في إضافة نوعية إلى خزانة التراث المغربي، صدر هذا الأسبوع عن مركز جسور للدراسات التاريخية والاجتماعية بطنجة كتاب “نبذة التحقيق من ترجمة شيخ الطريق العلامة ابن الصديق”، لفقيه طنجة ومؤرخها العلامة مَحمد بن العياشي سكيرج، صاحب “رياض البهجة في أخبار طنجة، في طبعة محققة أنجزها الأستاذ الباحث الدكتور عبد الله عبد المومن، فجاءت عملاً علمياً رصيناً يلفت الانتباه بقدر ما في النص من قيمة، وبقدر ما في التحقيق نفسه من عناية ودقة وإحكام.
ولا تبرز أهمية هذا الإصدار في كونه إعادة نشر لنص تراثي نادر فحسب، بل في كونه إحياءً لواحد من النصوص المؤسسة في كتابة الترجمة المناقبية والعلمية بشمال المغرب، وفي كونه يضع بين أيدي القراء والباحثين مادة نفيسة تتقاطع فيها التراجم، والتاريخ المحلي، والسيرة العلمية، والتصوف، والفقه، والأدب، والتوثيق الاجتماعي، ضمن نص صغير الحجم، كبير الفائدة، عميق الدلالة.
وقد بدا واضحاً في هذا العمل أن المحقق لم يكتف بإخراج النص وضبطه، بل جاوز ذلك إلى تقديم خدمة علمية متكاملة له؛ إذ وطأ الكتاب بدراسة وافية، وترجمة مستوفية للمؤلف، وتوثيق للنقول، وتعليقات في مواطن الحاجة، مع ميل ظاهر إلى الاختصار المحمود الذي يبتعد عن الحشو والاستطراد، من غير أن يخل بما يحتاج إليه النص من بيان وتفسير وإضاءة. ولذلك صح القول إن هذا التحقيق لم يطلب أجر الواحد، بل نهض بعمل مضاعف، إذ جمع بين تحقيق النص، وتأطيره، وربطه بسياقه العلمي والتاريخي، فجاء التقديم والدراسة على شرط الإتقان والإجادة.
وتنبع أهمية الكتاب قبل كل شيء من موضوعه ومن مؤلفه معاً. أما موضوعه، فهو ترجمة أحد الأعلام الكبار الذين كانت لهم مكانة معتبرة في الحياة العلمية والروحية بالمغرب، وهو الشيخ سيدي محمد بن الصديق، العالم العارف، الشريف الحسني الغماري أصلاً، الطنجي قراراً وإقباراً. وأما مؤلفه، فهو العلامة محمد بن العياشي سكيرج، أحد الأسماء اللامعة في تاريخ طنجة العلمي والثقافي، وممن أسهموا بقسط وافر في الحركتين العلمية والتأليفية في عصرهم. ومن هنا فإن اجتماع مكانة المترجَم له مع قيمة المترجِم هو أحد أسرار تميز هذا الكتاب، إذ لا يكتب عن الأعلام الكبار مثل هذا النص إلا مؤرخ بصير، وأديب مقتدر، ورجل له صلة مباشرة بالموضوع الذي يتناوله.
والكتاب، كما جاء في افتتاحية مؤلفه، هو: نبذة من ترجمة الشيخ الجليل، العلامة البحر، صديقنا ومفيدنا، المرحوم سيدي الحاج الصديق، الشريف الحسني الغماري أصلاً، الطنجي قراراً وإقباراً، ملخصاً من كتابنا (رياض البهجة في أخبار طنجة) مع إضافات أخرى جديدة من كلام يتعلق بزاويته، وأصلها ومريديه، ونفثة من أحوالهم». وقد وقع الفراغ منه في منتصف رجب سنة 1355هـ، أي بعد عام واحد فقط من وفاة المترجَم له، وهو ما يمنح النص قيمة توثيقية مضاعفة؛ لأنه كُتب في زمن قريب جداً من موضوعه، وفي أفق زمني لا تزال فيه الأخبار طرية، والوقائع قريبة، والذاكرة محتفظة بتفاصيلها.
ومن هذه الجهة أيضاً، يُعد هذا الكتاب أول ترجمة مستقلة وضعت للشيخ محمد بن الصديق، ولذلك صار عمدةً لمن جاء بعده من المترجمين والمؤرخين. فقد أفاد منه من لحقوا في هذا الباب، ومنهم الشيخ أحمد بن الصديق في كتابه سبحة العقيق واختصاره التصور والتصديق، والفقيه العربي بوعياد في نسيم وادي العقيق، والفقيه الأديب محمد بن الأزرق الغماري في حادي الرفيق. وهذا وحده كاف للدلالة على مكانة النص، لأنه ليس كتاباً ثانوياً في بابه، بل هو نص مؤسس اعتمد عليه من جاء بعده، واستندوا إليه في بناء معرفتهم بسيرة الشيخ وأحواله وآثاره.
ويزدان هذا التأليف كذلك بما يقدمه من تصور سديد عن أحوال التصوف في أواخر القرن الثالث عشر وبداية الرابع عشر الهجريين، وهو تصور يفي بالغرض في استكمال الرؤية التاريخية والعلمية معاً، ويكشف عن طبيعة الحياة الروحية والعلمية في ذلك العصر، في صورة لا تكاد تبدو بهذه الحيوية إلا في كتب الرجال والمناقب والتراجم. ومن هنا فالكتاب ليس مجرد ترجمة لشخص، بل هو أيضاً نافذة على زمان كامل، تُرى من خلالها أنماط التعليم، وطرائق التربية، وصور المشيخة، ومجالس الإفادة، وصلات العلماء، وأثر الزوايا في المجتمع.
ولعل من أهم ما يميز هذا الكتاب أنه لا يقتصر على أن يكون ترجمة مناقبية بالمعنى الضيق، بل يبدو في مواضع كثيرة أقرب إلى كناشة جامعة، حشد فيها المؤلف أنواعاً من الفوائد العامة والخاصة، والإشارات التاريخية، والشوارد الأدبية، واللمحات الاجتماعية والسياسية، في سياق زمني شحّت فيه المصادر وتفرقت أخباره بين الكتب والدفاتر والروايات. ولذلك فإن هذا الكتاب، على صغر حجمه، غني اللطائف، عميم الفوائد، حتى ليصح القول إن كثيراً من مفرداته لو أفردت بالدراسة لكانت جديرة بإعادة نشر مضمونه كاملاً.
وفي صلب ترجمته للشيخ محمد بن الصديق، عرض سكيرج عرضاً دقيقاً لعمود نسبه، ونشأته، وطلبه للعلم ببلدته ثم بفاس، وذكر بعض من أخذ عنهم بها، ومنهم شيخ الجماعة ابن الخياط، والعلامة امحمد كنون، ثم تطرق إلى قدومه إلى طنجة وإنشائه الزاوية، وما اتصل بذلك من أثر في الحياة العلمية والروحية بالمدينة. كما وصف شخصيته وصفاً دقيقاً يجمع بين الظاهر والباطن، فتحدث عن حيائه، وتواضعه، وسخائه، وحلمه، وصفحه عن المسيئين إليه، وذكر مجالسه وأجوبته، وما نسب إليه من الكرامات، وما كان له من حضور مؤثر في نفوس أصحابه ومريديه وزائريه.
أما طريقته، فقد أثبت المؤلف سندها الوثيق عن شيخه في السلوك العارف بالله أبي عبد الله محمد بن إبراهيم، وقدم لها وصفاً بليغاً يلخص هويتها الروحية في عبارة جامعة، إذ هي: «شاذلية الأصل، جنيدية المحتد والوصل، جميلة الجمال، درقاوية المنال، في مقام الكمال.. جلالية الظاهر جمالية الباطن». وهذه العبارة ليست مجرد ثناء أدبي، بل تعكس كيفية تمثل أهل ذلك العصر للطرق الصوفية ومشاريعها التربوية، وكيفية الجمع بين الأصول السلوكية، والامتداد العلمي، والوظيفة التربوية والاجتماعية للطريقة والزواية.
ومن الجوانب اللافتة في الكتاب أنه لا يحصر اهتمامه في الشيخ المترجَم له وحده، بل يضم عدداً من التراجم الوافية والمقتضبة التي تتسع بها دائرة الفائدة، وتتقوى بها شبكة العلاقات العلمية والروحية المحيطة بالشخصية المركزية. فقد ترجم لجده الأعلى الشيخ عبد المؤمن الشهير بأبي قبرين دفين بني يزناسن، وللأدنى عبد المؤمن دفين تجكان، ولابنه الشيخ أحمد بن عبد المومن، وبعض أصحابه منهم: إدريس الزعري، وإبراهيم الغماري، والعلامة عبد السلام الأزمي، والعلامة عبد السلام السميحي الغماري، وكان ابنه العلامة أبو العباس أحمد صهراً للمؤلف ومن تلامذة الشيخ ابن الصديق. كما ذكر من أعيان أصحاب الشيخ: عبد السلام مفرج، والعربي بوعياد، وحمان الزرهوني، والشريف عبد الشافي بن المبارك بن الصديق، ومحمد بن عبد الكريم أحرضان. وهذه المادة الترجميّة تضيف إلى قيمة الكتاب قيمة أخرى، إذ تجعله مصدراً لتاريخ شبكة علمية وروحية كاملة، لا لسيرة فرد واحد فحسب.
ولم تغب عن الكتاب الجوانب الأسرية والإنسانية التي تمنح السيرة عمقاً ودفئاً. فقد حظيت بذكر عطرٍ زوجةُ الشيخ، العابدة الصالحة فاطمة الزهراء بنت عبد الحفيظ بن أحمد بن العارف بالله أحمد بن عجيبة الحسني، وأورد المؤلف بتفصيل واقعة نقل جثمانها بعد دفنها لإقبارها قرب زوجها، وبسط في هذا السياق القول في المذاهب الأربعة في حكم نقل الموتى من مقابرهم، مع إيراد شواهد تاريخية، فجمع بين التوثيق الحادثي، والفائدة الفقهية، والاستحضار التاريخي، في مثال بديع على طريقة سكيرج في التأليف، حيث يمتزج الخبر الخاص بالبحث العلمي، وتمتزج الحادثة الشخصية بالمناقشة الفقهية.
وفي هذا الباب نفسه، يبدو الكتاب غنياً بما تضمنه من نكت علمية ومسائل فقهية وعقدية لا تخلو من طرافة وأهمية، مثل مسألة عدم تعلق الحرام بذمتين، ومسألة السماع، وتربية اللقيط، وسر التسبيح ثلاثاً، ومسألة تفضيل الملائكة، ومسألة الكسب، إلى غير ذلك من المسائل التي حفظها الكتاب في سياق الترجمة، وكان يمكن أن تضيع لولا تدوين المؤلف لها. ولهذا فالنص لا يفيد فقط في معرفة الشيخ وسيرته، بل يفيد أيضاً في الوقوف على مادته العلمية، واتجاهاته في الجواب، وطبيعة الأسئلة التي كانت تثار في محيطه.
كما يكشف الكتاب عن مسائل اتصلت بالمؤلف نفسه، خاصة ما يتعلق بأسباب تأليفه لبعض كتبه، مثل الأسرار السارية في الجواب عن الأسئلة الغمارية والدرر اللآلئ في ثبوت النسب البقالي، كما يثبت تقريظ الشيخ له ولمصنفه طرفة الأدباء بإباحة ضوء الكهرباء، وهي إشارات ثمينة تضيء جانباً من الحياة الثقافية والفكرية في ذلك العصر، وتكشف عن التفاعل بين العلماء، وعن حضور الأسئلة الجديدة في محيطهم، وعن كيفية تناولهم لها كتابةً وجواباً وتقريظاً.
ومن أقوى صفحات الكتاب وأكثرها أثراً ما تعلق بتوثيق وفاة الشيخ محمد بن الصديق وما أحاط بها من أحوال. فقد كان سكيرج دقيقاً في ضبط وقت الوفاة وتفاصيل الدفن، إذ قال: توفي رحمة الله عليه على الساعة السادسة تقريباً بعد أن صلى المغرب واستدعى بعض أهله وأوصاهم، من ليلة الخميس ثامن شوال الأبرك، سنة أربع وخمسين وثلاثمائة وألف. ودخل قبره ليلة الجمعة المتصلة على الساعة التاسعة… وكانت له جنازة اهتزت لها عدة قرى ومدن حضرها الجم الغفير حتى من فاس وثغر الدار البيضاء والجديدة وسلا وما بين ذلك من تلامذته ومحبيه، ولولا إخفاء أصحابه وقت دفنه لما وجدوا سبيلاً إليه من ازدحام الخلق عليه…». وهذه الشهادة، بما فيها من تحديد زمني دقيق ووصف حي للمشهد، تمثل وثيقة تاريخية بالغة القيمة، لا من حيث الخبر وحده، بل من حيث ما تكشف عنه من مقدار حضور الشيخ في وجدان الناس، واتساع أثره، وقوة الصلة بينه وبين محبيه وتلامذته.
ويزيد المشهد قوة ما أورده المؤلف من سبب تأخير الدفن انتظاراً لأنجاله الذين بلغهم الخبر وهم بمصر القاهرة، طمعاً في حضورهم بسيارة جوية، وهي إشارة صغيرة في ظاهرها، لكنها ذات دلالة تاريخية لافتة من حيث اتصالها بوسائط التنقل الحديثة في ذلك الزمان، وبامتداد الصلات العلمية والعائلية خارج المغرب. ثم يختم سكيرج هذا الباب بما يشبه الشهادة الشخصية الحية حين يقول إنه كان ممن حضر دفنه في الساعة المذكورة مصادفة من غير موعد، فيتحول المؤرخ هنا إلى شاهد عيان، فيرتفع النص من مجرد رواية منقولة إلى شهادة مباشرة.
ولم يفت المؤلف أن يرثي الشيخ برائية تشهد له بعذوبة الذائقة وقوة العارضة، وهي سمة أخرى من سمات هذا السفر، إذ لا يفترق فيه المؤرخ عن الأديب، ولا يغيب فيه الحس البلاغي عن الحس التوثيقي، بل يتساندان في بناء صورة كاملة لشيخ كبير ترك في محيطه من الأثر ما أوجب الرثاء الصادق، والتخليد العلمي، والذكر الجميل.
إن أهمية هذا الكتاب لا تقف عند حدود ما يسرده من أخبار، بل تمتد إلى ما يمثله من نموذج في كتابة الترجمة المغربية؛ ترجمة لا تفصل العالم عن محيطه، ولا العلم عن السلوك، ولا الحادثة الخاصة عن أفقها العام. فهو كتاب يُمكّن القارئ من رؤية الشيخ محمد بن الصديق عالماً ومربياً وشيخ طريقة، وصاحب مجلس، ورب أسرة، ومرجعاً فقهياً، وحاضراً في زمنه، كما يمكنه من رؤية طنجة نفسها باعتبارها مجالاً علمياً وروحياً متحركاً، تتقاطع فيه الأسانيد، وتنتقل فيه الأخبار، وتُبنى فيه الزوايا، وتتشكل فيه الصلات بين العلماء والطلاب والأعيان والمريدين.
ومن هنا أيضاً تبرز قيمة التحقيق الجديد الذي أخرجه الأستاذ عبد المومن عبد الله؛ لأنه لم يقدّم النص بوصفه أثراً ماضوياً جامداً، بل أعاد إدخاله في دائرة التداول العلمي والثقافي، وهيأ له ما يعينه على أن يُقرأ اليوم قراءة واعية، من خلال التحرير المتقن، والتقديم المحكم، والدراسة الرصينة، والتعليق النافع، والتوثيق الهادف. وهذه خصائص لا تتأتى إلا لمحقق يجمع بين المعرفة بالنصوص، والخبرة بالتراث، والقدرة على التمييز بين ما يحتاج إليه القارئ وما يستغني عنه.
والكتاب قد صدر في 140 صفحة من القطع الكبير عن مركز جسور للدراسات التاريخية والاجتماعية، وهو كتاب يمنح القاريء أكثر مما يعد به ظاهره. بل لعل من أجمل ما يقال فيه إنه من النصوص التي تؤكد أن بعض الكتب التراثية الصغيرة إنما هي خزائن مضغوطة، كلما فتح القارئ باباً منها انفتحت له أبواب أخرى من المعرفة والتاريخ والرجال.
إن صدور نبذة التحقيق من ترجمة شيخ الطريق العلامة ابن الصديق في هذه الطبعة المحكمة، حدث ثقافي وعلمي يستحق التنويه والاحتفاء؛ لأنه لا يضيف إلى المكتبة المغربية كتاباً جديداً فحسب، بل يعيد إلى التداول نصاً أصيلاً من نصوص الذاكرة العلمية والروحية لطنجة والمغرب. وهو أيضاً تذكير بحاجتنا المستمرة إلى إحياء النصوص المخطوطة والمغمورة، وإخراجها من حيز الخزائن والرفوف إلى مجال القراءة والبحث والتداول، لأن في ذلك صيانةً للذاكرة، وخدمةً للعلم، ووفاءً لجهود العلماء الذين بنوا بكتبهم ومجالسهم ومواقفهم جزءاً مهماً من تاريخ المغرب الحديث.
وبهذا المعنى، فإن هذا الإصدار ليس مجرد كتاب يقرأ، بل هو وثيقة، وشهادة، ومرآة لعصر، ومدخل إلى عالم من العلم والتربية والتصوف والتاريخ. ومن أحسن صنعاً في خدمة هذا النص، قراءةً وتحقيقاً وتقديمًا، فقد أسدى خدمة جليلة للثقافة المغربية، ووضع بين أيدي الباحثين والقراء سفراً صغير الحجم، بعيد الأثر، كبير الغناء.



تعليقات الزوار ( 0 )