شكل دخول سجل الوكالات الرسمية المتعلقة بالحقوق العينية حيز التنفيذ ابتداء من فاتح يونيو 2026 إحدى أبرز المحطات التشريعية والتنظيمية في مسار تعزيز الأمن العقاري بالمغرب، فهذا المستجد لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد إجراء تقني أو شكلي جديد، وإنما يمثل جزءا من رؤية تشريعية متكاملة تروم إعادة تنظيم مجال التصرفات العقارية وتحصينها من مختلف مظاهر التزوير والاستيلاء على عقارات الغير والتلاعب التي أفرزتها الممارسة العملية على امتداد سنوات طويلة .
لقد كشفت التجربة القضائية عن حجم الإشكالات التي كانت تطرحها بعض الوكالات المستعملة في التصرفات العقارية، سواء بسبب صعوبة التحقق من استمرار سريانها أو بسبب عدم العلم بإلغائها أو تعديلها، أو نتيجة استعمالها في ظروف تثير الشك بشأن مدى صحة الإرادة التي صدرت عنها. ومن هنا جاء تدخل المشرع لإحداث سجل خاص بالوكالات المتعلقة بالحقوق العينية باعتباره آلية جديدة تروم تعزيز الثقة في المعاملات العقارية وترسيخ مقومات الأمن القانوني والتعاقدي .
ويجد هذا المستجد أساسه في القانون رقم 31.18 الصادر بتاريخ 09 غشت 2019، القاضي بتغيير وتتميم بعض مقتضيات ظهير الالتزامات والعقود، كما تم نشره بالجريدة الرسمية عدد 6807 بتاريخ 26 غشت 2019، والذي أحدث سجل الوكالات الرسمية المتعلقة بالحقوق العينية إلى جانب سجل الشركات المدنية العقارية. غير أن المشرع لم يجعل هذه المقتضيات نافذة بمجرد صدور القانون ونشره، بل ربط دخولها حيز التنفيذ بصدور النصوص التنظيمية اللازمة والشروع الفعلي في العمل بالسجلين المحدثين وفق منطوق الفقرة الأخيرة من المادة الثالثة من نفس القانون .
وتزداد أهمية هذا المستجد بالنظر إلى أن المشرع لم يقتصر على إحداث السجل في حد ذاته، وإنما رتب عليه آثار قانونية مباشرة بمقتضى الفصل 1-889 من قانون الالتزامات والعقود إذ أوجب تقييد الوكالات المتعلقة بنقل الملكية العقارية أو إنشاء الحقوق العينية أو تعديلها أو نقلها أو إسقاطها بسجل الوكالات، كما نص صراحة على أن هذه الوكالات لا تنتج آثارها القانونية إلا من تاريخ تقييدها بالسجل المذكور، وهو ما يكشف عن المكانة المحورية التي منحها المشرع لهذا التقييد باعتباره شرط لازم لترتيب الأثر القانوني للوكالة في هذا المجال .
وفي هذا المنحى صدر بتاريخ 22 أكتوبر 2024 المرسوم رقم 2.23.101 المتعلق بتنظيم سجل الوكالات الرسمية المتعلقة بالحقوق العينية ومسكه، كما صدر قرار وزير العدل رقم 381.25 بتاريخ 06 أكتوبر 2025 المحدد للنماذج المعتمدة في هذا الشأن. وقد توج هذا المسار بإعلان وزارة العدل عن تحديد فاتح يونيو 2026 تاريخ الشروع الفعلي والعملي بالسجل المذكور وفتح باب تلقي طلبات التقييد به أمام مختلف المحاكم الابتدائية بالمملكة، بما يجعل هذا التاريخ محطة الانتقال الفوري من مرحلة التأطير التشريعي والتنظيمي إلى مرحلة التطبيق العملي .
وانطلاقا من ذلك يثور التساؤل حول الخلفيات التي دفعت المشرع المغربي إلى إحداث هذا السجل والآثار القانونية والعملية التي يمكن أن يحققها على مستوى المعاملات العقارية .
المحور الأول : الخلفيات التشريعية لإحداث سجل الوكالات المتعلقة بالحقوق العينية وأهدافه
أولا : سياق الإحداث ودوافع المشرع المغربي
لا يخفى على الجميع أن العقار يحتل مكانة محورية داخل المنظومة الاقتصادية والاجتماعية بالمغرب باعتباره وعاء للاستثمار ومجال لتجسيد عدد كبير من المعاملات المدنية والتجارية، ولذلك فإن أي خلل يمس سلامة التصرفات العقارية ينعكس بصورة مباشرة على الثقة في المعاملات وعلى استقرار المراكز القانونية للأفراد .
وقد أظهرت الممارسة العملية أن مؤسسة الوكالة كانت في بعض الأحيان تشكل إحدى النقاط الحساسة في إنجاز التصرفات العقارية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالتحقق من استمرار وجودها أو من عدم صدور ما يفيد إلغاءها أو تقييدها أو تعديلها. كما أن بعض القضايا المرتبطة بالاستيلاء على العقارات أبرزت الحاجة إلى إيجاد آليات أكثر فعالية لضبط الوكالات المستعملة في التصرفات المرتبطة بالحقوق العينية .
في هذا السياق جاء تدخل المشرع من خلال سنه للقانون رقم 31.18 الذي أقر إحداث سجل الوكالات الرسمية المتعلقة بالحقوق العينية في إطار توجه عام يروم تعزيز الأمن القانوني وتحسين وسائل مراقبة التصرفات العقارية والرفع من مستوى الموثوقية التي يفترض أن تحيط بها، ويظهر من خلال الصياغة التشريعية لهذا القانون أن الغاية لم تكن مجرد استحداث سجل إداري جديد، وإنما خلق آلية قانونية تسمح بتتبع الوضعية القانونية للوكالة الرسمية وما قد يطرأ عليها من إلغاء أو تعديل أو تقييد، بما يحد من حالات الغموض التي قد تكتنف آثارها القانونية .
والواقع أن هذا التوجه لا يمكن فصله عن السياسة التشريعية التي اعتمدها المغرب خلال السنوات الأخيرة في مجال تحديث المنظومة العقارية، والتي تقوم على تعزيز الرسمية والرقمنة وتكريس وسائل أكثر فعالية للتحقق من صحة المعاملات وحماية الملكية العقارية .
ثانيا : الأهداف القانونية والعملية للسجل الجديد
إذا كان إحداث أي سجل قانوني يفترض وجود غاية عملية من ورائه، فإن الغاية الأساسية من هذا السجل تتمثل في توفير وسيلة رسمية تسمح بالتحقق من الوضعية القانونية للوكالات المتعلقة بالحقوق العينية .. كيف ذلك ؟
فمن خلال التقييد بالسجل يصبح من الممكن الوقوف على البيانات الأساسية المرتبطة بالوكالة ومعرفة ما إذا كانت لا تزال منتجة لآثارها القانونية، أو أنها أصبحت ملغاة أو معدلة أو مقيدة بشروط معينة. كما يتيح السجل إمكانية تتبع المستجدات التي تطرأ على الوكالة بصورة أكثر دقة ووضوح الشيء الذي يعزز من شفافية المعاملات المرتبطة بها .
ولا يقتصر دور السجل على مجرد حفظ البيانات أو إشهارها، بل يتجلى أثره القانوني كذلك في أن المشرع ربط الاحتجاج تجاه الغير بالتعديلات المدخلة على الوكالة أو بإلغائها بتاريخ تقييد تلك التغييرات بالسجل نفسه، وفقا للفصل 889-1 من قانون الالتزامات والعقود، وهو ما يوفر مرجعا رسميا موحدا يمكن الرجوع إليه للتحقق من الوضعية القانونية الحقيقية للوكالة ويحد من المنازعات المرتبطة بادعاء الجهل بالإلغاء أو التعديل، بالإضافة إلى ذلك يساهم هذا النظام في الحد من حالات استعمال وكالات فقدت آثارها القانونية دون علم المتعاملين بها، الشيء الذي من شأنه أن يعزز الثقة في المعاملات العقارية ويقلص من هامش المخاطر المرتبطة بها .
ومن زاوية أخرى؛ فإن السجل الجديد يندرج ضمن مسار رقمنة العدالة وتحديث الإدارة القضائية، إذ لم يعد الأمر مرتبط فقط بحفظ الوثائق أو مسك السجلات التقليدية، بل أصبح يتعلق بإحداث قاعدة بيانات ومعطيات وطنية تسمح بالوصول السريع إلى المعلومات والتحقق منها في وقت وجيز بما ينسجم مع متطلبات النجاعة والشفافية التي أصبحت تفرضها المعاملات الحديثة .
ويجد هذا التوجه الرقمي أساسه القانوني في الفصل 2-889 من قانون الالتزامات والعقود الذي أحدث سجلا وطنيا إلكترونيا للوكالات يعهد بتدبيره إلى الإدارة المختصة تتولى من خلاله تجميع جميع الوكالات المقيدة بسجلات الوكالات الممسوكة لدى المحاكم الابتدائية وحفظها وتأمينها، بما يسمح بإرساء قاعدة معطيات وطنية موحدة تساهم في تسهيل الولوج إلى المعلومة القانونية المرتبطة بالوكالات العقارية وتعزيز موثوقيتها .
المحور الثاني : آثار السجل على المعاملات العقارية وتحديات التنزيل العملي
أولا : مساهمة السجل في تعزيز الأمن العقاري وحماية الملكية
لا ريب أن الأثر الأبرز لهذا المستجد يتمثل في تعزيز الأمن العقاري باعتباره أحد المرتكزات الأساسية لأي منظومة قانونية حديثة، فوجود سجل رسمي للوكالات المتعلقة بالحقوق العينية من شأنه أن يوفر ضمانة إضافية لفائدة مختلف المتدخلين في المعاملة العقارية، سواء تعلق الأمر بالمالكين أو المشترين أو المؤسسات البنكية أو المهنيين المكلفين بتحرير العقود .
كما أن إمكانية التحقق من الوضعية القانونية للوكالة قبل ترتيب أي أثر قانوني عليها ستساهم في كبح تنامي المنازعات التي كانت تنشأ بسبب النزاع حول صحة الوكالة أو استمرار سريانها أو نطاق السلطات المخولة بموجبها .
ويزداد هذا الدور وضوحا إذا استحضرنا أن الفصل 2-889 ألزم محرر عقد إنشاء أو نقل أو تعديل أو إسقاط حق عيني عقاري بالتأكد من تقييد الوكالة بالسجل المخصص لذلك، وهو التزام قانوني من شأنه أن يرفع من مستوى اليقظة القانونية لدى المهنيين المتدخلين في المعاملات العقارية وأن يحد من إمكانية الاعتماد على وكالات غير مقيدة أو فقدت شروط ترتيب آثارها القانونية .
ومن منظور آخر فإن هذا المستجد ينسجم مع التوجه التشريعي الرامي إلى مكافحة مختلف أشكال التزوير والاستيلاء غير المشروع على العقارات، إذ يصبح من الصعب عمليا الاستناد إلى وكالة تم إلغاؤها أو تعديلها دون أن يكون لذلك أثر ظاهر ضمن السجل المخصص لهذا الغرض (الفصل 1-889 من ق ل ع) مساهما في توفير قدر أكبر من الوضوح والأمن القانوني للمعاملات العقارية. وعلى هذا الأساس فإن السجل الجديد لا يحمي فقط أطراف التصرف العقاري، بل يحمي كذلك استقرار المعاملات والثقة في النظام العام العقاري .
ثانيا : تحديات التنزيل العملي وحدود الفعالية المنتظرة
على الرغم من الأهمية الكبيرة لهذا المستجد؛ فإن فعاليته ستظل مرتبطة بمدى نجاح تنزيله على أرض الواقع فالتجارب المقارنة تؤكد أن نجاح السجلات القانونية لا يرتبط فقط بوجود النصوص المنظمة لها، وإنما يتوقف أيضا على جودة البنية التقنية المعتمدة وسرعة تحيين المعطيات ودقة المعلومات المدرجة بها ومدى انخراط مختلف المتدخلين في احترام مقتضياتها .. فضلا عن الشروع الفعلي في العمل بالسجل على مستوى جميع المحاكم الابتدائية يطرح تحديات عملية مرتبطة بحسن تدبير المنظومة المعلوماتية المخصصة له، وضمان توحيد الممارسة بين مختلف الجهات القضائية وتحقيق السرعة المطلوبة في معالجة طلبات التقييد والتعديل والتشطيب. كما أن فعالية السجل تظل مرتبطة بمدى التحيين الدقيق والفوري للمعطيات المقيدة به، خاصة وأن المشرع رتب آثار قانونية مهمة على التقييد والتعديلات والتشطيبات بمقتضى الفصل 1-889 من قانون الالتزامات والعقود، مما يجعل من جودة تدبير البيانات شرطا أساسيا لتحقيق الغاية المتوخاة من هذا النظام. ناهيك عن تحقيق الأهداف المرجوة من هذا السجل يقتضي نشر الوعي القانوني بين المواطنين والمهنيين بأهمية التقييد وآثاره القانونية، تفاديا أن لا يتحول النظام الجديد إلى مجرد إجراء شكلي يجهل الكثيرون غايته الحقيقية .
وتقضي الضرورة كذلك الحرص على تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن القانوني من جهة وضمان بساطة المساطر وسهولة الولوج إلى الخدمات المرتبطة بها من جهة أخرى، لأن أي تعقيد مفرط قد ينعكس سلبا على فعالية النظام المستحث وعلى درجة تقبل المتعاملين معه، الأمر الذي يستتبع القول بأن نجاح هذا الورش لن يقاس فقط بعدد الوكالات المقيدة بالسجل، وإنما بمدى مساهمته الفعلية في تقليص معدل المنازعات العقارية وتعزيز الثقة في المعاملات وحماية الملكية من مختلف المخاطر التي قد تهددها .
في تقديري؛ لا يشكل سجل الوكالات الرسمية المتعلقة بالحقوق العينية مجرد مستجد إجرائي محدود الأثر، بل يجسد تحولا بنيويا في فلسفة تدبير المعاملات العقارية بالمغرب بما يكشف عن الانتقال من منطق التدبير الشكلي إلى مقاربة أكثر إحكاما للضبط والنجاعة والشفافية في المعاملات. كيف ذلك ؟ مرد ذلك أن المشرع لم يعد يكتفي بالاعتماد على الثقة المفترضة بين الأطراف، وإنما أصبح يتجه بشكل متزايد نحو بناء منظومة تقوم على التحقق والتوثيق والتتبع المستمر للمعطيات القانونية المرتبطة بالحقوق العقارية .
ويكتسي هذا التحول أهمية خاصة بالنظر إلى استكمال الإطار التنظيمي للسجل والشروع الفعلي في العمل به ابتداء من فاتح يونيو 2026، وهو ما يؤشر على انتقال الإصلاح من مستوى النص القانوني إلى مستوى الممارسة العملية داخل المحاكم .. وإذا كان من المبكر الجزم بالحكم النهائي بشأن مدى نجاح هذا المستجد، فإن الثابت أنه يمثل خطوة ذات أهمية بالغة في اتجاه تعزيز الأمن العقاري وتحصين الملكية الخاصة وتطوير آليات حماية الحقوق العينية، وهي غايات سيظل تحققها مرهون بمدى جودة التنزيل العملي وبقدرة مختلف الفاعلين على استيعاب فلسفة الإصلاح ومقاصده الجوهرية .
مستشار قانوني وباحث في العلوم القانونية






تعليقات الزوار ( 0 )