أثارت الوثيقة المتداولة بشأن ما وُصف بـ”الاستقالة الجماعية” داخل هياكل حزب العدالة والتنمية بإقليم العيون نقاشا واسعا في الأوساط السياسية والإعلامية، خاصة مع توصيفها من طرف بعض المنابر باعتبارها “زلزالاً تنظيمياً” يعكس أزمة داخلية عميقة.
لكن هذه القراءة المتسرعة تغفل جانبا أكثر تركيبا للسياق السياسي المحلي، إذ يظهر أن ما جرى يتجاوز التفسير التنظيمي الصرف، ليرتبط ببنية اجتماعية وسياسية خاصة تطبع الأقاليم الجنوبية للمغرب.
في هذا الإطار، يمكن النظر إلى الحدث ضمن السياق الذي يسبق الاستحقاقات الانتخابية، حيث تتقاطع الحسابات التنظيمية مع رهانات الترشيح والتزكية، وهي لحظة حساسة داخل مختلف الأحزاب المغربية، إلا أن خصوصية المشهد في الصحراء تكمن في كون العملية الانتخابية لا تُختزل فقط في الانتماء الحزبي أو التنافس البرامجي، بل تتداخل بشكل عميق مع البنية القبلية وشبكات الولاء الاجتماعي.
وفي الأقاليم الجنوبية للمغرب بشكل عام، يظل الانتماء القبلي عاملا حاسما في توجيه السلوك الانتخابي، بل غالبا ما يتقدم على الانتماء الحزبي نفسه، إذ تُبنى التحالفات والاختيارات على أساس الروابط العائلية والامتدادات القبلية أكثر من ارتباطها بالمرجعيات الإيديولوجية أو البرامج السياسية.
وضمن هذا المنظور، يصبح الحزب إطارا تنظيميا ثانويا يتم الاستثمار فيه ظرفيا، بينما يظل المحدد الحقيقي للتموقع هو الانتماء الاجتماعي والقدرة على تعبئة الامتداد القبلي.
وبناءً على ذلك، يمكن فهم الاستقالات المعلنة ليس فقط باعتبارها تعبيرا عن توتر تنظيمي داخلي، بل أيضا باعتبارها جزء من إعادة ترتيب المواقع داخل الخريطة الانتخابية المحلية، حيث يسعى بعض الفاعلين إلى إعادة التموضع بما ينسجم مع موازين القوى القبلية والتحالفات المرتبطة بها، وهو ما يجعل من مفهوم “الترحال السياسي” أكثر قدرة على تفسير هذه الدينامية مقارنة بأطروحة “الزلزال التنظيمي”.
كما أن الصراع الهوياتي الذي يشكل أحد مداخل تحليل الخطاب السياسي لـحزب العدالة والتنمية في مناطق أخرى من المغرب، يبدو أقل حضورا في السياق الصحراوي، حيث إن سؤال الهوية محسوم اجتماعيا وثقافيا في الأقاليم الصحراوية لجنوب المملكة، ولا يشكل محور تنازع سياسي فعلي، لأن البنية القبلية، بما تفرضه من منطق تضامني وانتماء عضوي، تتفوق في كثير من الأحيان على الانتماء الحزبي، بل قد تعيد تشكيله وفق منطقها الخاص.
من جهة أخرى، لا يمكن إغفال أن الأحزاب السياسية، بما فيها حزب العدالة والتنمية، عرفت تاريخيا مثل هذه التوترات خلال الفترات السابقة للانتخابات، حيث تبرز خلافات مرتبطة بتدبير الترشيحات وتوزيع المواقع، وهي خلافات غالبا ما يتم تضخيمها إعلاميا ومنحها أبعادا تتجاوز حجمها الفعلي، خاصة في حال غياب معطيات دقيقة حول الوزن الانتخابي والتنظيمي للأسماء المعنية.
في المقابل، يذهب البعض مذهبا يجنح للحرية في الانتماء السياسي والمغادرة الطوعية للفاعل السياسي، والتي تبقى حقا مشروعا داخل أي تنظيم سياسي أو مدني، بصرف النظر عن التوجهات الإيديولوجية، غير أن تحويل قرارات جماعية محدودة إلى مؤشر على أزمة بنيوية يظل أمرا يحتاج إلى قدر من التحفظ والتحليل الموضوعي.
كما أن مثل هذه المحطات يمكن أن تشكل فرصة للأحزاب لإعادة تقييم آليات اشتغالها الداخلي وتعزيز قنوات التواصل مع قواعدها، خصوصا في بيئات مركبة اجتماعيا من قبيل الجنوب المغربي.
ويبدو أن ما حدث في العيون يقع عند تقاطع مستويين: مستوى تنظيمي مرتبط بتدبير الخلافات الداخلية، ومستوى سوسيولوجي أعمق تحكمه البنية القبلية ومنطق الولاءات المحلية.
وبين هذين البعدين، يصعب الجزم بكون الأمر بمثابة “زلزال تنظيمي سياسي” بالمعنى الدقيق، بقدر ما هو تعبير عن دينامية انتخابية معقدة تعيد طرح سؤال قدرة الأحزاب على التكيف مع خصوصيات المجال الصحراوي، حيث لا تزال القبيلة فاعلا مركزيا يفوق، في كثير من الأحيان، قوة الحزب نفسه.
كما يبرز معطى إضافي آخر، ويتعلق الأمر بمشروع تنزيل الحكم الذاتي بالأقاليم الجنوبية، حيث يتشكل المشهد السياسي هناك وفق دينامية يغلب عليها منطق الانتماء القبلي وشبكات الولاء الاجتماعي، أكثر مما تحكمه الاعتبارات الحزبية والإيديولوجية التي تبدو متجاوزة في كثير من الأحيان عند الفاعل السياسي في جنوب المملكة، الذي عادة ما يفضل الخروج من ضيق الإيديولوجيا إلى فسحة رمال الصحراء.
وأما الأحزاب في تمثل الشخصية الصحراوية للعملية السياسية فهي أشبه بخيام مؤقتة، تنصبها اللحظة وتطويها المصلحة، فيما تظل الأواصر القبلية هي الخيط المتين الذي يشد النسيج الاجتماعي ويمنحه قابلية الاستمرار.
وأما الإيديولوجيا، فهي تظل قابلة للتبدد كسراب بقيعة، لا يكاد يبصره أحد إلا إن سعى في طلبه بعين التنظير دون أن يلمسه في رمال الواقع المتحرك.




تعليقات الزوار ( 0 )