تحقيق رصين لنبذة التحقيق من ترجمة شيخ الطريق، لم يقنع فيه صاحبه بالأجر الواحد، وطأه بدراسة وترجمة مستوفية للمؤلف محمد بن العياشي سكيرج، ووثق النقول، وأغناه بالتعليقات في مواطن الحاجة مع جنوح إلى الاختصار دون الحشو الاستطراد. وكان التقديم والدراسة على شرط الإتقان والإجادة.
تبرز أهمية الكتاب في موضوعه، ونسبته لأحد الأعلام المرموقين ممن ساهموا بقسط وافر في الحركتين العلمية والتأليفية في عصره. و” يزدان هذا التأليف أيضا بتصور سديد عن أحوال التصوف في أواخر القرن الثالث عشر وبداية الرابع عشر الهجريين، تصورا يفي بالغرض في استكمال الرؤية التاريخية والعلمية وتكاملهما مما لا تجده لائحا إلا في كتب الرجال والمناقب. كما عُد الكتاب من دواوين السير والتراجم العلمية والمناقبية الدقيقة في تحري أحوال المترجم الخاصة والعامة، بدءا من الميلاد، والامتداد، إلى التكوين والاستمداد، إلى المشيخة والتعليم والتربية والإرشاد إلى خاتمة حياته وتلبيته نداء رب العباد”.
الكتاب – كما جاء في افتتاحية مؤلفه- “نبذة من ترجمة الشيخ الجليل، العلامة البحر، صديقنا ومفيدنا، المرحوم سيدي الحاج الصديق، الشريف الحسني الغماري أصلا، الطنجي قرارا وإقبارا، ملخصا من كتابنا (رياض البهجة في أخبار طنجة) مع إضافات أخرى جديدة من كلام يتعلق بزاويته، وأصلها ومريديه، ونفثة من أحوالهم”. ووقع الفراغ منه منتصف رجب من سنة 1355هـ. سنة واحدة بعد رحيل المترجم. فكان أول من ترجم له، وعمدة من لحقه كالشيخ أحمد في كتابه (سبحة العقيق) واختصاره (التصور والتصديق)، والفقيه العربي بوعياد في (نسيم وادي العقيق)، والفقيه الأديب محمد بن الأزرق الغماري في (حادي الرفيق).
لم يقتصر الكتاب على كونه ترجمة، بل كان أقرب إلى كناشة. لم يخل من فوائد عامة وخاصة، وإشارات لوقائع تاريخية وأحداث سياسية وشوارد أدبية، في سياق زمن شحت فيه المصادر. وهو على صغره غني اللطائف عميم الفوائد، لو أبرزت مفردة لوجب إعادة نشر مضمونه كاملا.
وضم الكتاب نكتا علمية ومسائل فقهية وعقدية مثل مألة عدم تعلق الحرام بذمتين، ومسألة السماع، وتربية اللقيط، وسر التسبيح ثلاثا. ومسألة تفضيل الملائكة، ومسألة الكسب. وأمورا أخرى ارتهنت بالمؤلف خاصة فيما يتعلق بأسباب تأليفه لكتابيه (الأسرار السارية في الجواب عن الأسئلة الغمارية) و(الدرر اللآلئ في ثبوت النسب البقالي) وتقريظ الشيخ له ولمصنفه (طرفة الأدباء بإباحة ضوء الكهرباء).
في ترجمته للشيخ محمد بن الصديق ذكر سكيرج عمود نسب المترجم، ونشأته وطلبه للعلم ببلدته ثم بفاس (وممن أخذ عنهم بها شيخ الجماعة ابن الخياط والعلامة امحمد كنون)، وقدومه لطنجة وإنشاءه الزاوية. ووصف ذاته وحياءه وتواضعه وسخاءه وحلمه وصفحه عن المسيئين له. وذكر مجالسه وأجوبته، وما نسب إليه من الكرامة. أما طريقته فأخذ سندها الوثيق عن شيخه في السلوك العارف بالله أبي عبد الله محمد بن إبراهيم. وهي “شاذلية الأصل، جنيدية المحتد والوصل، جميلة الجمال، درقاوية المنال، في مقام الكمال.. جلالية الظاهر جمالية الباطن”.
كما ضم الكتاب عديدا من التراجم الوافية والمقتضبة، عمت بها الفوائد وأغنت العوائد. ترجم لجدي المترجم الأعلى الشيخ عبد المؤمن الشهير بأبي قبرين دفين بني يزناسن، والأدنى عبد المؤمن دفين تجكان، وابنه الشيخ أحمد بن عبد المومن وبعض أصحابه: إدريس الزعري، وإبراهيم الغماري والعلامة عبد السلام الأزمي، والعلامة عبد السلام السميحي الغماري وكان ابنه العلامة أبو العباس أحمد صهرا للمؤلف ومن تلامذة الشيخ ابن الصديق.
ومن أعيان أصحاب الشيخ: عبد السلام مفرج، والعربي بوعياد، وحمان الزرهوني، الشريف عبد الشافي بن المبارك بن الصديق، ومحمد بن عبد الكريم أحرضان.
وحظيت بذكر عطر سني زوجة الشيخ العابدة الصالحة فاطمة الزهراء بنت عبد الحفيظ بن أحمد بن العارف بالله أحمد بن عجيبة الحسني. وأورد بتفصيل واقعة نقل جثمانها بعد دفنها لإقبارها قرب زوجها. وبسط القول في المذاهب الأربعة في حكم نقل الموتى من مقابرهم، مع إيراد شواهد تاريخية.
وكان سكيرج دقيقا في تدوين وقت وفاة الشيخ بن الصديق: “توفي رحمة الله عليه على الساعة السادسة تقريبا بعد أن صلى المغرب واستدعى بعض أهله وأوصاهم من ليلة الخميس ثامن شوال الأبرك. ودخل قبره ليلة الجمعة المتصلة على الساعة التاسعة، سنة أربع وخمسين 1354هـ. وكانت له جنازة اهتزت لها عدة قرى ومدن حضرها الجم الغفير حتى من فاس وثغر الدار البيضاء والجديدة وسلا وما بين ذلك من تلامذته ومحبيه، ولولا إخفاء أصحابه وقت دفنه لما وَجَدُوا سبيلاً إليه من ازدحام الخلق عليه… وسبب تأخير دفنه انتظار ما بلغهم عن أنجاله طمعا في حضورهم بسيارة جوية إذ صادفهم الحال لا يزالون بمصر القاهرة. وكنت لله الحمد ممن حضر دفنه في الساعة المذكورة مصادفة بدون موعد”. ورثاه برائية تظهر عذوبة ذائقته وقوة عارضته.
الكتاب صدر هذا الأسبوع، عن مركز جسور للدراسات التاريخية والاجتماعية بطنجة، في 140صفحة من القطع الكبير.
كل الشكر والامتنان على الالتفاتة الكريمة، ويد التقدير والعرفان على الهدية القيمة، توصلت بها من الأخ العزيز والصديق الأود الدكتور عبد الله عبد المومن الغماري الحسني، بنسخة ممهورة بخطه، من تحقيقه لكتاب (نبذة التحقيق من ترجمة شيخ الطريق العلامة ابن الصديق) لفقيه طنجة ومؤرخها العلامة مَحمد بن العياشي سكيرج صاحب (رياض البهجة).



تعليقات الزوار ( 0 )