عاد الفوسفات المغربي إلى صدارة النقاشات الاقتصادية في الولايات المتحدة، بعد تحرك داخل مجلس الشيوخ يهدف إلى إعادة النظر في الرسوم الجمركية المفروضة على الأسمدة القادمة من المغرب، في وقت تتزايد فيه الضغوط على أسعار الغذاء عالميا وتتعزز فيه الحاجة إلى مصادر مستقرة للفوسفات.
ويأتي هذا التطور بعد قرار سابق اتخذته واشنطن قبل سنوات، قضى بفرض رسوم تعويضية ومكافحة الإغراق على واردات الفوسفات المغربي، عقب شكاوى من شركات أمريكية اعتبرت أن الدعم الحكومي الذي يحظى به المجمع الشريف للفوسفات يمنحه أفضلية في السوق.
وقد أدى ذلك القرار إلى رفع كلفة المنتج المغربي وخروجه عمليا من عدد من الشرائح داخل السوق الأمريكية.
وكان المغرب في تلك الفترة من بين أبرز مزودي الولايات المتحدة بالفوسفات، بحجم صادرات اقترب من مليوني طن سنويا، قبل أن تتراجع تلك الكميات بشكل حاد مع تطبيق الرسوم، ما أجبر السوق الأمريكية على إعادة ترتيب مصادرها دون نجاح كامل في تعويض النقص.
وفي السنوات الأخيرة، تغير السياق الدولي بشكل لافت، خصوصا مع تداعيات الحرب في أوكرانيا والعقوبات المفروضة على روسيا وبيلاروسيا، وهما من أبرز الفاعلين في سوق الأسمدة.
كما ساهمت تقلبات الطاقة في زيادة الضغط على إنتاج الفوسفات عالميا، ما جعل استقرار الإمدادات أكثر أهمية من أي وقت مضى.
وفي هذا الإطار، برز الفوسفات كمادة استراتيجية مرتبطة بشكل مباشر بالأمن الغذائي العالمي، نظرا لاعتماده الأساسي في إنتاج الأسمدة الزراعية.
وتبرز أهمية المغرب في هذا القطاع بامتلاكه ما يقارب 75 في المائة من الاحتياطي العالمي المعروف من الفوسفات، إضافة إلى بنية صناعية متكاملة تشمل الاستخراج والتكرير والتصدير.
وجعل هذا الوضع من استبعاد الفوسفات المغربي من بعض الأسواق الكبرى قرارا ذا تبعات واسعة، في ظل صعوبة تعويضه من مصادر بديلة بالسرعة والكلفة نفسهما.
وفي الولايات المتحدة، تشير تقديرات من قطاع الزراعة إلى أن الرسوم المفروضة منذ عام 2021 تسببت في تكاليف إضافية تقدّر بنحو 7 مليارات دولار، انعكست على أسعار الأسمدة ثم على كلفة الإنتاج الزراعي بشكل عام. وقد وصلت الفجوة السعرية في بعض الفترات إلى ما بين 15 و20 في المائة مقارنة بالوضع قبل فرض الرسوم.
وأعاد هذا الواقع فتح النقاش داخل مجلس الشيوخ حول إمكانية إلغاء تلك القيود، في محاولة لتخفيف الضغط على المزارعين وضبط أسعار المدخلات الزراعية.
ويواجه هذا التوجه معارضة من جانب بعض المنتجين المحليين الذين يرون أن رفع الرسوم قد يؤثر على الصناعة الأمريكية ويفتح الباب أمام منافسة غير متكافئة.
في المقابل، يعكس الجدل الدائر تحولا أوسع في النظرة إلى الموارد الطبيعية، حيث لم يعد الفوسفات مجرد مادة صناعية، بل عنصر أساسي في معادلة الأمن الغذائي العالمي، في ظل النمو السكاني والاعتماد المتزايد على الإنتاج الزراعي المكثف.
ويعزز هذا التحول مكانة المغرب كفاعل محوري في هذا القطاع، ليس فقط بحكم حجم احتياطاته، بل أيضاً بفضل قدرته على التحكم في سلسلة الإنتاج والتصدير، ما يمنحه موقعاً مؤثراً في سوق عالمي شديد الحساسية للتقلبات.
وعلى المستوى الدولي، يعكس هذا الملف تزايد الاعتماد على عدد محدود من الدول في تأمين موارد استراتيجية، الأمر الذي يجعل قرارات السياسة التجارية أكثر ارتباطاً بالاعتبارات الجيوسياسية والاقتصادية في آن واحد.
أما في ما يتعلق بالمغرب، فإن إعادة فتح هذا النقاش في واشنطن تعزز حضوره في معادلات الأمن الغذائي العالمي، وتؤكد أن الفوسفات المغربي بات جزءاً من بنية الاقتصاد الدولي، وليس مجرد مادة خام في سوق التصدير.



تعليقات الزوار ( 0 )