بعد فشل المفاوضات التي احتضنتها إسلام آباد، والتي جمعت بين وفد أمريكي يقوده رجال أعمال مقربون من الرئيس ترامب، ووفد إيراني تمسك بسقف تفاوضي مرتفع، رافضا تقديم تنازلات جوهرية أهمها ما تتعلق بمضيق هرمز، هذا الفشل لم يكن مجرد تعثر دبلوماسي عابر، بل شكل نقطة تحول دفعت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الانتقال من منطق التفاوض إلى منطق الضغط المباشر.
عقب فشل المحادثات، صعّد ترامب لهجته بشكل غير مسبوق، معلنا ملاحقة السفن التي تدفع رسوما لإيران مقابل العبور، في خطوة تعكس توجها واضحاً نحو خنق الدور الإيراني في المضيق، وتحويله من ورقة ضغط بيد طهران إلى ساحة نفوذ دولي تقودها واشنطن.
هذا التحول يعكس إدراكا أمريكيا بأن معركة هرمز لم تعد تقنية أو قانونية، بل أصبحت صراعا على السيادة والنفوذ، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى فرض معادلة جديدة عنوانها “حرية الملاحة بالقوة”، مقابل تمسك إيران بمعادلة “السيطرة عبر الواقع الجغرافي والعسكري”.
غير أن هذا التصعيد يصطدم بتوازنات دولية معقدة، في مقدمتها موقف الصين، التي تعتمد بشكل كبير على نفط الخليج، وترفض أي مساس باستقرار خطوط الإمداد، وقد أعربت عن ذلك من خلال موقفها داخل مجلس الأمن، حيث عارضت أي تفويض باستخدام القوة، في إشارة إلى أن الصراع قد يتجاوز حدوده الإقليمية.
في مقابل ذلك تبدو طهران أكثر تمسكاً بما يمكن وصفه بـ”مفتاح هرمز”، إذ لم تُظهر خلال مفاوضات إسلام آباد أي استعداد للتخلي عن نفوذها، بل على العكس، عززت من استراتيجيتها القائمة على التحكم الانتقائي في العبور، عبر السماح لبعض الدول بالمرور وفق تفاهمات خاصة، وفرض قيود على أخرى، ما يمنحها قدرة عالية على المناورة.
وعلى الصعيد الميداني يتقاطع هذا التصعيد مع توتر متزايد في لبنان، حيث تستمر العمليات العسكرية الإسرائيلية، وهو ما قد يدفع إيران إلى تغيير قواعد الاشتباك، والانتقال من موقع الرد إلى المبادرة، خاصة بعد الانتقادات التي وُجهت إليها سابقا بفقدان عنصر المبادأة في أزمات عام 2025.
وفي حال تطور الوضع إلى تدخل عسكري أمريكي مباشر، فإن دائرة الاستهداف قد تتوسع لتشمل دول الخليج، وعلى رأسها الإمارات العربية المتحدة والكويت، ما يهدد بإشعال مواجهة إقليمية واسعة، سيكون لها أثر مباشر على أسواق الطاقة العالمية.
أما بخصوص المملكة العربية السعودية، فإنها تتحرك بحذر شديد، حيث تواصل تصدير نفطها دون إعلان واضح عن ترتيبات مع طهران، في ظل مؤشرات على دور متنامٍ لدولة باكستان باعتبارها وسيطا غير معلن يسعى إلى إبقاء قنوات التواصل مفتوحة بين الأطراف.
وفي هذا السياق، تمكنت بعض الدول، مثل الهند والفلبين، من عبور المضيق وفق تفاهمات خاصة مع إيران، ما يعكس تعقيد المشهد، ويضع القرار الأمريكي أمام تحدي فرض حصار فعلي في ظل تشابك المصالح الدولية.
ويرى محللون، من بينهم الأمريكي فاريد زكرياء، أن تحركات ترامب تعكس محاولة لإعادة تشكيل النظام الدولي من بوابة الطاقة، بينما يشير باراك رافيد إلى أن الهدف الأمريكي يتمثل في خنق الصادرات الإيرانية وتجريدها من ورقة هرمز.
ورغم كل ذلك، تبقى فعالية هذا التصعيد في محل شك، ولا سيما في ظل استمرار بعض السفن في العبور، واستمرار إيران في الإمساك بخيوط اللعبة داخل المضيق.
وبين التصعيد الأمريكي والتمسك الإيراني، يبدو أن مضيق هرمز يدخل مرحلة جديدة تحت عنوان صراع مفتوح على من يملك “المفتاح” ومن يفرض “القواعد”.




تعليقات الزوار ( 0 )