نشرت مجلة “Array” التي تصدر عن دار النشر العالمية إلسيفير (Elsevier)، وهي واحدة من أشهر المجلات العالمية والمصنفة ضمن الربع الأول للمجلات العلمية الأكثر تأثيرا على المستوى الدولي (Q1)، نشرت مقالا ضمن مجال الدراسات النقدية لدراسات الخبرة؛ وقد أكد المقال على أن المغرب خضع لسنوات لتقييمات تربوية تخَفّض منهجيا من ترتيبه دوليا… وقد تظافرت عدد من الحقول المعرفية من أجل إنجاز هذه المنتج العلمي، حيث تظافرت المعرفة السوسيولوجية وخاصة سوسيولوجيا الخبرة مع المعرفة الرياضية وتحليل البيانات والمعطيات والذكاء الاصطناعي…
إن تفكيك آليات إنتاج المعرفة الإحصائية، ونقد سلطة التصنيفات الدولية، يتطلب من بين ما يتطلب إبراز الثغرة المعرفية بين “دراسات الخبرة” ذات المقاربات الإحصائية الكمية والتمثلات الاجتماعية ومجموع الانطباعات الذاتية. لذلك تطلب الأمر من الباحثين صاحبي المقال إعادة بناء المؤشر الإحصائي، وهو ما يندرج ضمن حقل سوسيولوجيا التقييم الكمي.. الأمر الذي يفضي إلى نقد تمثلات السياسة التعليمية بالمغرب.
لقد كان سؤال الباحثين في هذه الدراسة هو: هل خضع الحقل التربوي المغربي لتقييم ممنهج لسنوات يخفض ترتيبه الدولي؟
بينت الدراسة أن مخرجات التصنيفات الدولية (Rankings) تظل محكومةً بالبروتوكولات المنهجية المعتمدة في معالجة فجوات البيانات (Missing Data)، وعند إعادة بناء النماذج الإحصائية علميا، واسترجاع وإعادة ضبط المتغيرات المفقودة، يرتفع الموقع التصنيفي للمغرب من الرتبة 110 إلى 82؛ وهو ما يكشف عن “دينامية تقدم مطردة” في المؤشرات البنيوية للتعليم؛ الأمر الذي ينبه الباحثين إلى أن هذه المتغيرات المفقودة دامت لعقدين. مما يؤدي إلى العديد من الأحكام الموسومة بالعديد من الانطباعات، وكذا النقد الاختزالي المستشري في الفضاء الرقمي وشبكات التواصل الاجتماعي،..
تُقدم المعطيات (Empirical Data) واقعاً سوسيولوجياً أكثر تركيباً وتعقيداً؛ إذ حققت الدولة تقدماً قابلاً للقياس في مؤشراتها التربوية السيادية. وتُحيل هذه المفارقة مباشرةً على ضرورة الانتقال نحو “براديغم التقييم القائم على الأدلة المتبثة” (Evidence-based Evaluation)، بدل سلطة التخمينات والانطباعات الذاتية المتداولة خارج مجال دراسات الخبرة أو البحث العلمي الاكاديمي.
يُعتبر النظام التعليمي أحد أهم ركائز تحقيق التنمية الشاملة والعدالة الاجتماعية، ولا سيما التنمية المستدامة، واستنادًا إلى تقارير التعليم الدولية، مثل برنامج التقييم الدولي للطلاب (PISA) ودراسة الاتجاهات في الرياضيات والعلوم الدولية (TIMSS)، لا يزال المتعلمون في المغرب يحققون نتائج أقل بكثير من المتوسط العالمي في القراءة والكتابة والرياضيات والعلوم. تُبرز هذه التقارير المُخيبة للآمال أن الوضع يعود أساسًا إلى عوامل عديدة، مثل معدلات الهدر من المدرسي والتهميش. ويُمكن إرجاع إخفاقات جميع هذه الإصلاحات، على الرغم من الاستثمارات المالية الضخمة، إلى الإصلاحات المستوردة، وتجاهل الهوية الاجتماعية: فُرضت الإصلاحات من قِبل جهات خارجية مثل مستشاري البنك الدولي، ومخططي الاتحاد الأوروبي، ومجموعة متنوعة من “شركاء التنمية”. وقد فرضوا خططًا شاملة تستند إلى نتائج اختبارات دولية، لا اختبارات أعدها خبراء مغاربة يعملون في قطاع التعليم.
إن هذا النهج يتجاهل بشكل جذري السياق الثقافي للبلاد، وتنوعها اللغوي، وهويتها التاريخية؛ كما يتجاهل الإكراهات الاقتصادية والإقليمية، والضغط المستمر على الأمن الإقليمي مقارنة بالدول الأخرى التي توجد في ترتيب أفضل.
هذا ويتجاهل مُصمّمو الاختبارات أيضًا متغيراتٍ محليةً ذات صلة، قد تُؤثّر فعليًا على تصنيف الدولة في نتائج التعليم. غالبًا ما يتم تجاهل عوامل سياقية، مثل عمالة الأطفال في المناطق الريفية، وزواج المراهقات، واللغات الإقليمية، والتهديدات الأمنية الإقليمية، والتنوّع الجغرافي، واتساع رقعة البلاد. ونتيجةً لذلك، تُصمّم الإصلاحات بناءً على أرقام إحصائية كمية بدلًا من المؤثرات الاجتماعية والاقتصادية والجغرافية المُعقّدة ذات البعد الكيفي، والتي هي ما يحدّد فعليًا نجاح الإصلاح.
إن الغاية من هذه الدراسة هي الدعوة إلى مراجعة منهجية لمؤشر GJIRE 2024، الذي يفضي حتما إلى تكرار النتائج، وبدلا عن ذلك لابد من إضافة خوارزميات جديدة. وتعيد الدراسة بناء مجموعة بيانات التصنيف من مؤشرات البنك الدولي، كما أنها تعالج البيانات المفقودة، مقارنة بين ثماني طرق لاستكمال تلك البيانات، موضحةً أن الاستيفاء الخطي لكل البيانات يحافظ بشكل أفضل على جودة النتائج. وتُبين الدراسة أن الخيارات المنهجية الأخرى قد تؤثر بشكل كبير على تفسير أداء المنظومة التعليمية. وفي الحالة المغربية، تشير النتائج إلى أن المغرب يتبع مسارا متموقعا بين أدنى ووسط الترتيب الدولي، مما يدل على تحسن مطرد بمرور الوقت. في مؤشرات التعليم الدولية.
لذلك، ترى الدراسة، أنه قبل استخدام المؤشرات لاختبار المنظومة التعليمية، من الضروري اختبار عدة طرق أخرى لاستكمال البيانات المفقودة، ثم تبرير الطريقة المختارة. ولا تقتصر هذه التوصية على الحالة المغربية، لأن أي تصنيف دولي للتعليم يعتمد على مؤشرات غير مكتملة سيؤدي إلى نفس النتائج غير المثبتة. ومن المشكلات التي ينبغي التنبيه لها أثناء القيام بعملية التقييم، الحذر من استخدام نفس مؤشرات التعليم التسعة دون مراعاة السياقية البنيوية. هذا يعني أن عوامل مثل مساحة الدولة، والطابع الريفي، والتفاوت الجغرافي، وسهولة الولوجية، والتركيز المجالي وكذا الاستبعاد التعليمي، غير مُدرجة بشكل مباشر في نموذج TOPSIS الحالي.
تجدر الإشارة إلى أن الدراسة نشرها الباحثين المغربيين، الدكتور طارق الموذن الختص في الذكاء الاصطناعي والدكتور نورالدين لشكر المختص في سوسيولوجيا الخبرة والخبراء؛ وقامت بنشرها مجلة Array الني تصدر عن دار النشر العالمية إلسيفير (Elsevier)… وهي متخصصة في مجالات علوم الحاسوب الآلي والتكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني …. ولها تصنيف قوي وتأثير أكاديمي (Indexing & Impact).. إذ أن معامل تأثيرها (Impact Factor) يبلغ 4.5 (مما يجعلها مجلة قوية في مجالها). وأما مقياس الاستشهاد (CiteScore) فيصل إلى 10.3. وهي مصنفة ضمن مجلات الربع الأول الأعلى كفاءة في قاعدة بيانات Scimago… كما أنها مؤرشفة بالكامل في Scopus و DOAJ و ESCI.3….

*باحث مختص في سوسيولوجيا الخبرة والخبراء



تعليقات الزوار ( 0 )