في الحقول السياسية التي تتسم بقدر عال من التعقيد، كما هو الحال في السياق المغربي والعربي عموما، لا يتحدد موقع المثقف فقط من خلال ما يقوله، بل من خلال الكيفية التي يختار بها أن يرى العالم ويعيد تأويله. فالمعضلة الأساسية التي تواجه التفكير السياسي ليست نقص المعطيات، بل ضيق الأفق الذي تقرأ من خلاله هذه المعطيات، وهو ما يمكن تسميته ب)أفق الدولة( أي ذلك الإطار غير المعلن الذي يفرض على المفكر أن يفكر من داخل منطق الاستقرار، ويؤول التحولات بوصفها تهديدات ينبغي احتواؤها، لا أسئلة ينبغي تفكيكها.
هذا الأفق لا يفرض دائما بشكل قسري، بل يتسلل في شكل بديهيات: الحفاظ على التوازن أولوية مطلقة، الإصلاح يجب أن يكون تدريجيا، والسياسات العمومية مهما بدت متعثرة هي تعبير عن ضرورات لا عن اختيارات قابلة للنقد.
داخل هذا النسق، يتحول المثقف تدريجيا من منتج للمعنى إلى وسيط يضفي المعقولية على ما هو قائم، فيصبح مفهوما لدى الدولة، بل وربما مقبولا داخل دوائرها، لكنه يفقد في المقابل القدرة على التأثير في المجال العمومي، لأن الجمهور لا يبحث عمن يشرح له لماذا تسير الأمور كما هي، بل عمن يلتقط توتراته ويمنحها لغة ومعنى.
هنا بالضبط تبدأ لحظة الوعي بضرورة الخروج من هذا الأفق، ليس بمعنى القطيعة مع الدولة أو إنكار تعقيداتها، بل بمعنى تحرير الفعل الفكري من الارتهان الضمني لأولوياتها. فالمثقف الذي يسعى إلى بناء امتداد جماهيري لا يمكنه أن يظل أسير لغة تقنية باردة، ولا أن يكتفي بإعادة إنتاج خطاب رسمي بصياغة أكثر أناقة. المطلوب هو إعادة بناء الخطاب انطلاقا من أسئلة المجتمع: من الإحساس باللاعدالة، من التفاوتات، من التناقضات التي يعيشها الأفراد في علاقتهم بالسلطة، ومن تلك المساحات الرمادية التي يتجنبها الخطاب السياسي المؤسسي. الجمهور لا يقيس الخطاب بمدى مطابقته للمعايير الأكاديمية أو السياسية، بل بقدرته على التعبير عنه، على أن يقول ما يشعر به دون أن يستطيع صياغته.
غير أن هذا الخروج يضع المثقف أمام معضلة حقيقية تتعلق بالتموقع. فالمشهد يكشف عن ثلاث وضعيات كبرى، لكل واحدة إغراءاتها ومآزقها. هناك أولا المفكر الذي يختار الاشتغال من داخل المنظومة، متبنيا خطاب الإصلاح التدريجي، ومراهنا على التغيير من داخل المؤسسات. هذا النموذج يضمن قدرا من القبول الرسمي، بل ويتيح لصاحبه هامشا من الفعل، لكنه يظل مهددا بفقدان المصداقية الشعبية، خصوصا حين يتحول خطابه إلى تبرير دائم أو صمت انتقائي.
في المقابل، يظهر نموذج المثقف المعارض جذريا، الذي يؤسس خطابه على القطيعة، ويرفض شرعية المنظومة أو أجزاء أساسية منها. هذا النموذج يمتلك جاذبية واضحة لدى الفئات المحتجة، لأنه يعبر عن الغضب ويمنحه شرعية، لكنه يواجه خطر العزلة أو الاصطدام المباشر، كما أنه قد يقع في تبسيط مخل للواقع، حيث تتحول الدولة إلى كتلة صماء، ويختزل التعقيد في ثنائيات حادة.
أما النموذج الثالث، وهو الأكثر تعقيدا، فهو نموذج المثقف الذي يسعى إلى بناء استقلال نسبي، فلا يذوب في خطاب الدولة، ولا ينخرط في معارضة راديكالية. هذا المثقف يشتغل في منطقة ملتبسة، حيث يحاول الجمع بين التحليل العقلاني والاقتراب من نبض المجتمع، دون أن يسقط في الشعبوية أو التبسيط. إنه لا يرفض الدولة كإطار، لكنه يرفض احتكارها للمعنى، ولا يتبنى خطاب الشارع بشكل انفعالي، بل يعمل على تفكيكه وإعادة تركيبه.
صعوبة هذا الموقع لا تكمن فقط في توازنه الهش، بل في كلفته العالية؛ إذ غالبا ما يجد صاحبه نفسه خارج دوائر الرضا الرسمية، دون أن يحظى في الوقت نفسه بثقة الشارع بسهولة، لأن الجمهور يميل إلى الوضوح الحاد، بينما يقوم هذا النموذج على التعقيد والتركيب. ومع ذلك، فإن هذا الموقع هو الأكثر قدرة على إنتاج أثر طويل المدى، لأنه لا يراهن على اللحظة، بل على بناء وعي تراكمي.
الإشكال الحقيقي لا يكمن إذن في الاختيار بين الدولة والمعارضة، بل في الغموض. فالمثقف الذي لا يحدد موقعه بوضوح يفقد الطرفين معا: الدولة لا تثق فيه لأنه غير قابل للتوقع، والجمهور لا يتبناه لأنه لا يعرف ماذا يمثل. الوضوح هنا لا يعني التبسيط، بل يعني الاتساق أن يكون الخطاب منسجما مع ذاته، وأن تكون مواقفه قابلة للفهم حتى عندما تكون معقدة.
الرهان ليس سياسيا فقط، بل معرفي أيضا. هل المثقف منتج للمعنى، أم مجرد مترجم لخطابات قائمة؟ هل يمارس نقدا يكشف البنيات العميقة، أم تأويلا يضفي الشرعية على ما هو موجود؟
الفرق بين الحالتين هو الفرق بين فكر يساهم في تشكيل المجال العمومي، وفكر يكتفي بالتكيف معه.
إن الخروج من (سقف الدولة)لا يعني السقوط في (شعبوية الشارع)، بل يعني بناء موقع ثالث، موقع يتأسس على الاستقلال النسبي، وعلى القدرة على الإنصات والتحليل في آن واحد. هذا الموقع لا يمنح صاحبه شعبية سريعة، ولا حماية دائمة، لكنه يمنحه شيئا أكثر عمقا: القدرة على التأثير في الزمن الطويل، وعلى المساهمة في إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، ليس من موقع الاصطفاف، بل من موقع إنتاج المعنى.






تعليقات الزوار ( 0 )