قد يندهش الباحث في مختلف حقول المعرفة، حين يكتشف أن الكثير من “البداهات” التي تم تكريسها عن مؤسسي العلوم ليست سوى قراءات منقوصة أو مشوهة أحيانا، وناتجة عن وساطة معرفية غير مختصة. فكم من منجزات علمية تم فهمها خارج سياقها الحقيقي، مما دعا العديد من الإبستيمولوجيين وسوسيولوجيي المعرفة إلى إعادة النظر في تاريخ العلم وتصحيح تلك القراءات المبتسرة؛ والأمثلة على ذلك عديدة.
فقد تم تقديم فرنسيس بيكون كأب للمنهج التجريبي القائم على الملاحظة، غير أن الإنجليزي بيتر مدور، الحائز على جائزة نوبل في الطب، فند ذلك معتبراً بيكون فيلسوف غلب عليه التنظير للاستقراء، دون دراية حقيقية بكواليس المختبرات العلمية، مما جعله يغفل دور “الفرضية المسبقة”. وبالمثل، تم حصر أعمال سيغموند فرويد في نطاق التحليل النفسي، بينما كشف عالم الاجتماع الألماني يورغن هابرماس أن جوهر مشروع فرويد كان مرتبطا بتطوير منهج تفسيري (هيرمينوطيقي) يرتكز على اللغة والتواصل، مما يجعل إرثه متصلاً بفلسفة المنهج في العلوم الإنسانية أكثر من كونه مجرد نتائج تحليلية علاجية.
في ذات السياق، يتم تقديم دراسة إميل دوركايم حول “الانتحار” كبحث أكاديمي مجرد للمرافعة عن استقلالية وموضوعية علم الاجتماع، بينما يتم إغفال السياق المؤسسي الذي جعل من الدولة الفرنسية المحرك الأساس لهذه الدراسة، وهو الأمر الذي لا يمكن فهمه بشكل أعمق دون استحضار إحدى أهم مجالات السوسيولوجيا، ألا وهو مجال الخبرة والخبراء. لقد كانت الجمهورية الثالثة بحاجة إلى “علم أخلاقي علماني” يرمم التفكك الاجتماعي ويحل محل الهيمنة الدينية؛ لذا لم تكن دراسة الانتحار مجرد تأملات ذاتية، بل كانت استجابة لإرادة سياسية تهدف إلى تحويل الظواهر الفردية إلى قضايا اجتماعية قابلة للضبط الإحصائي والتحليل السوسيولوجي. وبذلك، لم يكن دوركايم باحثاً في معزل عن متطلبات نظام الدولة وحاجيات السلطة السياسية، بل كان يقدم “برهاناً علمياً” يخدم التماسك الوطني ويوجه السياسات العامة للدولة.
وتتعدد النماذج الكاشفة لحالة الضبابية التي تلفُّ إرث الرواد بفعل “وسطاء المعرفة” هؤلاء؛ ولعل من أبرز تلك النماذج، القراءة الاختزالية لعالم الاجتماع والفيلسوف الفرنسي أوغست كونت. فخلافاً لما هو شائع، لم يكن كونت “وضعياً” بالمعنى السطحي المتداول، إذ رفض وبإصرار المنهج الاستقرائي البحت، الذي ينطلق من ملاحظة وقائع معزولة لبناء نظرية لاحقة؛ وفي مقابل ذلك، ناهض فكرة الاعتماد على فرضيات تجريدية تعسفية لا تجد سنداً في الواقع المرصود. “لقد كان كونت كل شيء، سوى أنه “وضعي” بالمعنى الحالي للمصطلح”، وكانت أطروحته المركزية -كما بينها السوسيولوجي نوربرت إلياس فيهذا الكتاب- تقوم على ضرورة وجود علاقة جدلية ثابتة بين عمليتين عقليتين: البناء النظري والضبط الاختباري.
في هذا السياق المعرفي التصحيحي، قام السوسيولوجي المغربي محمد المرجان، بترجمة كتاب “ّما السوسيولوجيا؟” لصاحبه عالم الاجتماع نوربرت إلياس (Norbert Ilyass)، وهو الكتاب الذي لقي إقبالا كبيرا في الأوساط العلمية الفرنسية إبان ظهوره، وقد قامت بطبعه دور نشر شهيرة ومختصة… لما قام به صاحبه من خلخلة لبعض البداهات في السوسيولوجيا، التي تم تكريسها مع التكرار دون فحص أو تدقيق… مما يعتبر تلقياً معتبرا للجهد التحليلي الذي بذله نوربرت إلياس في إعادة قراءة ماهية السوسيولوجيا وتفكيك المغالطات التاريخية التي حفت بروادها، وعلى رأسهم كونت.
باحث في علم الاجتماع




تعليقات الزوار ( 0 )