أخبار ساعة

17:43 - تسليم مركب “محمد السادس للتكوين المهني” لجمهورية مالي تنفيذا للتعليمات الملكية السامية17:31 - تصعيد نقابي لحراس الأمن الخاص بالصحة.. وقفة وطنية مرتقبة أمام الوزارة الوصية17:00 - كازاخستان تستهدف توسيع صادرات الحبوب إلى المغرب وتعزيز التعاون الزراعي بين البلدين16:30 - فرحات مهني يتهم السلطات بالتخلي عن منطقة القبائل ويطرح الاستقلال كحل15:56 - هل أصبح البودكاست صانعا للرأي العام في المغرب أم مجرد موضة؟ | ندوة الشعاع الجديد15:54 - ندوة “الشعاع الجديد”: البودكاست في المغرب.. هل أصبح “مؤسسة” جديدة تصنع الرأي العام أم مجرد منصة رقمية تسترضي الحشود وتبحث عن المشاهدات؟15:50 - “الطاس” تعلن موعد بدء الحسم في لقب الكان بين المغرب والسنغال15:45 - أكثر من 250 ألف مسافر عبروا خط الجزيرة الخضراء – طنجة المتوسط خلال الشهر الأول من عملية مرحبا 202615:36 - ناشطة إسبانية تعلن تخليها عن دعم جبهة البوليساريو وتدعو إلى تغليب المصالح الوطنية15:30 - الحملة الانتخابية الرقمية: مشاركة حقيقية أم مجرد محاكاة لها؟
الرئيسية » مقالات الرأي » الحملة الانتخابية الرقمية: مشاركة حقيقية أم مجرد محاكاة لها؟

الحملة الانتخابية الرقمية: مشاركة حقيقية أم مجرد محاكاة لها؟

مع كل استحقاق انتخابي جديد، يتكرر المشهد ذاته: مؤتمرات صحفية، لافتات في الشوارع، تجمعات خطابية تملأ القاعات – وإلى جانبها طبقة موازية كاملة من المحتوى الرقمي: مقاطع قصيرة، منشورات محسوبة التوقيت، حملات تعليقات منظمة. والقراءة السائدة لهذا المشهد المزدوج تكتفي بوصفه تحديثا تقنيا في أدوات التواصل: الملصق الورقي “تطوّر” إلى منشور رقمي، والتجمع الخطابي “رافقه” بث مباشر. هذا التوصيف، رغم صحته الظاهرة، يخفي أكثر مما يكشف. فالسؤال الجوهري ليس في عدد الأدوات التي أُضيفت إلى ترسانة الحملة، بل فيما إذا كانت هذه الإضافة قد غيّرت طبيعة الفعل السياسي ذاته أم اكتفت بتغليفه بشكل جديد أحدث وأسرع.

فلنبدأ من ملاحظة بسيطة: الحملة الانتخابية، في جوهرها التقليدي، هي مسار تراكمي للثقة. يلتقي المرشح بالناخب، يتعرض لسؤاله المباشر، يتحمل صمته أو غضبه، ويُبنى الاقتناع تدريجيا عبر تكرار هذا التفاعل. أما في الفضاء الرقمي فالمنطق مختلف جذريا: لا وجود لزمن تراكمي بالمعنى ذاته، بل لحظات متقطعة من التعرض السريع لمحتوى مصمم للفت الانتباه في الثواني الأولى، قبل أن ينتقل الانتباه ذاته إلى محتوى آخر. فهل يمكن أن تُبنى ثقة سياسية حقيقية بهذا الإيقاع المتقطع، أم أن ما يُبنى هو شيء آخر تماما – إعجاب عابر، تعليق غاضب، مشاركة سريعة – لا يرقى إلى مرتبة الالتزام السياسي الذي تفترضه الديمقراطية التمثيلية؟

هذا هو بالضبط المدخل الذي يستحق أن نتوقف عنده: ليس أيّ الحملتين أكثر انتشارا أو أكثر حضورا، بل هل التفاعل الرقمي فعل سياسي بالمعنى الدقيق للكلمة، أم مجرد محاكاة له تمنح صاحبها إحساسا بالمشاركة دون أن تُنتج التزاما فعليا يصمد أمام اختبار صندوق الاقتراع؟

حين يتحول الفضاء العمومي إلى سوق للانتباه

يستند التفاؤل حيال الحضور الرقمي إلى افتراض ضمني مفاده أن مساحة النقاش السياسي انتقلت ببساطة من الساحة العمومية إلى الفضاء الافتراضي دون أن يتغير جوهرها. غير أن هذا الافتراض يتجاهل شرطا جوهريا فصّله يورغن هابرماس حين تحدث عن الفضاء العمومي السليم، والذي كررته في المقالات السابقة: نقاش عقلاني تتكافأ فيه فرص الكلام، وحجج تُقنع بقوتها الذاتية لا بسرعة انتشارها أو صخبها. والمنصات الرقمية، بحكم بنيتها الاقتصادية القائمة على تعظيم زمن المشاهدة واستخلاص الانتباه كسلعة قابلة للبيع للمعلنين، لا تكافئ بالضرورة الحجة الأقوى، بل تكافئ المحتوى الأكثر قدرة على استفزاز رد فعل فوري – غضبا كان أو سخرية أو تأييدا حماسيا. والنتيجة أن ما يُفترض أن يكون امتدادا للفضاء العمومي التداولي يتحول عمليا إلى سوق تنافسي على الانتباه، تُقاس فيه قيمة الفكرة بقدرتها على الانتشار لا بصحتها أو عمقها.

ويضيف “كاس صنستاين” (Cass R. Sunstein)، في نقده لما أسماه ” صدى الغرف”، بعدا تكميليا: الخوارزميات لا تكتفي بعرض المحتوى الأكثر إثارة، بل تعيد ترتيب البيئة المعلوماتية للفرد بحيث يرى تأكيدا مستمرا لقناعاته السابقة، ويُحرم تدريجيا من الاحتكاك بحجج مضادة قد تُغني نقاشه أو تُعدّل موقفه. فالحملة الرقمية، بدل أن توسّع دائرة الإقناع كما تفعل الحملة الميدانية حين تخاطب جمهورا متنوعا مجتمعا في ساحة عمومية واحدة لا يملك فيها أحد سلطة اختيار من يستمع ومن لا يستمع، قد تكتفي بتعميق قناعات من هم مقتنعون أصلا. وهنا تكمن المفارقة الأخطر: حملة قد تبدو ناجحة جدا من حيث حجم التفاعل والانتشار، بينما هي في جوهرها منغلقة تماما على جمهور مقتنع مسبقا، عاجزة عن الوصول الفعلي إلى من تحتاج إقناعهم.

ولعل الأخطر من ذلك هو ما يمكن تسميته بـ”تسليع الاقتناع”: حين يصبح المحتوى السياسي خاضعا لمنطق الاختبار المستمر عبر التحليلات الرقمية – أي رسالة تحقق تفاعلا أكبر، أي صورة، أي عبارة – يتحول الخطاب السياسي من محاولة لإقناع المواطن بموقف مبني على حجج، إلى محاولة لهندسة استجابته العاطفية بأقصى دقة ممكنة. وهذا يفرغ الفعل السياسي من أحد أهم شروطه: أن يكون المواطن طرفا فاعلا يزن الحجج بعقله، لا هدفا سلبيا لهندسة نفسية محكمة.

من التعبئة إلى الوهم: ثلاث تجارب كاشفة

فلننتقل الآن من التنظير إلى التجربة الفعلية، ولنتفحص أولا الحالة التي كثيرا ما تُساق دليلا على نجاعة الحملة الرقمية: حملة باراك أوباما عام 2008، أول حملة رئاسية تعتمد بشكل ممنهج على قواعد البيانات الرقمية والتعبئة عبر الإنترنت لتنظيم متطوعين وجمع تبرعات صغيرة من ملايين المواطنين. النتيجة بدت ثورة حقيقية في العمل السياسي: مشاركة شعبية غير مسبوقة، وتمويل تشاركي كسر احتكار كبار الممولين التقليديين. أليست هذه الديمقراطية الرقمية في أنصع صورها؟

لكن قبل أن نُقرّ بذلك، ينبغي أن نسأل: ما الذي ميّز تلك التجربة تحديدا عما تلاها من تجارب أقل نجاحا؟ الجواب أن حملة أوباما وظّفت الأداة الرقمية لتقوية تنظيم ميداني قائم أصلا وفعلي: متطوعون حقيقيون يطرقون الأبواب، ومكاتب محلية منتشرة في الأحياء، ولقاءات وجها لوجه تُنسَّق عبر المنصة الرقمية لا تُستبدل بها. الرقمي هنا كان أداة تكثيف لالتزام ميداني سابق، لا بديلا يُغني عنه. وهذا الفارق – بين التكثيف والاستبدال – هو ما سيتكرر غيابه في التجارب اللاحقة.

أما النموذج الثاني فهو الأكثر إثارة للقلق: فضيحة “كامبريدج أناليتيكا” عام 2018، حين تبيّن أن بيانات ملايين مستخدمي فيسبوك استُغلت لصياغة رسائل دعائية مصممة خصيصا لكل فئة نفسية على حدة، في سياق استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي وانتخابات أمريكية على حد سواء. هنا لم يعد الرقمي وسيلة لتوسيع النقاش العمومي، بل أداة لتفكيكه إلى ملايين الرسائل المصغرة الموجهة لكل فرد بما يوافق نقاط ضعفه العاطفية بالضبط، بمعزل تام عن أي حجة تُطرح للتداول العام أمام الجميع. وهذا بالضبط ما خشاه “هابرماس” حين يتحول الإقناع من فعل تداولي علني قابل للمساءلة، إلى هندسة نفسية خفية لا يعرف المستهدَف بها حتى أنه مستهدَف.

والنموذج الثالث أقرب سياقيا لما يهمنا: حملة “إيمانويل ماكرون” عام 2017 عبر حزب “الجمهورية إلى الأمام”، التي راهنت بشكل كبير على الحضور الرقمي والتواصل المباشر عبر الإنترنت لبناء حزب من العدم في أشهر معدودة، متجاوزة البنى الحزبية التقليدية بكل ثقلها التاريخي. نجحت الحملة انتخابيا بشكل لافت. لكن ما تبع ذلك من احتجاجات “السترات الصفراء” عام 2018 – وهي احتجاجات انطلقت من خارج كل الأطر الحزبية والنقابية المعروفة – كشف أن الحضور الرقمي الكثيف في الحملة لم يكن كافيا لبناء قنوات تمثيل دائمة مع فئات اجتماعية واسعة، شعرت رغم كل ذلك التواصل الرقمي المعلن بأنها غير مسموعة في القرار الفعلي. وهنا يتكشف نمط متكرر: نجاح رقمي باهر في لحظة الحملة، يتبعه فراغ تمثيلي بمجرد أن يبدأ الحكم الفعلي.

ما تقوله الأرقام حين تُقرأ بعناية

حين نتجاوز الأمثلة المفردة إلى القراءة التجريبية الأوسع، تصبح الصورة أكثر تركيبا مما توحي به الحماسة الأولى للرقمنة. تُظهر دراسات مقارنة حول تأثير الحملات الرقمية على نسب المشاركة أن الأثر الأكبر لا يكمن في تغيير قناعات الناخبين المترددين، بل في “الحشد الانتخابي” لمن هم مقتنعون أصلا – أي أن الرقمي يرفع منسوب الإقبال لدى القاعدة الحزبية أكثر مما يُحدث تحولا فعليا في تفضيلات من لم يحسموا موقفهم بعد. وهذا يعني أن الحملة الرقمية أقرب، في أغلب حالاتها الموثقة، إلى أداة تعبئة منها إلى أداة إقناع بالمعنى العميق للكلمة.

كما تكشف الأبحاث حول “صدى الغرف” أن المستخدمين، حتى حين يُتاح لهم محتوى متنوع فعليا، يميلون بشكل انتقائي إلى التفاعل مع ما يوافق قناعاتهم مسبقا، ويتجاهلون أو يرفضون ما يخالفها دون فحص جاد، مما يحد فعليا من القدرة التداولية التي كان يُفترض أن يوفرها الفضاء الرقمي الموسّع نظريا. وهذا لا يعني أن الحملة الرقمية عديمة الجدوى بإطلاق، بل يعني أن فعاليتها الديمقراطية الحقيقية – لا فعاليتها في جمع “الاعجابات” – مشروطة ببنية تنظيمية تربطها بفعل ميداني ملموس، لا تتركها معلقة في فراغ افتراضي مكتفية بذاتها.

فهل يعني هذا أن الحل هو التخلي عن الحملة الرقمية والعودة الكاملة إلى الميدان وحده؟ الجواب لا بكل تأكيد. فالحملة الميدانية وحدها، في مجتمع أصبح جزء واسع ومتزايد من نقاشه العمومي يجري رقميا، تخاطب جمهورا يتقلص باستمرار وتترك الساحة الرقمية بأكملها لمن يُحسن استغلالها بمنطق الاستقطاب لا بمنطق البناء. الدرس الذي تقدمه التجربة الناجحة الوحيدة من بين النماذج الثلاثة – حملة أوباما – ليس الاستغناء عن أي من القناتين، بل جعل الرقمي أداة تكثيف لالتزام ميداني حقيقي قائم أصلا، لا بديلا يُعوَّل عليه وحده لصناعة شرعية سياسية كاملة من العدم.

خاتمة: ليست معركة بين أداتين، بل تشخيص لأزمة تمثيل

في نهاية هذا النقاش نخرج بإدراك أن التقابل المطروح في صيغته الأولى تقابل ظرفي لا جوهري، يفترض وجود صورتين لأداتين متكافئتين في وظيفتهما، بينما الحقيقية أعمق من ذلك بكثير: هل يستخدم الفاعل السياسي الأداة الرقمية لتوسيع دائرة التداول الفعلي والمساءلة المستمرة، أم يستخدمها لمحاكاة الفعل السياسي دون أن ينتج التزاما حقيقيا يترجم في صندوق الاقتراع ثم يصمد بعد يوم الاقتراع؟

الحملة الرقمية، كما الانتخابات ذاتها، ليست وصفة جاهزة للفوز ولا ضمانة تلقائية للتمثيل الصادق. لكنها أداة قد تُستثمر لتعميق الصلة بين الناخب والفاعل السياسي إن أُخضعت لمنطق البناء التراكمي الميداني، أو قد تُختزل في استعراض يمنح إحساسا زائفا بالمشاركة إن تُركت لمنطقها الخاص وحده. والفارق بين الحالتين لا يحدده حجم التفاعل ولا عدد المتابعين ولا سرعة الانتشار، بل مدى قدرة الفاعل السياسي على تحويل هذا التفاعل العابر إلى مسار تداولي حقيقي يُسمع فيه، في نهاية المطاف، صوت من لا صوت له خارج الشاشة.

           
تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .

مواضيع ذات صلة

الميركاتو السياسي: في إعادة إنتاج السلطة داخل الحقل الانتخابي الهجين

24 يوليو 2026 - 2:29 م

مقدمة: تتحول الانتخابات في بعض السياقات السياسية، من لحظة يُفترض أن تؤسس السلطة من جديد إلى آلية لإعادة إنتاجها في

حين تصبح الجودة قضية حياة… لماذا يجب أن تنتصر كليات الطب للتميز لا للأرقام؟

24 يوليو 2026 - 1:43 ص

في زمن تتسابق فيه الدول إلى تطوير منظوماتها الصحية، لم يعد السؤال المطروح هو: كم طبيبًا نُخرِّج؟ بل أصبح السؤال

هل يحتاج المغرب إلى انتخابات جديدة… أم إلى نفسٍ جديد للديمقراطية؟

23 يوليو 2026 - 12:19 م

نَفَسٌ جَدِيد… لِفَصْلٍ جَدِيد هناك لحظات في تاريخ الأمم لا يكون السؤال فيها: من سيفوز في الانتخابات؟ بل يصبح السؤال

المدن المغربية بين الصخب والضوضاء

22 يوليو 2026 - 11:32 م

لا يمكن اعتبار المدن المغربية من أصخب المدن إقليمياً أو دولياً إذا اعتمدنا على القياسات العلمية لمستويات الضوضاء. فمدن كبرى

صناعة المصطلحات السياسية بين محمد حسنين هيكل وعبد الباري عطوان

22 يوليو 2026 - 12:56 ص

     ليست السياسة مُجرَّد وقائع تتوالى على صفحات التاريخ، ولا هي أخبار تتناقلها وسائل الإعلام ثُمَّ تنقضي بانقضاء يومها، بلْ

اختر مدينتك
الفجرالشروقالضهرالعصرالمغربالعشاء
الرطوبة : %
الرياح : km/h
°
°
°