صدر حديثًا للكاتب المسرحي الدكتور فهد الكغاط نصه الجديد الموسوم بـ«المُشَابَكَة أو هِيكَابِي العامريّة»، في تجربة جديدة ضمن مشروعه في المسرح الكوانتي، عن دار سليكي أخوين بمدينة طنجة. ويأتي هذا العمل ليُتوّج ثلاثية مسرحية اشتغل عليها الكاتب لسنوات، جامعًا بين الحسّ الأدبي والصرامة العلمية في مقاربة فريدة من نوعها داخل المشهد المسرحي العربي.
في التقديم الذي خصّ به هذا النص، يوضح الدكتور محمد ديوري أن المشروع يقوم على استثمار مفاهيم الميكانيكا الكوانتية داخل الكتابة المسرحية، ليس باعتبارها استعارة سطحية، بل كمنهج تفكير يُعاد من خلاله تشكيل العلاقة بين النص، والحدث، والمتلقي. فقد اختار الكغاط، منذ البداية، الاشتغال على مسلّمات فيزيائية قابلة للتأويل الأدبي، ليحوّلها إلى بنى درامية تُحاكي التجربة العلمية في تعقيدها ونتائجها غير الحتمية.
ضمن هذا المسار، تناولت المسرحية الأولى «الإيقان والارتياب أو يوريبدس الجديد» مبدأ اللايقين والمثنوية (موجة/جسيم)، فيما اشتغل العمل الثاني «الراجح والمتعذر» على تراكب الحالات وانهيار الحزمة الموجية. أما في هذا النص الثالث، فيستحضر الكغاط مفهوم التشابك الكوانتي، بوصفه لحظة قصوى في تداخل المصائر والوقائع، حيث تصبح الشخصيات، رغم تباعدها الزماني والمكاني، محكومة بقصة واحدة وتاريخ مشترك.
يبرز هذا التحول أيضًا في طبيعة المسرح نفسه. فإذا كان المسرح الكلاسيكي يفصل بين الممثل والمتفرج، كما تفصل الفيزياء الكلاسيكية بين التجربة والراصد، فإن المسرح الكوانتي عند الكغاط يدمج الاثنين في فضاء واحد. المتفرج هنا ليس مجرد شاهد، بل جزء من الحدث، والممثل لا يظل حبيس الخشبة، بل يتسلل إلى القاعة، في حالة من التداخل الذي يطمس الحدود ويعيد تعريف الفعل المسرحي.
في «المُشَابَكَة أو هِيكَابِي العامريّة»، يبلغ هذا التداخل ذروته من خلال الربط بين مأساة قديمة تعود إلى طروادة، وأخرى معاصرة من حي العامرية في بغداد. غير أن الكاتب لا يكتفي بالموازاة بين الحدثين، بل يذهب أبعد من ذلك حين يجعل الممثلة نفسها تؤدي الدورين معًا، وكأن الشخصيتين ليستا سوى تجلّيين لكيان واحد. هنا، يتحول التشابك من علاقة بين قصتين إلى تطابق وجودي يختزل الزمن في لحظة واحدة، ويعيد كتابة المأساة الإنسانية بوصفها تجربة كونية متكررة.
بهذا المعنى، لا يقدم الكغاط مسرحًا يستلهم الفيزياء فحسب، بل مسرحًا يتجاوزها، حيث تتحرر الشخصيات من قيود الحتمية، وتصبح النهايات مفتوحة على الاحتمال، تمامًا كما في التجربة الكوانتية التي لا تُحسم إلا بفعل الملاحظة.
ويُعد هذا العمل امتدادًا لمسار فكري وإبداعي راكمه الكاتب عبر مؤلفات سابقة، من بينها «تدوين الفرجة المسرحية» و«آثار الفرجة المسرحية»، إضافة إلى نصوصه الكوانتية التي تُرجمت إلى لغات أجنبية، ما يعكس حضورًا متناميًا لهذا المشروع خارج السياق المحلي.
هكذا، يختتم فهد الكغاط ثلاثيته بنص يزاوج بين الميثولوجيا والتاريخ المعاصر، بين العلم والأدب، ليضع القارئ والمتفرج أمام تجربة مسرحية لا تبحث عن يقين، بل عن معنى يتشكل في لحظة التفاعل، حيث كل شيء ممكن… وكل شيء متشابك.



تعليقات الزوار ( 0 )