شهد مطلع القرن الحادي عشر الهجري تحولات عميقة في بنية التوازنات السياسية داخل العالم الإسلامي، حيث برزت بغداد بوصفها مجالا استراتيجيا للصراع بين قوتين إمبراطوريتين كبيرتين هما الدولة العثمانية والدولة الصفوية. ورغم أن المدينة فقدت مكانتها كعاصمة للخلافة منذ سقوطها على يد المغول، فإنها ظلت تحمل رمزية حضارية ودينية جعلتها هدفاً دائما للتنافس الجيوسياسي والمذهبي.
كانت بغداد خاضعة للسيطرة العثمانية منذ سنة 1534م، حين تمكن السلطان سليمان القانوني من انتزاعها من الصفويين، لتتحول إلى ولاية حدودية ذات أهمية استراتيجية، لكن هذا الوضع لم يكن مستقرا، إذ ساهمت مجموعة من العوامل الداخلية، من قبيل ضعف الإدارة المركزية، وفساد بعض الولاة، واندلاع اضطرابات داخل الأناضول، في إضعاف قبضة الدولة العثمانية على هذه المنطقة الحيوية.
في المقابل، كان الشاه عباس الأول يعمل على إعادة بناء الدولة الصفوية وفق رؤية سياسية وعسكرية متماسكة. فقد سعى إلى تحديث الجيش عبر إنشاء قوات نظامية تعتمد على عناصر موالية له شخصياً، كما انتهج سياسة دبلوماسية مرنة مكنته من موازنة الضغوط الخارجية.
وفي هذا السياق، ظل العراق، وبخاصة بغداد، هدفا استراتيجيا ضمن مشروعه التوسعي.
شكل تمرد والي بغداد بكر باشا نقطة تحول حاسمة في مسار الأحداث، إذ أدى صراعه مع السلطة العثمانية إلى اتخاذ قرار مفصلي تمثل في طلب الدعم من الشاه عباس، مقابل تقديم تنازلات سياسية خطيرة. وتشير المصادر إلى أن هذا القرار لم يكن مجرد خطوة تكتيكية، بل كان عاملاً مباشراً في فتح المجال أمام التدخل الصفوي في قلب المجال العثماني.
تحرك الشاه عباس سنة 1623م بجيش كبير نحو بغداد، معتمدا على خطة عسكرية تقوم على المناورة وتجنب المواجهة المباشرة مع الحاميات العثمانية القوية. وقد مكّنه هذا الأسلوب من الوصول إلى المدينة ومحاصرتها، في وقت كانت فيه تعاني من انقسامات داخلية حادة بين الولاءات المختلفة.
استمر حصار بغداد حوالي أربعين يوما، انتهى بدخول القوات الصفوية إلى المدينة، حيث تصف عدد من المصادر السنية هذا الحدث بوصفه منعطفا دمويا في تاريخ المدينة، حيث تشير إلى وقوع أعمال عنف واسعة النطاق طالت السكان، خصوصا في ظل التوترات المذهبية التي كانت قائمة آنذاك.
وتبرز في هذا السياق إشكالية العلاقة بين المذهب والسياسة، حيث يوظف بعض المؤرخين مفهوم “التقية” لتفسير سلوكيات معينة في إدارة الصراع، خاصة ما يتعلق بإعطاء الأمان ثم نقضه.
غير أن هذا التفسير يظل محل نقاش بين الباحثين، إذ يرى بعضهم أن مثل هذه الممارسات كانت جزءاً من منطق الحروب في تلك المرحلة، ولم تكن حكراً على طرف دون آخر.
أثارت أحداث بغداد ردود فعل واسعة داخل العالم الإسلامي، خاصة في الأوساط المرتبطة بالدولة العثمانية، حيث اعتُبرت خسارة المدينة ضربة رمزية وسياسية قوية. وقد تحولت قضية استعادتها إلى هدف استراتيجي للدولة العثمانية، تجسد في عدة حملات عسكرية متتالية.
استمر الحكم الصفوي لبغداد حوالي خمسة عشر عاماً، وهي فترة تختلف حولها الروايات التاريخية، إذ تقدم بعض المصادر صورة سلبية تركز على التوترات المذهبية والإجراءات التي مست بالبنية الدينية للمدينة، في حين تبرز مصادر أخرى جوانب مختلفة تتعلق بإعادة تنظيم بعض المرافق الدينية والعمرانية.
هذا التباين في الروايات يعكس طبيعة الكتابة التاريخية المرتبطة بالسياقات المذهبية والسياسية، حيث يصبح الحدث الواحد موضوعاً لتأويلات متعددة ومتعارضة. وهو ما يفرض على الباحث المعاصر ضرورة التعامل النقدي مع المصادر، واستحضار سياقات إنتاجها.
لم تتوقف محاولات الدولة العثمانية لاستعادة بغداد، حيث قادت عدة حملات عسكرية بين 1625 و1630م، غير أنها لم تنجح في تحقيق هدفها بسبب قوة التحصينات الصفوية والدعم المستمر الذي كانت تتلقاه الحامية داخل المدينة.
وجاء التحول الحاسم سنة 1638م، عندما قاد السلطان مراد الرابع بنفسه حملة عسكرية كبرى انتهت باستعادة بغداد بعد حصار عنيف. وقد شكل هذا الحدث نهاية للوجود الصفوي في المدينة، وأعادها إلى المجال العثماني، حيث استمرت تحت حكمه لقرون لاحقة.
تكتسي هذه الواقعة أهمية خاصة في دراسة تاريخ الصراع العثماني الصفوي، إذ تكشف عن تداخل العوامل السياسية والعسكرية والمذهبية في تشكيل الأحداث. كما تبرز كيف يمكن للانقسامات الداخلية أن تفتح المجال أمام تدخلات خارجية، وهو ما يتجسد بوضوح في حالة بكر باشا.
إن قراءة هذا الحدث في إطار تحليلي أوسع تبرز أن الصراع لم يكن مجرد مواجهة مذهبية، بل كان أيضا صراعا على النفوذ والموارد والموقع الجيوسياسي.
كما أن توظيف الخطاب الديني في هذا السياق ساهم في تعقيد المشهد، وتحويله إلى صراع ذي أبعاد رمزية عميقة.
إن احتلال بغداد سنة 1623م مثل نموذجا دالا على طبيعة الصراعات في العالم الإسلامي خلال تلك المرحلة، حيث تتقاطع الاعتبارات السياسية مع التوظيف المذهبي، وتنتج وضعيات تاريخية معقدة لا يمكن فهمها إلا من خلال مقاربة متعددة الأبعاد، والتي لا تزال مستمرة إلى اليوم.
قائمة المصادر والمراجع المعتمدة
ـ أحمد بن يوسف القرماني – “أخبار الدول وآثار الأول”، تحقيق: د. فهمي سعد، عالم الكتب، بيروت، 1992م.
ـ محمد كرد علي – “خطط الشام” (6 مجلدات)، مكتبة النوري، دمشق، 1983م.
ـ محمد أمين زكي – “تاريخ الدول والإمارات الكردية في العهد الإسلامي”، ترجمة: محمد علي عوني، مطبعة السعادة، مصر، 1948م.
ـ الفريق محمود شيت خطاب – “العراق من الاحتلال إلى الاستقلال”، دار الفكر، دمشق.
ـ محمد سهيل طقوش – “تاريخ الدولة الصفوية”، دار النفائس، بيروت، 2009م.
ـ د. عبد الحي شعبان – “الصراع العثماني الصفوي حول العراق في القرنين السادس عشر والسابع عشر”، رسالة دكتوراه، جامعة بغداد.
ـ ابن حزم الأندلسي – “الفِصَل في الملل والأهواء والنحل”، مكتبة الخانجي، القاهرة.
ـ الحافظ ابن كثير – “تفسير القرآن العظيم”، دار طيبة، الرياض.






تعليقات الزوار ( 0 )