يشهد الفضاء الإفريقي دينامية متسارعة في مجال المشاريع الطاقية الكبرى، في ظل سعي الدول إلى تعزيز أمنها الطاقي وتقوية اندماجها الاقتصادي الإقليمي، ويبرز في هذا السياق مشروع أنبوب الغاز الرابط بين المغرب ونيجيريا كأحد أهم المبادرات الاستراتيجية التي تعكس تحولاً نوعيًا في مقاربة التعاون جنوب-جنوب، وتوسيع آفاق التكامل القاري.
وفي خضم التحولات الجيوسياسية المرتبطة بأسواق الطاقة العالمية، يكتسي هذا المشروع أبعادًا متعددة تتجاوز الجانب التقني، ليطرح رهانات اقتصادية وتنموية كبرى؛ سواءً على مستوى تموقع المغرب داخل سلاسل الطاقة الدولية أو على مستوى قدرته على استثمار هذا الورش الضخم لتحقيق إقلاع صناعي مستدام.
❖ مشروع استراتيجي
يبرز إدريس الفينة، الخبير والمحلل الاقتصادي ورئيس المركز المستقل للتحليلات الاستراتيجية، أن مشروع أنبوب الغاز بين المغرب ونيجيريا يعد من أهم المشاريع الطاقية في القارة الإفريقية، بالنظر إلى ما يحمله من أبعاد استراتيجية بعيدة المدى.
وأوضح الفينة في تصريح لجريدة “الشعاع”، أن هذا المشروع لا يقتصر على نقل الغاز الطبيعي عبر مجموعة من دول غرب إفريقيا، بل يتجاوز ذلك ليجسد رؤية متكاملة لتعزيز التعاون الإقليمي وترسيخ أسس التنمية المشتركة.
وأضاف أن هذا الأنبوب يمثل خطوة نوعية في مسار تعزيز التكامل الاقتصادي الإفريقي، حيث من المرتقب أن يربط عددًا من الاقتصادات الصاعدة، مما يتيح فرصًا جديدة لتبادل الطاقة وتوسيع الأسواق، في سياق يتسم بتزايد الطلب على الموارد الطاقية.
❖ معطيات تقنية
يوضح الفينة أن أنبوب الغاز يمتد على مسافة تقارب 6900 كيلومتر، ما يجعله من بين أطول مشاريع البنية التحتية الطاقية في العالم، بكلفة تقديرية تصل إلى 25 مليار دولار، حيث يرتقب أن تبلغ قدرته الاستيعابية نحو 30 مليار متر مكعب من الغاز سنويًا، وهو ما يعكس حجمه وأهميته الاستراتيجية.
وأشار إلى أن توقيع الاتفاق الحكومي النهائي المرتقب قبل نهاية سنة 2026 يمثل محطة حاسمة في مسار المشروع، إذ سيمكن من الانتقال إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، مع توقع انطلاق أولى عمليات التزويد في أفق سنة 2031، ما يعزز من واقعية هذا الورش الطموح.
❖ أمن طاقي
يرى الفينة أن المشروع يفتح آفاقًا واعدة لتعزيز الأمن الطاقي للمغرب، من خلال تنويع مصادر التزود بالغاز الطبيعي وتقليص الاعتماد على الأسواق الخارجية التي تتسم بعدم الاستقرار، وهو ما من شأنه أن يمنح الاقتصاد الوطني هامشًا أكبر من الاستقلالية في تدبير احتياجاته الطاقية.
وأردف أن توفر الغاز بكلفة تنافسية سيساهم في دعم القطاع الصناعي، عبر خفض تكاليف الإنتاج وتحسين مردودية المقاولات، وهو ما قد ينعكس إيجابيًا على تنافسية النسيج الاقتصادي الوطني في الأسواق الدولية.
❖ موقع إقليمي
يعتبر الفينة أن المشروع يمثل رافعة لتعزيز تموقع المغرب كمركز إقليمي للطاقة، خاصة فيما يتعلق بدوره كحلقة وصل بين إفريقيا وأوروبا.
ولفت رئيس المركز المستقل للتحليلات الاستراتيجية، إلى أنه من خلال هذا الأنبوب، يمكن للمملكة المغربية أن تتحول إلى منصة رئيسية لتوزيع الغاز نحو الأسواق الأوروبية، مستفيدة من موقعها الجغرافي الاستراتيجي.
وأكد على أن هذا التموقع من شأنه أن يدر مداخيل مالية مهمة؛ سواءً عبر رسوم العبور أو من خلال تطوير خدمات لوجستية وبنيات تحتية مرتبطة بالطاقة، ما يعزز من دور المغرب في سلاسل القيمة الطاقية العالمية.
❖ دينامية صناعية
يشير الفينة إلى أن المشروع يمكن أن يشكل رافعة حقيقية لتحفيز الاستثمار في قطاعات صناعية جديدة؛ خاصة تلك المرتبطة بإنتاج الكهرباء والصناعات التحويلية، إذ يتيح توفر الغاز الطبيعي فرصًا لتطوير أنشطة صناعية ذات قيمة مضافة عالية.
وأردف أن هذا الورش الاستراتيجي قد يساهم في خلق دينامية اقتصادية جديدة، من خلال جذب استثمارات أجنبية وتعزيز مناخ الأعمال، بما يدعم النمو الاقتصادي ويوفر فرص شغل، في إطار رؤية تنموية مندمجة ترتكز على استثمار البنيات التحتية الكبرى.




تعليقات الزوار ( 0 )