لم يعد الأمر يتعلق بمباراة كرة قدم، ولا بنتيجة عابرة في بطولة دولية، بل أصبح يكشف عن ظاهرة تستحق التأمل. فكلما حقق المغرب إنجازًا، ظهر في المقابل خطاب يسارع إلى البحث عن تفسير يخفف من قيمة ذلك الإنجاز، وكأن الاعتراف بالتفوق المغربي أصبح أمرًا يثقل على بعض النفوس أكثر مما يثقل عليهم تفسير الهزيمة نفسها.
هذه ليست قراءة انفعالية، وإنما ملاحظة تتكرر بصورة تكاد تصبح نمطًا. فبدل أن يُسأل: ماذا فعل المغرب ليصل إلى هذا المستوى؟ ينصرف النقاش إلى ما الذي أصاب المنافس؟ وبدل تحليل عناصر القوة المغربية، يجري البحث عن أعذار تبرر سقوط الطرف الآخر.
وقد تكرر ذلك في أكثر من مناسبة، وآخرها عقب الفوز المغربي على هولندا. فقد انشغل بعض المعلقين والإعلاميين في بعض المنصات بالحديث عن أن المنتخب الهولندي لم يكن في كامل جاهزيته، أو أنه يمر بمرحلة تراجع، أو أن مستواه لم يعد كما كان، وكأن تفسير النتيجة يجب أن يبدأ دائمًا من ضعف الآخر، لا من قوة المغرب.
لكن هذا المنطق يغفل حقيقة أصبحت واضحة لكل من يتابع كرة القدم بموضوعية: المغرب لم يعد مفاجأة، ولم يعد يعيش على لحظة استثنائية، بل تحول إلى مشروع رياضي متكامل.
فالإنجازات المغربية لم تعد حكرًا على المنتخب الأول الذي أبهر العالم في كأس العالم بقطر، وإنما أصبحت تمتد إلى مختلف الفئات السنية. فمنتخبات الأشبال والشباب تحقق نتائج متقدمة، والأندية تنافس قارّيًا، والبنية التحتية الرياضية تطورت بصورة لافتة، وأكاديميات التكوين أصبحت تصنع اللاعبين وفق رؤية علمية طويلة المدى، حتى صار المغرب حاضرًا في معظم المحافل الدولية بمستوى ثابت، لا بومضة عابرة.
وحين يبلغ النجاح هذا المستوى من الاستمرارية، يصبح من غير المنطقي تفسير كل انتصار بأنه نتيجة تراجع المنافس. فالمنتخبات الكبيرة لا تخسر لأن يومها كان سيئًا فقط، وإنما لأنها واجهت منافسًا أفضل منها في تلك اللحظة.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد: لماذا خسر الآخر؟ بل أصبح: كيف استطاع المغرب أن يبني هذا النموذج خلال سنوات قليلة؟ وكيف تحول من بلد يشارك في البطولات إلى بلد ينافس على ألقابها ويصنع لها أجيالًا متعاقبة؟
إن الاعتراف بالتفوق ليس انتقاصًا من المهزوم، بل هو أول شروط الإنصاف الرياضي. أما الإصرار على اختزال كل نجاح مغربي في أخطاء المنافس، فهو لا يغيّر من الواقع شيئًا، وإنما يكشف عجزًا عن استيعاب التحولات التي تشهدها الرياضة المغربية.
لقد أصبح المغرب اليوم مدرسة رياضية قائمة بذاتها، لا في منتخب الكبار فحسب، بل في منظومة كاملة تبدأ من مدارس التكوين، مرورًا بالأكاديميات والبطولات المحلية، وصولًا إلى المنتخبات الوطنية بمختلف فئاتها. ولهذا لم يعد حضور المغرب في منصات التتويج حدثًا استثنائيًا، وإنما نتيجة طبيعية لمسار بُني على التخطيط والاستثمار والاستمرارية.
ولعل أكثر ما يزعج بعض الخطابات الإعلامية ليس فوز المغرب في مباراة هنا أو بطولة هناك، وإنما سقوط الصورة التقليدية التي كانت تختزل التفوق الكروي في دوائر محددة. فحين يفرض المغرب نفسه بين كبار اللعبة، فإنه لا يغيّر نتائج المباريات فقط، بل يعيد رسم خريطة موازين القوة في كرة القدم.
إنها، في النهاية، ليست عقدة هزيمة أمام منتخب، بل عقدة الاعتراف بأن المغرب لم يعد مشروعًا واعدًا، وإنما أصبح قوة رياضية راسخة، وأن من يريد تفسير انتصاراته عليه أن يبدأ من المغرب نفسه، لا من الأعذار التي تُنسج للمنافسين. فالتاريخ الرياضي لا يكتبه المعتذرون للخاسرين، وإنما يكتبه الذين يصنعون الانتصارات.






تعليقات الزوار ( 0 )