أخبار ساعة

00:06 - الأغنية المغربية وتحولات الذوق العام من البناء الثقافي إلى الاستهلاك الرقمي22:47 - حجز طنين من الأغذية الفاسدة يستنفر حماية المستهلك22:01 - امتحانات الباكالوريا: مساواة في الإجراءات الإدارية وتفاوت في شروط التحصيل الدراسي والمعرفي21:57 - الأمم العظيمة لا تُقلِّد… بل تُبدِع21:47 - هل ستفقد المدرسة رسالتها وجاذبيتها؟21:33 - توقيف الصحافي علي المرابط بمطار طنجة بناء على مذكرات بحث وطنية21:12 - جامعة الدول العربية تدين الاعتداءات الإسرائيلية على الأسير الفلسطيني مروان البرغوثي20:37 - الحليب ومشتقاته بين الدعم والزيادة.. من المستفيد الحقيقي؟ 19:17 - “البيجيدي”: توقير الملكية ومقدسات الأمة خط أحمر ومجلس المنافسة مطالب بوقف جشع المحروقات18:32 - حموشي يمنح ترقية استثنائية لشرطي ضحية حادثة سير بالقنيطرة
الرئيسية » مقالات الرأي » الأمم العظيمة لا تُقلِّد… بل تُبدِع

الأمم العظيمة لا تُقلِّد… بل تُبدِع

في التاريخ، لم تُكتب أمجاد الأمم بالحبر الذي كتبه الآخرون، بل بالأفكار التي أبدعتها شعوبها والإرادة التي صنعت بها مستقبلها. فمن يتأمل مسيرة الحضارات يدرك أن التقدم لم يكن يومًا ثمرة التقليد، بل نتيجة قدرة المجتمعات على تحويل أزماتها إلى فرص، وإمكاناتها إلى مشاريع، وأحلامها إلى سياسات. لقد قال الفيلسوف الألماني هيغل: التاريخ لا يعيد نفسه، بل يعلم من يفهمه.” أما المفكر الجزائري مالك بن نبي فقد كان أكثر وضوحًا عندما أكد أن “مشكلة العالم الإسلامي ليست في نقص الوسائل، وإنما في غياب الفكرة.” ومن هنا تبدأ الحكاية الحقيقية للتنمية؛ فهي ليست استيرادًا للنماذج، بل صناعة لرؤية وطنية تستلهم العالم دون أن تفقد هويتها.

لقد أغرت التجارب الناجحة كثيرًا من الدول النامية بالسير على خطاها، غير أن معظم هذه المحاولات انتهى إلى نتائج متواضعة. فالتنمية ليست مشروعًا يمكن استيراده في حاوية، ولا سياسة يمكن نسخها من تقرير دولي، ولا خطة تُنقل من دولة إلى أخرى بمجرد تغيير الأسماء. إن الدول التي تحاول استنساخ تجارب غيرها غالبًا ما تستورد المظاهر وتغفل الأسس التي صنعت النجاح. فالمصانع لا تصنع نهضة إذا غاب الإنسان المؤهل، والموانئ لا تخلق الثروة إذا غابت القدرة الإنتاجية، والاستثمارات الأجنبية لا تحقق التنمية إذا لم تتحول إلى معرفة وتكنولوجيا وكفاءات وطنية. لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: من نقلد؟ بل كيف نصنع نموذجنا الخاص؟

ولعل التجربة الكورية الجنوبية تقدم أفضل مثال على أن الإبداع يسبق الثراء. ففي ستينيات القرن الماضي، كان نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في كوريا الجنوبية أقل من العديد من الدول الإفريقية، بينما كانت البلاد خارجة من حرب مدمرة، تفتقر إلى الموارد الطبيعية وتعتمد على المساعدات الخارجية. اليوم تجاوز اقتصادها 1.8 تريليون دولار، ويبلغ دخل الفرد أكثر من 36 ألف دولار سنويًا، كما تخصص ما يفوق 4.8% من ناتجها المحلي الإجمالي للبحث والتطوير، وهي أعلى نسبة تقريبًا بين الاقتصادات الكبرى. ولم يتحقق هذا التحول لأن كوريا قلدت دولة أخرى، بل لأنها استثمرت في الإنسان، وربطت التعليم بالصناعة، وشجعت الابتكار، وأقامت مؤسسات قوية قادرة على تنفيذ رؤية استراتيجية استمرت لعقود.

أما سنغافورة، التي لا تتجاوز مساحتها 734 كيلومترًا مربعًا، فقد أثبتت أن قوة الدول لا تُقاس بحجمها الجغرافي، بل بجودة مؤسساتها. فهذه الجزيرة الصغيرة، التي كانت في ستينيات القرن الماضي تواجه البطالة والفقر وغياب الموارد، أصبحت اليوم من أغنى دول العالم، إذ يتجاوز دخل الفرد 90 ألف دولار سنويًا. وقد تحقق ذلك بفضل إدارة عمومية عالية الكفاءة، وسيادة القانون، ومحاربة الفساد، وجعل التعليم والبحث العلمي والابتكار أساسًا للنمو الاقتصادي. ولم يكن سر نجاحها في تقليد الغرب، بل في بناء نموذج يناسب بيئتها وتاريخها وخصوصيتها، وهو ما يؤكد أن التنمية ليست وصفة عالمية، بل مشروعًا وطنيًا.

إن المغرب اليوم يقف أمام لحظة تاريخية تشبه، في بعض جوانبها، اللحظات التي عاشتها تلك الدول قبل عقود. فقد نجح في بناء بنية تحتية تضاهي أفضل المعايير الدولية؛ إذ أصبح ميناء طنجة المتوسط من بين أكبر الموانئ في البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا، بطاقة مناولة تفوق 10 ملايين حاوية سنويًا، كما أصبح المغرب أول مصدر للسيارات في إفريقيا، بإنتاج تجاوز 700 ألف سيارة سنويًا، وتخطت صادرات قطاع السيارات 157 مليار درهم سنة 2025، متقدمة على قطاع الفوسفاط في بعض الفترات. كما رسخ مكانته في مجال الطاقات المتجددة عبر مركب نور ورزازات، وأطلق مشاريع استراتيجية مرتبطة بالهيدروجين الأخضر، واستعد لاحتضان كأس العالم 2030 بما يحمله من فرص لتحديث البنيات التحتية وجذب الاستثمارات. غير أن هذه الإنجازات، رغم أهميتها، ليست سوى وسائل، وليست غاية في حد ذاتها.

فالرهان الحقيقي لا يزال يكمن في بناء اقتصاد المعرفة. وتشير التقارير الدولية إلى أن الإنفاق المغربي على البحث والتطوير لا يزال يدور حول 0.8% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما يتجاوز 4% في كوريا الجنوبية، ويقارب 2.5% في الصين. كما أن إنتاجية العامل المغربي ما تزال أقل بكثير من نظيرتها في الاقتصادات الصاعدة، في حين لا تزال جودة التعليم وربط الجامعة بسوق الشغل من أبرز التحديات. إن المستقبل لن يكون للدول التي تمتلك أكبر عدد من الطرق السيارة أو المناطق الصناعية، بل للدول التي تمتلك أكبر عدد من العلماء والمهندسين ورواد الأعمال والمبتكرين. فالثروة في القرن الحادي والعشرين لم تعد تُستخرج من باطن الأرض، بل تُنتج داخل المختبرات والجامعات ومراكز الابتكار..

ومن هنا، فإن المغرب ليس في حاجة إلى أن يصبح نسخة من كوريا الجنوبية أو سنغافورة أو الصين أو فيتنام، بل إلى أن يستلهم عناصر نجاحها ويبني نموذجه الخاص، انطلاقًا من موقعه الجغرافي، وعمقه الإفريقي، واستقراره السياسي، وتاريخه الحضاري، وشبابه الطموح. لقد أشار المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي إلى أن الحضارات لا تنهار بسبب التحديات، وإنما بسبب عجزها عن تقديم “استجابة خلاقة” لتلك التحديات. وهذا بالضبط ما يحتاجه المغرب اليوم: استجابة مغربية خالصة، تجعل من الإصلاح المؤسسي، وجودة التعليم، والابتكار، والعدالة المجالية، والإنتاجية، أعمدة مشروع تنموي طويل النفس، لا يكتفي بتحقيق النمو، بل يصنع تحولًا حضاريًا شاملاً..

إن الأمم العظيمة لا تُقلِّد لأنها تدرك أن التقليد يضعها دائمًا خطوة خلف الآخرين، بينما الإبداع يمنحها القدرة على صناعة المستقبل. والتاريخ لا يخلد من سار في أثر غيره، بل يخلد من فتح طريقًا جديدًا. لذلك، فإن مستقبل المغرب لن يُكتب في مكاتب الخبراء الأجانب، ولا في تقارير المؤسسات الدولية وحدها، بل سيُكتب في مدارس تُخرج عقولًا ناقدة، وجامعات تُنتج المعرفة، ومؤسسات تُكافئ الكفاءة، واقتصاد يُحول الأفكار إلى ثروة. عندها فقط، لن يكون السؤال: أي نموذج يجب أن يقلده المغرب؟ بل سيصبح السؤال الذي يطرحه الآخرون: كيف نجح المغرب في بناء نموذجه التنموي الخاص؟ فالأمم العظيمة لا تُقلِّد… بل تُبدِع، والإبداع هو الطريق الأقصر إلى السيادة، والنهضة، والخلود في سجل التاريخ..

           
تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .

مواضيع ذات صلة

امتحانات الباكالوريا: مساواة في الإجراءات الإدارية وتفاوت في شروط التحصيل الدراسي والمعرفي

12 يوليو 2026 - 10:01 م

الباكالوريا ليست شهادة مدرسية – فقط – بل اعتراف اجتماعي للناجح  تحتل شهادة الباكالوريا في المغرب موقعا هاما يتجاوز قيمتها

هل ستفقد المدرسة رسالتها وجاذبيتها؟

12 يوليو 2026 - 9:47 م

مقدمة يشهد العالم المعاصر تحولات متسارعة مست مختلف مجالات الحياة، وأعادت تشكيل علاقة الإنسان بالمعرفة والعمل والقيم. وفي قلب هذه

اللحية والسلطة بالمغرب

10 يوليو 2026 - 5:34 م

في مغرب ما قبل الاستعمار، كانت اللحية الكثة مرادفة للرجولة، والحكمة، والنضج الروحي. وكان حلق الذقن بالكامل للأشخاص البالغين يُنظر

ما هو الأدب المغربي؟

10 يوليو 2026 - 5:27 م

لا نطرح عادة مثل هذه الأسئلة حول أدبنا المغربي، لأننا نتصور أنها غير قابلة للطرح، أو جديرة به. إنها محسومة

من سيد قطب إلى الخميني: مذكرات خامنئي تكشف الجذور الفكرية للثورة الإيرانية!!

10 يوليو 2026 - 3:58 م

ليست مذكرات القادة السياسيين مجرد استعادة لسيرة شخصية وحسب، بل هي في كثير من الأحيان محاولة لإعادة بناء الذاكرة الجماعية

اختر مدينتك
الفجرالشروقالضهرالعصرالمغربالعشاء
الرطوبة : %
الرياح : km/h
°
°
°