تشهد الدبلوماسية المغربية خلال السنوات الأخيرة دينامية لافتة تُترجمها تحولات نوعية في مواقف عدد من الدول الإفريقية بخصوص قضية الصحراء المغربية، حيث توالت الاعترافات والدعم الصريح لمغربية الصحراء، كما هو الحال بالنسبة لمصر وكينيا ومالي، إلى جانب تعزيز العلاقات مع دول محورية مثل النيجر وموريتانيا وإفريقيا الوسطى وبوروندي وزامبيا، وتعزز هذا المسار عبر زيارات دبلوماسية وعسكرية رفيعة المستوى، ولقاءات استراتيجية احتضنتها الرباط، من بينها استقبال رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي، بما يعكس تصاعد الحضور المغربي داخل القارة.
وفي ظل هذا الزخم، يبرز المغرب كنموذج دبلوماسي متوازن يجمع بين الانفتاح على مختلف الأقطاب الدولية وتكريس العمق الإفريقي، مستندًا إلى رؤية استراتيجية قائمة على المصالح المشتركة واحترام سيادة الدول، وهذا التوجه مكنه من تحقيق مكاسب نوعية؛ سواءً على مستوى تدبير التنافس الدولي أو فيما يتعلق بتعزيز موقعه كفاعل إقليمي ودولي مؤثر.
❖ موقع استراتيجي
يبرز بوبكر أنغير، الباحث في العلوم السياسية وتاريخ العلاقات الدولية، أن المغرب بحكم موقعه الجغرافي المتميز داخل القارة الإفريقية، يلعب أدوارًا محورية باعتباره صلة وصل بين إفريقيا وأوروبا، وهو ما يمنحه مكانة خاصة في النظام الدولي.
وأكد أنغير في تصريح لجريدة “الشعاع”، على أن هذا الموقع لا يقتصر فقط على البُعد الجغرافي، بل يمتد ليشمل أدوارًا اقتصادية مهمة تعزز من حضوره في سلاسل التبادل العالمي.
وأضاف أن هذا التموقع الاستراتيجي جعل من المغرب محط اهتمام عدد من الأقطاب الدولية؛ سواءً الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي من جهة، أو الصين وروسيا من جانب آخر، وهو ما يضعه في قلب التنافس الدولي ويمنحه في الآن ذاته فرصًا متعددة لتعزيز شراكاته.
وشدد على أن المغرب استطاع، بفضل حنكته السياسية وتجربته المتراكمة، أن يتعامل بذكاء مع هذا التنافس، حيث لم يتحول إلى ساحة صراع، بل إلى فاعل قادر على الاستفادة من مختلف الأطراف دون الوقوع في فخ الاصطفاف.
ولفت إلى أن هذا النجاح يعكس رؤية استراتيجية قائمة على استثمار الموقع الجغرافي بشكل فعال، بما يخدم المصالح الوطنية ويعزز من مكانة المغرب على الصعيدين الاقتصادي والسياسي.
❖ توازن دبلوماسي
يؤكد بوبكر أنغير أن المغرب يعتمد على تنويع شراكاته الاقتصادية والسياسية، حيث لا ينغلق في أي محور دولي على حساب آخر، وهو ما مكنه من تحقيق توازن دقيق في علاقاته الخارجية، مبرزًا أن هذه المقاربة تعكس نضجًا في تدبير السياسة الخارجية.
وأشار إلى أنه رغم اصطفاف المغرب النسبي إلى جانب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والدول الغربية، فإن ذلك لا يتم على حساب علاقاته المتميزة مع روسيا أو شراكاته الممتدة مع الصين والهند واليابان، وهو ما يعكس تعددية في الخيارات الاستراتيجية.
وأردف الباحث في العلوم السياسية وتاريخ العلاقات الدولية، أن هذا التوازن مكن المغرب من كسب مختلف الأقطاب الدولية، والخروج من دائرة التنافس الدولي دون أضرار تُذكر، بل بتحقيق نوع من التفوق الدبلوماسي الذي يعزز مكانته.
وشدد على أن هذه السياسة المتوازنة ساهمت في ترسيخ صورة المغرب كدولة منفتحة ومرنة، قادرة على التكيف مع التحولات الدولية وتحقيق مصالحها دون الدخول في صراعات محورية.
❖ قوة اقتصادية
يرى بوبكر أنغير أن المغرب يُعد اليوم من الدول الصاعدة التي يتم الرهان عليها دوليًا، وذلك لاعتبارات متعددة؛ من بينها موقعه الجغرافي واستقرار نظامه السياسي وأمنه الداخلي، إضافة إلى استقراره الاقتصادي والاجتماعي.
وأكد على أن المغرب استطاع تحقيق نمو اقتصادي معتبر رغم الأزمات العالمية، بدءًا من جائحة “كورونا” سنة 2020، مرورًا بالأزمات الإقليمية، وصولاً إلى التوترات الحالية في الشرق الأوسط، بما في ذلك تداعيات إغلاق مضيق هرمز.
وأضاف أن التوقعات تشير إلى إمكانية تحقيق معدل نمو يتراوح بين 4.20 و4.25، وهو ما يُعد مؤشرًا مهماً في ظل سياق دولي صعب يضغط حتى على اقتصادات كبرى، بما فيها دول أوروبية عريقة.
وأبرز أن المغرب نجح على مستوى التوازنات الماكرو اقتصادية، رغم استمرار بعض التحديات على المستوى الماكرو اقتصادي؛ خاصة ما يتعلق بمحاربة الفقر والفوارق الاجتماعية، وهي مجالات تشتغل عليها الدولة عبر سياسات ومبادرات متعددة.
❖ توازن اقتصادي
يوضح بوبكر أنغير أن المغرب استطاع تحقيق توازن مهم بين العرض والطلب، وهو ما يعكس نجاعة سياساته الاقتصادية وقدرته على التكيف مع التحولات الدولية، مؤكدا أن هذا التوازن يشكل أحد أعمدة الاستقرار الاقتصادي.
وأشار إلى أن المغرب يواجه تحديات مرتبطة بالاستيراد، خاصة فيما يتعلق بالفاتورة الطاقية، لكنه في المقابل ينجح في تعزيز صادراته، خصوصًا في القطاعين الفلاحي والصناعي الذي يشهد تطورًا تدريجيًا.
وأردف أن هذا التوازن بين الاستيراد والتصدير يعكس اندماج المغرب في المنظومة الاقتصادية العالمية، وقدرته على التفاعل مع متغيراتها بشكل إيجابي.
وأكد على أن هذا النجاح على المستوى الماكرو اقتصادي يعزز من جاذبية المغرب كشريك اقتصادي، رغم الحاجة إلى مواصلة الإصلاحات على المستوى الاجتماعي لضمان توزيع عادل للثروة.
❖ دبلوماسية إفريقية
يؤكد بوبكر أنغير أن التوسع في الدعم الإفريقي لمبادرة الحكم الذاتي يعكس نجاحًا كبيرًا للدبلوماسية المغربية؛ خاصة مع التحولات الأخيرة في مواقف عدد من الدول، من بينها كينيا، التي التحقت بالدول الداعمة لمغربية الصحراء.
ولفت إلى أن المغرب نجح في بناء علاقات متميزة مع دول إفريقية كانت في السابق تتبنى مواقف معارضة، مثل إثيوبيا ودول في غرب القارة، وهو ما يعكس تحولاً عميقًا في موازين الدعم داخل إفريقيا.
ويعزو أنغير هذا النجاح إلى اعتماد المغرب على مقاربة تقوم على المصالح المشتركة؛ خاصة في المجالات الاقتصادية والتنموية، إضافة إلى مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وهو ما يعزز الثقة المتبادلة.
وأبرز الباحث في العلوم السياسية وتاريخ العلاقات الدولية، أن هذه المقاربة تختلف عن ممارسات بعض الدبلوماسيات الأخرى التي تعتمد على فرض الشروط أو التدخل في الشؤون الداخلية، ما يجعل النموذج المغربي أكثر جاذبية وفعالية.
❖ حضور دولي
يشدد بوبكر أنغير على أن المغرب استطاع تطوير أدائه الدبلوماسي على الصعيد الدولي، مستفيدًا من شراكاته مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وعدد من القوى الفاعلة، وهو ما انعكس إيجابًا على حضوره داخل إفريقيا.
وأضاف أن هذا الحضور الدولي القوي مكن المغرب من تعزيز صورته داخل المنظومة الدولية، وهو ما ساهم في دعم مواقفه الدبلوماسية داخل القارة الإفريقية.
وأكد على أن المغرب يلعب دورًا مهمًا داخل المنظمات الدولية، حيث يدافع عن قضايا إفريقيا؛ خاصة فيما يتعلق بالتنمية ومحاربة الفقر والهشاشة.
وأشار إلى أن تواجده داخل مؤسسات مثل اليونسكو ومجلس حقوق الإنسان، بل وحتى رئاسته لبعضها، يعكس مكانته الدولية ويعزز من تأثيره في القضايا العالمية.
❖ انتصارات متتالية
يعتبر بوبكر أنغير أن سحب مالي اعترافها بـ”البوليساريو” يشكل انتصارًا دبلوماسيًا مهمًا يضاف إلى سلسلة النجاحات التي راكمها المغرب في ملف وحدته الترابية.
وأكد على أن هذا القرار يعكس عمق العلاقات التي تربط المغرب بدول الساحل والصحراء، خاصة في ظل الروابط التاريخية التي تعود إلى فترات سابقة، مثل العلاقات بين المملكة المغربية ومملكة مالي التاريخية.
وأضاف أن المغرب يولي أهمية كبيرة لاستقرار هذه الدول، ويعمل على دعمها اقتصاديًا وأمنيًا، وهو ما يتجلى في مبادرات مثل المبادرة الأطلسية التي تهدف إلى تمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي.
وشدد على أن هذه النجاحات ليست معزولة، بل تندرج ضمن سيرورة دبلوماسية متواصلة تعكس تفوق المغرب وقدرته على ترسيخ موقعه كفاعل إقليمي ودولي يسهم في تحقيق السلم والاستقرار.



تعليقات الزوار ( 0 )