تكبد المواطن المغربي خلال ولاية عزيز أخنوش فاتورة اقتصادية واجتماعية قاسية بفعل تضافر صدمات خارجية واختلالات تدبيرية داخلية عرت هشاشة المنظومة الحكومية. وفي هذا السياق، عصفت التداعيات المباشرة للحرب الروسية الأوكرانية والتوترات الجيوسياسية المرتبطة بالتصعيد الإيراني في الشرق الأوسط باستقرار سلاسل التوريد وأسواق الطاقة العالمية، لينعكس ذلك فورا وبشكل مباشر على جيوب المغاربة عبر زيادات متتالية في أسعار المحروقات.
وبناء على ذلك، سجلت محطات التوزيع مؤخرا زيادة إضافية بلغت 2 دراهم في سعر اللتر الواحد من الغازوال، لتقفز الفاتورة الطاقية للمملكة إلى مستويات استنزفت رصيد العملة الصعبة.
وأمام هذا الارتفاع الصاروخي، اضطرت الحكومة إلى إقرار آلية دعم مستجدة لمهنيي النقل الطرقي سعيا لامتصاص تداعيات التضخم المالي المستورد، غير أن هذا الإجراء يتجه نحو فشل محتوم يطابق مصير جميع التدخلات المماثلة سابقا.
وتتأكد معالم هذا الإخفاق مع استمرار شبكات النقل الكبرى وأصحاب الرخص المتعددة في ابتلاع ملايير الدراهم من المال العام المخصص للدعم، دون تسجيل أي أثر إيجابي يذكر على تسعيرة النقل العمومي للمسافرين أو تكلفة نقل السلع والبضائع بين المدن.
وكنتيجة حتمية لهذا العجز الهيكلي، تستمر أسعار الخضر والفواكه والمواد الاستهلاكية الأساسية في تسجيل مستويات قياسية تنهك الميزانية اليومية للأسر، وتستنزف القدرة الشرائية للطبقات المتوسطة والهشة التي تجد نفسها تواجه تقلبات السوق دون حماية فعلية.
أزمة الأضاحي.. دعم عمومي يغذي جيوب المحتكرين
تتكرس مظاهر التخبط في تدبير الأزمات الموسمية بشكل جلي خلال فترات عيد الأضحى، خصوصا بعدما تدخلت المؤسسة الملكية السنة الفارطة لإنقاذ ماء وجه السلطة التنفيذية عبر إعفاء المغاربة من إلزامية اقتناء الأضحية لتخفيف العبء المادي الثقيل عن كاهل المتضررين من توالي سنوات الجفاف.
ومع اقتراب موعد الشعيرة الدينية للموسم الحالي، تتجه مؤشرات الأسواق نحو تسجيل مستويات قياسية تنذر بلهيب حقيقي في أسعار المواشي، مدفوعة باستمرار الاضطرابات في منطقة الشرق الأوسط وتأثيرها المباشر على مضاعفة كلفة استيراد الأعلاف وتأمين خطوط النقل اللوجيستي البحري.
وتفرز هذه الوضعية واقعا ميدانيا مختلا يجعل كبار المستوردين والشناقة الرابح الأكبر والوحيد من الأزمة المفتعلة، حيث يجمع هؤلاء المضاربون بين الاستفادة المباشرة من الإعانات المالية العمومية المحددة في 500 درهم عن كل رأس غنم مستورد والإعفاءات الضريبية والجمركية الشاملة، وبين الاستمرار في فرض أسعار فاحشة تتجاوز قدرة المواطن البسيط داخل الأسواق المحلية.
ويتحول بذلك برنامج الدعم العمومي الموجه مبدئيا لحماية المستهلك إلى قناة رسمية لضخ أموال الدولة في حسابات شبكات الاحتكار والمضاربة، ليترك المواطن مجبرا على اقتناء أضحية مستوردة بأسعار تفوق نظيرتها المحلية رغم الملايير التي تحملتها خزينة الدولة.
حصيلة بشرية مفجعة وانهيار للبنيات التحتية الوقائية
تتجاوز الخسائر المسجلة خلال هذه الولاية التداعيات الاقتصادية لتشمل كلفة بشرية ومادية تعد الأثقل والأكثر دموية مقارنة بجميع الولايات الحكومية السابقة، إذ أسفرت الكوارث الطبيعية وحوادث البنية التحتية المتتالية عن حصيلة إجمالية فاقت 3065 قتيلا.
ويفوق هذا الرقم التراكمي مجموع ضحايا الحكومات الخمس السابقة مجتمعة، بعدما خلف زلزال الحوز بمفرده 2960 ضحية وأكثر من 6125 جريحا مع تدمير آلاف القرى وتكبد فاتورة إعادة إعمار تناهز 120 مليار درهم لم تنجز منها سوى نسب ضئيلة على أرض الواقع.
وإلى جانب هذه الفاجعة الكبرى، توالت كوارث الفيضانات الجارفة التي ضربت أقاليم طاطا والجنوب الشرقي مخلفة 18 ضحية وتدميرا كاملا للواحات والمسالك الطرقية، بالموازاة مع غرق شوارع حاضرة المحيط آسفي تحت سيول طوفانية أودت بحياة 37 شخصا نتيجة تهالك شبكات الصرف الصحي وغياب الصيانة.
ولم تتوقف لائحة المآسي عند هذا الحد، بل شملت أيضا تسجيل 22 قتيلا في انهيار عمارة سكنية بحي المستقبل في مدينة فاس بسبب إضافة طوابق عشوائية دون دراسات تقنية معمارية، فضلا عن 28 غريقا داخل معمل طنجة السري للنسيج. وتؤكد هذه الوقائع المتعاقبة بشهادة الأرقام الرسمية تسجيل ولاية أخنوش لأكبر عدد من الكوارث في تاريخ المغرب الحديث، كاشفة في الوقت ذاته الفشل الذريع لبرامج التأهيل الحضري وعجز سياسات التدبير الاستباقي عن حماية أرواح وممتلكات المواطنين.
مفارقة التدبير المالي..ملايين للترفيه مقابل هشاشة تنموية
يتقاطع تدبير آثار هذه الفواجع والأزمات الاقتصادية الخانقة مع نهج مالي يطرح تساؤلات مشروعة حول معايير تحديد أولويات الإنفاق العمومي من طرف صناع القرار، وذلك بعدما رصدت المجالس الحكومية والترابية اعتمادات مالية فلكية لتمويل الأنشطة الترفيهية خلال سنة 2025.
وتجاوز الغلاف المالي المخصص لدعم المهرجانات والتظاهرات الثقافية سقف 80 مليون درهم، في حين تشير الإحصائيات الرسمية الموثقة إلى برمجة وتنظيم ما يناهز 1200 مهرجان وتظاهرة فنية في مختلف جهات وعمالات المملكة خلال السنة الأخيرة، لتسجل بذلك أعلى معدل للإنفاق على التظاهرات الفنية في تاريخ البلاد. ويتناقض هذا التوجه المالي السخي الموجه لقطاع الفرجة والمواسم بشكل مريب مع خطابات ترشيد النفقات التي ترفعها القطاعات الوزارية لتبرير تقليص الخدمات الاجتماعية ورفع الدعم عن المواد الأساسية.
ويصطدم هذا البذخ المالي بالعجز البين المسجل في تمويل البنيات التحتية الوقائية كالسدود وقنوات تصريف المياه داخل المناطق المتضررة من الزلازل والفيضانات، الأمر الذي يكرس حالة من التباين الرقمي والمجالي بين الإنفاق على المظاهر الاحتفالية وتسديد أجور كبار الفنانين مقابل إهمال المشاكل الهيكلية للأقاليم المهمشة التي تفتقر لأبسط شروط العيش الكريم.
استنزفت هذه الأحداث المتوالية ميزانية الدولة وساهمت في الإخلال بالتوازنات الماكروإقتصادية عبر رفع مؤشرات المديونية العمومية لمستويات غير مسبوقة تجاوزت الخطوط الحمراء، مما وجه الموارد المالية نحو تدبير الطوارئ الاستعجالية وترقيع البنيات المنهارة عوض الاستثمار الفعلي في القطاعات الإنتاجية الخالقة لفرص الشغل.
ويفرز تراكم الفشل الميداني في تنزيل التدابير الوقائية، مقرونا بعجز الآليات الرقابية عن حماية أموال الدعم من جشع المضاربين، وضعا اقتصاديا خانقا يدفع فاتورته المستهلك والمقاول الصغير بشكل يومي.
ويستوجب المشهد الحالي المعقد تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة لمساءلة القطاعات الوزارية المشرفة والمجالس المنتخبة التي تترك الساكنة تواجه منفردة تقلبات الأسواق الدولية وانهيار البنيات التحتية المتكرر عند أول تساقطات مطرية، بينما تكتفي هذه الجهات بمواصلة مراكمة أرقام قياسية في الإنفاق على الترفيه والواجهات التسويقية، مبررة إخفاقاتها بالظروف المناخية والتوترات العالمية، وبعيدة عن تقديم أي حلول هيكلية تنتشل الاقتصاد الوطني من براثن الارتهان الدائم للصدمات الخارجية وجشع شبكات الاحتكار الداخلي التي تراكم الثروات على حساب الأزمات.



تعليقات الزوار ( 0 )