أما اليوم، فتشير بيانات مركز دراسات العلوم والتكنولوجيا بجامعة لايدن الهولندية إلى تصدر جامعة تشجيانغ الصينية لهذا التصنيف، مع وجود سبع جامعات صينية أخرى ضمن العشر الأوائل، في مؤشر واضح على التحول في موازين القوة البحثية عالميا.
وفي هذا السياق، أقر عدد من الأكاديميين الأمريكيين البارزين بتقدم الصين اللافت، حيث صرح الرئيس السابق لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، رافائيل ريف، بأن حجم وجودة الأوراق البحثية الصادرة من الصين باتت “تفوق بشكل كبير” ما تنتجه الولايات المتحدة. كما باتت التصنيفات العالمية تحظى بمتابعة دقيقة في الأوساط الأكاديمية الدولية، وتُستخدم كمؤشر على القدرة التنافسية العلمية للدول، وهو ما دفع الجامعات الصينية إلى إبراز هذه النتائج والاحتفاء بها إعلامياً.
وأشار التقرير أيضا إلى أن بعض التصنيفات البديلة، مثل تلك المعتمدة على قاعدة بيانات “OpenAlex”، لا تزال تضع جامعة هارفارد في الصدارة، إلا أن التقدم الصيني يبقى لافتاً، إذ تضم القوائم المتقدمة في هذه التصنيفات غالبية من الجامعات الصينية. كما تحافظ هارفارد على مواقع متقدمة في تصنيفات أخرى، مثل مؤشر “نيتشر” وتصنيف الأداء الأكاديمي العالمي، وإن كانت الجامعات الصينية تحل مباشرة خلفها.
وفي المقابل، نبهت نيويورك تايمز إلى أن السياسات الأخيرة لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد تزيد من حدة هذا التراجع النسبي، لاسيما في ظل خفض التمويل الفدرالي الموجه للبحث العلمي، وتشديد سياسات الهجرة وحظر السفر، ما أدى إلى انخفاض عدد الطلاب الدوليين الوافدين إلى الولايات المتحدة بنسبة ملحوظة خلال عام 2025. ويرى مراقبون أن هذه العوامل قد تؤثر سلباً على جاذبية الجامعات الأمريكية وقدرتها على استقطاب الكفاءات العالمية.
وعلى النقيض من ذلك، تواصل الصين ضخ استثمارات ضخمة في قطاع التعليم العالي، وتسعى إلى استقطاب الباحثين الدوليين عبر تسهيلات وتأشيرات موجهة لخريجي الجامعات المرموقة في مجالات العلوم والتكنولوجيا. ويؤكد المسؤولون الصينيون، وعلى رأسهم الرئيس شي جين بينغ، أن التفوق العلمي يشكل ركيزة أساسية لقوة الدول ومكانتها في النظام الدولي.
ويخلص التقرير إلى أن التنافس الأكاديمي العالمي يشهد مرحلة إعادة تشكل عميقة، حيث لم تعد الهيمنة البحثية حكرا على الولايات المتحدة، في ظل صعود قوى علمية جديدة، وعلى رأسها الصين، مدعومة باستراتيجيات طويلة الأمد واستثمارات مكثفة في البحث العلمي والتعليم العالي.





تعليقات الزوار ( 0 )