الحوار مع الأستاذ عبد الرزاق الجباري، رئيس نادي قضاة المغرب، إلى عدة قضايا تهم تنظيم المهنة ومهمة نادي قضاة المغرب في المرحلة القادمة وعن السلطة القضائية بعد دستور 2011 وأشياء أخرى تكتشفونها في الحوار..
كيف مرت أجواء الجمع العام العادي قضاة المغرب ؟
في الحقيقة، وكما تم توثيقه بالصوت والصورة، مرت أجواء الجمع العام الخامس لنادي قضاة المغرب في أجواء ديمقراطية وصفت بـ “النموذجية”، ولا أدل على ذلك من المساجلات التي صاحبت عرض مقترحات تعديل القانون الأساسي التي أدرجتها مؤسسة الرئيس في جدول الأعمال بعد مصادقة المكتب التنفيذي عليها، حيث تمت مناقشتها بكل حرية رغم ضيق الوقت، بل تم إعمال المسطرة الاستثنائية المنصوص عليها في المادة 21 من القانون الأساسي، ولأول مرة، بهدف إضافة مقترح تعديل آخر لم يكن مدرجا ضمن التعديلات المشار إليها، وذلك عن طريق مذكرة يقدمها عُشر الأعضاء الحاضرين إلى رئيس النادي من أجل أن يضيف النقطة التي تتضمنها إلى جدول الأعمال.
وهذا ما تم بالفعل، إذ تم تقديم مذكرة بهذا الخصوص، وبعد تأكد السيد رئيس النادي بالنيابة من استجماعها لكافة الشروط القانونية المنصوص عليها في القانون الأساسي والنظام الداخلي، تقرر قبولها، وتم عرض المقترح على الجمع العام الذي صادق عليه بالأغلبية المطلقة، بالرغم من عدم اتفاق المكتب التنفيذي معه لعلل وأسباب ليس هذا مجال تفصيلها.
ما هو مضمون هذا المقترح ؟
يتمثل هذا المقترح في رفع حالة التنافي التي كانت مقررة بمقتضى المادة 73 من القانون الأساسي، حيث تنص على عدم جواز الجمع بين العضوية بالأجهزة المسيرة وطنيا وجهويا وبين المسؤولية القضائية.
وقد كان هذا المنع محط إجماع في الولاية الأولى (2011-2014)، وأثير حوله شيء من النقاش خلال الولاية الثانية والثالثة (2014/2015-2018)، واستمر هذا النقاش خلال الولاية الرابعة (2018-2022) خصوصا بعدما اتسعت دائرة المسؤولين القضائيين المنتمين للنادي، قبل أن يتم الحسم فيه خلال الجمع العام الأخير بإقرار جواز الجمع بين العضوية بالأجهزة الوطنية دون الجهوية وبين المسؤولية القضائية، وذلك بعد المصادقة بالأغلبية المطلقة على المقترح الذي تقدم به عشر المؤتمرين الحاضرين وفق المسطرة المشار إليها أعلاه، وهو مضمون النقطة التي أضيفت إلى جدول الأعمال.
وماذا عن أجواء العملية الانتخابية التي أسفرت عن انتخابكم كرئيس لنادي قضاة المغرب ؟
لم تخرج العملية الانتخابية التي جرت ضمن أشغال الجمع العام الأخير لنادي قضاة المغرب عن الأجواء العامة لهذا الأخير، فقد مرت في أجواء ديمقراطية مسؤولة، انطبعت بروح أخلاقية قضائية عالية، وبتنافسية إيجابية شريفة، لدرجة أن جميع المؤتمرين حضروا ولم يكن أحد يتكهن بمن سيتم انتخابه لتولي مسؤولية تسيير النادي وطنيا ومركزيا، وهذه ممارسة تكاد تكون منعدمة في التنظيمات المماثلة.
ما هي استراتيجية عملكم في هذه الولاية ؟
جوابا عن هذا السؤال، وجب التذكير، وكما قلنا في مناسبات سابقة، بأن “نادي قضاة المغرب” جمعية حداثية تعتمد آلية التسيير الديمقراطي في اتخاذ كل قراراتها. وبالتالي، فمن السابق لأوانه الحديث عن أي استرتيجية عمل لها طالما أن مكتبها التنفيذي لم يجتمع بعد، إذ هو الجهة الوحيدة الموكول إليها تسيير وإدارة النادي قصد تحقيق أهدافه.
ولكن هذا لا يعني أن رئيس النادي ليس له أي تصور عام حول هذه الاستراتيجية، باعتباره المشرف العام على الجمعية وفق قانونها الأساسي. ومن هذا المنطلق، نعتقد أن الملفات التي يتعين إيلاؤها العناية اللازمة في الولاية المقبلة، هي ثلاث ملفات أساسية:
الملف الأول: هو الملف الاجتماعي؛ والذي يتوجب تصريفه في إطار العلاقة الجامعة للنادي بمؤسسات الدولة، لا سيما تلك المتصلة بالشأن القضائي من قبيل: المجلس الأعلى للسلطة القضائية، ورئاسة النيابة العامة، ووزارة العدل، حيث ستكون مخاطبنا بخصوص بعض الملفات المطلبية ذات الأبعاد الاجتماعية؛ وذلك إيمانا من “نادي قضاة المغرب” بواجب الدولة في العناية بالوضعية الاجتماعية للقضاة، تحصينا لاستقلالية السلطة القضائية وفقا لـ: روح الدستور، والقانون، والتوجيهات الملكية السامية، ومختلف المعايير الدولية والإقليمية من جهة أخرى.
الملف الثاني: هو الملف القانوني؛ والذي سيتم الحرص من خلاله على تفعيل آلية الدفاع عن استقلالية السلطة القضائية، ورصد كل ما قد يعتبر تدخلا أو تأثيرا خارجيا في قراراتها، واتخاذ ما يلزم بخصوص ذلك وفق ما يتيحه الدستور والقانون، علاوة على الدفاع عن مختلف حقوق القضاة ومصالحهم المشروعة الداعمة لاستقلاليتهم. علاوة على التشبث بالديمقراطية التشاركية في إعداد القرارات والمشاريع لدى السلطات العمومية، بما في ذلك المساهمة في إعداد مشاريع القوانين ذات الصلة بالقضاء، وبالضمانات الأساسية لحقوق وحريات المواطنين أفرادا وجماعات، تطبيقا للفصل 12 من الدستور.
الملف الثالث: وهو الملف الثقافي؛ ذلك أن من المهام الواجب العنايةُ بها إضافة إلى ما تقدم، أمور ثلاثة غاية في الأهمية، وهي: تنمية بحوث ودراسات القضاة في مجالات الفقه والقانون والقضاء، والتشجيع على ذلك، ثم الرفع من مستوى أداء مهامهم القضائية عن طريق تنظيم دورات تكوينية متخصصة لفائدتهم، فضلا عن التعريف والتحسيس بالأخلاقيات القضائية عن طريق تنظيم ورشات خاصة بذلك.
معلوم أن السلطة القضائية أصبحت مستقلة مع دستور 2011، وما تلاه من قوانين تنظيمية متعلقة بها، فكيف كانت مردودية هذا الاستقلال على عمل القضاة ؟
يتعين للإجابة عن هذا السؤال التمييز بين مرحلتين اثنتين…
تفضل..
المرحلة الأولى؛ وهي التي جاءت بعد تاريخ تنصيب المجلس الأعلى للسلطة القضائية يوم 06 أبريل 2017. فقد انطبعت هذه المرحلة بمردودية محتشمة نوعا ما، وهو ما سبق لنادي قضاة المغرب، في الكثير من المناسبات، أن عبر عنه في إطار تقييمه لعمل المؤسسات ذات الصلة بالعدالة طبقا للفصل 12 من الدستور، خصوصا على مستوى: – معايير التعيين في مهام المسؤولية القضائية. – كيفية تطبيق بعض الضمانات الممنوحة للقضاة والداعمة لاستقلاليتهم. – النظر إلى بعض الحقوق بمنظار تقليدي منزعج من ممارستها، ومنها الحق في التنظيم الجمعوي وفي حرية الرأي والتعبير. – الانكفاء على الذات وعدم الانفتاح على بعض الفاعلين في القطاع، ولا سيما القضاة وجمعياتهم المهنية. – ضعف آليات التواصل التي كانت معتمدة حينها، سواء مع الرأي العام القضائي أو الوطني. – انتفاء المقاربة التشاركية مع الجمعيات المهنية، وغلق أبواب التواصل مع نادي قضاة المغرب بالذات، والانزعاج من ممارسة اختصاصاته كجمعية مهنية مؤسسة طبقا للدستور والقانون.
والمرحلة الثانية: وهي التي امتدت من تاريخ التعيين الملكي السامي لرئيسٍ منتدبٍ جديد يوم 22 مارس 2020 إلى حدود الآن. وقد تميزت هذه المرحلة، بكل موضوعية، بعدة خصائص رَفَعت من منسوب المردودية المشار إليها آنفا، أهمها: – تدبير الضمانات الممنوحة للقضاة بنوع من الموضوعية. – سلوك سياسة تخليقية تروم الرفع من منسوب النزاهة في القضاء، خصوصا في مجال التعيين في مهام المسؤولية القضائية. – اعتماد سياسة تكوينية تهدف إلى تطوير الكفاءة القضائية. – فتح قنوات جدية من أجل التواصل مع القضاة وجمعياتهم المهنية. – التعامل مع جميع الجمعيات المهنية على قدم المساواة. – فتح باب الحوار وجعله مفتوحا بصفة دائمة ومستمرة. – تلقي ملاحظاتنا ومدارستها بجدية والتفاعل الإيجابي مع جلها. – اعتماد المقاربة التشاركية مع الجمعيات المهنية بصفة قبلية وبعدية بما يحفظ استقلالية كل طرف عن الآخر. – الرغبة في إحداث شراكات استراتيجية ومندمجة حول العديد من القضايا، أهمها: التكوين، والتأطير.
وإذا كانت هذه التغييرات التي انصبت على عمل مؤسسة المجلس قد أرْخَت بظلالها على عمل القضاة، فإننا كجمعية مهنية تمثل شريحة كبيرة من هؤلاء القضاة نطمح إلى أكثر من ذلك، خصوصا على مستوى تدبير المسطرة التأديبية، حيث نتطلع إلى تغليب المقاربة التأطيرية والتحسيسية على المقاربة العقابية، وسد الباب أمام بسط الرقابة التأديبية على بعض الأخطاء التي تعد من طبيعة الصنعة القضائية القائمة على الاجتهاد والإبداع، والتي يمكن تصحيحها وتداركها عن طريق طرق الطعن المحددة في القانون.
كما أننا نتطلع إلى التقليص من حالات نقل القضاة بدون طلب، والتوسع في تطبيق الضمانة الدستورية القاضية بعدم قابلية نقلهم إلا بمقتضى القانون، والتعامل مع النقل إثر الترقية ومن أجل سد الخصاص باعتبارهما استثناء وفق ما قررته المحكمة الدستورية، والاستثناء لا يتوسع فيه كما هو معلوم. كما نتطلع إلى حل مشكلة الخصاص التي تؤرق القضاة بالمحاكم، وتسبب لهم ضغطا كبيرا في العمل نتيجة قلة الموارد البشرية مقابل كثرة الملفات المعروضة عليهم، والحرص على ألا يكون هذا الحل على حساب حق من حقوقهم الدستورية أو القانونية.
طيب، أستاذ عبد الرزاق كيف ترى علاقة نادي قضاة المغرب بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية؟
في الحقيقة، هي علاقة جيدة مبنية على الثقة والتواصل والتعاون والتشارك بما يخدم مصلحة القضاء والعدالة، وباستقلالية كل طرف عن آخر. فالمجلس الأعلى للسلطة القضائية مستقل في ممارسة اختصاصاته الدستورية عن الجميع بما في ذلك الجمعيات المهنية، طبقا للمادة 4 من القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس، كما أن الجمعيات المهنية بدورها مستقلة في ممارسة مهامها عن المجلس نفسه وفق قوانينها الأساسية، طالما أنها مؤسسة بناء على مقتضيات الفصل 111 من الدستور، وطبقا لظهير الحريات العامة المؤرخ في 15 نونبر 1958 كما تم تعديله وتتميمه.
وبالتالي، تظل العلاقة بين المجلس الأعلى والجمعيات المهنية القضائية مضبوطة بمقتضيات الفصل 12 من الدستور، الذي ينص على مبدإ الديمقراطية التشاركية مع جمعيات المجتمع المدني في إعداد قرارات ومشاريع لدى السلطات العمومية، وكذا في تفعيلها وتقييمها.
وفي هذا السياق، نطمح في نادي قضاة المغرب إلى تطوير هذه العلاقة وتوسيع دائرة التعاون والتشارك وفق الضوابط والأصول المشار إليها.
أستاذ عبد الرزاق، وددنا لو نسألكم عن تقييمكم لعمل الجمعيات المهنية القضائية في فترة ما بعد دستور 2011 ؟
أولا، لا يجوز لي تقييم عمل أي جمعية مهنية أخرى غير نادي قضاة المغرب التي أمثلها، احتراما لزملائنا المشرفين على تسيير تلك الجمعيات من جهة، ولميثاق الشرف الموقع فيما بيننا جميعا من جهة أخرى. ومن هذا المنطلق، يمكن القول بأن “نادي قضاة المغرب”، وبالرغم من محدودية الإمكانات المتاحة له، حقق الكثير مما كان منتظرا منه من طرف القضاة، والمقام لا يسمح بتفصيل ما تم تحقيقه طيلة الإحدى عشرة سنة الماضية، إذ يكفي الرجوع إلى مجمل مواقفه وما أسفرت عنه من مكاسب لفائدة القضاء والقضاة. ولكن هذا لا يعني أن كل الأهداف التي تأسس من أجلها قد تحققت، وإنما هناك الكثير منها مما لا زال عالقا ويحتاج إلى تكثيف الجهود من أجل تحقيقه، كما أن هناك بعض التراجعات عن أمور كانت من البدهيات المسلمة.
وما دمنا نتحدث عن إنجازات الجمعيات المهنية القضائية، فلا بد من التأكيد على أن كل ما تحقق، إلى حدود الآن، كان عبر آلية الاشتغال الوحيدة التي لا تعدو أن تتمثل في الدفاع عن استقلالية السلطة القضائية وعن حقوق القضاة ومصالحهم المشروعة، وقد أقرت هذه الآلية مختلف المعايير الدولية، الأممية منها والإقليمية، وتبنتها مختلف المرجعيات الوطنية، بدء من التوجيهات الملكية السامية المعبر عنها في افتتاح دورة المجلس الأعلى للقضاء بتاريخ 01 مارس 2002، مرورا بمقتضيات الدستور وقرار المحكمة الدستورية رقم 16.992، وانتهاء بتقارير المجلس الوطني لحقوق الإنسان والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.
صرحتم لإحدى الجرائد الوطنية بأنكم “ستسقطون” قانون التنظيم القضائي دستوريا، كيف سيتم ذلك؟
بداية، أؤكد أنني لم أصرح بهذا التصريح، وإنما هو عنوان اختارته الجريدة التي أدليتُ لها بحوار حول العديد من القضايا المهنية والجمعوية، وهذا من صميم عملها، إذ هي حرة في اختيار ما تراه ملائما لخطها التحريري ولا دخل للمحاوَر في العناوين المختارة.
وفي هذا الصدد، ومادام الحديث عن مشروع قانون التنظيم القضائي، فلا بد من التأكيد، كما صرحت بذلك للجريدة المذكورة مشكورة، على أن نادي قضاة المغرب يحترم الاختيارات التي تترجح لدى السلطة التشريعية عند ممارستها لمهام التشريع، فهي مستقلة عن باقي السلط، كما هي مستقلة حتى عن الجمعيات المهنية القضائية. لذلك، كان تحركنا فيما مضى بخصوص مشروع قانون التنظيم القضائي، عبارة عن ترافع لإبداء وجهة نظرنا التي نعتقد صوابَها بناء على ما ترجح لدينا من مؤيدات: دستورية، وقانونية، وواقعية.
والآن، لما تمت المصادقة على مشروع القانون المذكور بصيغته التي عبر “نادي قضاة المغرب” عن رفضه لها، لم يبق أمامنا سوى التشبث بمطلب إحالته على المحكمة الدستورية للبت في مدى مطابقته للدستور من عدمه، والاحتكام إلى رأيها الذي يلزم الجميع، وهو أمر لا شك سيزيد من تدعيم الممارسة الديمقراطية في بلادنا.
وتجدر الإشارة إلى “نادي قضاة المغرب”، وكما هو معلوم، قد تقدم بمذكرة ترافعية إلى رئيس الحكومة، ورئيس مجلس النواب، ورئيس مجلس المستشارين، يرمي من خلالها إلى تفعيل هذه الممارسة، ونأمل أن تتم الاستجابة إلى هذا المطلب الذي لا نبغي به سوى مصلحة الوطن والمواطن.





تعليقات الزوار ( 0 )