في هذا الملف تتجلى بوضوح إحدى القضايا التي تعكس الدور الرقابي الذي تضطلع به الغرفة الجنحية بمحاكم الاستئناف في مراقبة أداء الضابطة القضائية ومدى التزامها بالتعليمات الصادرة عن النيابة العامة أثناء مباشرتها لمهام البحث التمهيدي، وهي الرقابة التي أرساها المشرع المغربي ضمن منظومة قانون المسطرة الجنائية لضمان حسن سير العدالة الجنائية وضبط العلاقة بين السلطة القضائية المكلفة بتوجيه الدعوى العمومية وبين الأجهزة المكلفة بجمع الأدلة والبحث عن مرتكبي الجرائم.
فقد أصدرت الغرفة الجنحية بمحكمة الاستئناف بأسفي بتاريخ 24 نونبر 2021 قرارا قضائيا يسلط الضوء على حدود مسؤولية ضابط الشرطة القضائية عندما لا يلتزم بالتعليمات المسطرة من طرف النيابة العامة أو يتقاعس عن إنجاز الأبحاث التمهيدية داخل أجل معقول.
وتعود تفاصيل هذه القضية إلى شكاية تقدمت بها مواطنة أفادت من خلالها بأنها كانت ضحية لسرقة موصوفة ارتكبت في ظروف مشددة، إذ أوضحت في شكواها أن الواقعة تعود إلى ليلة 17 غشت 2020، حين تعرض مسكنها لعملية سرقة تمت باستعمال التسلق، وهو ما يدخل في إطار الجرائم التي تستوجب فتح بحث تمهيدي دقيق للكشف عن ظروف ارتكابها وتحديد المسؤولين عنها.
وبمجرد توصل النيابة العامة بالشكاية أحالتها على الضابطة القضائية المختصة قصد القيام بالأبحاث والتحريات الضرورية. وفي إطار هذه الإجراءات تم الاستماع إلى المشتكية بتاريخ 23 نونبر 2020، حيث أكدت في تصريحها التمهيدي تعرضها لسرقة موصوفة محددة الظروف، كما نسبت الفعل إلى شخص معين ذكرت اسمه في الشكاية.
غير أن التحريات التي باشرتها الضابطة القضائية في المرحلة الأولى لم تسفر عن العثور على المشتكى به أو الاستماع إليه، الأمر الذي دفع النيابة العامة إلى إعادة المسطرة مرة ثانية إلى الضابطة القضائية المختصة بموجب إرسال رسمي يحمل رقم 3216/71 مؤرخ في 22 فبراير 2021، متضمنا تعليمات واضحة بضرورة الاستماع إلى المشتكى به بكافة الوسائل القانونية الممكنة، مع التأكيد الصريح على ضرورة ربط الاتصال الفوري بالنيابة العامة لتلقي التعليمات المناسبة كلما اقتضت ظروف البحث ذلك، وهو الإجراء الذي يعكس طبيعة العلاقة القانونية التي تربط الضابطة القضائية بالنيابة العامة باعتبار هذه الأخيرة الجهة المخول لها قانونا توجيه الأبحاث الجنائية والإشراف عليها.
وبعد توصله بهذه التعليمات، باشر الضابط المكلف بالبحث بعض الإجراءات في إطار المسطرة، حيث قام بتاريخ 3 أبريل 2021 بالاستماع إلى شقيق المشتكى به المدعو يوسف، الذي صرح في محضر الاستماع بأن أخاه غير متواجد بالمنزل رغم علمه بأنه مطلوب من طرف الضابطة القضائية.
غير أن الضابط المعني اكتفى بهذا الإجراء ولم يبادر إلى اتخاذ خطوات إضافية من شأنها تنفيذ تعليمات النيابة العامة بالشكل المطلوب، كما لم يقم بربط الاتصال بالنيابة العامة لإخبارها بتعذر العثور على المشتكى به أو لطلب تعليمات جديدة بشأن كيفية مواصلة البحث، وهو ما اعتبر لاحقا تقصيرا في تنفيذ التعليمات القضائية.
وبعد مرور مدة على هذا الوضع دون إحالة المسطرة على النيابة العامة، قامت هذه الأخيرة بمراجعة المحاضر المنجزة في إطار البحث التمهيدي، فتبين لها أن المسطرة لا تزال قيد البحث لدى الضابط المذكور ولم يتم إنجازها داخل الأجل المعقول، كما لم يتم التقيد بالتعليمات المسطرة في الإرسالية الموجهة إليه.
وتبين كذلك أن الضابط لم يحترم الأجل الافتراضي المحدد لتدبير الشكايات، وهو الأجل الذي تم الاتفاق بشأنه بين رئاسة النيابة العامة والقيادة العامة للدرك الملكي بتاريخ 12 يونيو 2021، والذي يحدد سقفا زمنيا يبلغ ثلاثة أشهر لإنجاز الأبحاث التمهيدية في القضايا العادية، وذلك بهدف ضمان سرعة وفعالية البحث القضائي.
وأمام هذه المعطيات ارتأت النيابة العامة إحالة الضابط المعني على أنظار الغرفة الجنحية بمحكمة الاستئناف بأسفي باعتبارها الجهة القضائية المختصة بمراقبة الإخلالات المهنية التي قد تصدر عن ضباط الشرطة القضائية أثناء مزاولتهم لمهامهم. وقد التمست النيابة العامة مؤاخذته من أجل الإخلال المهني المتمثل في عدم التقيد بتعليماتها وعدم إنجاز المسطرة داخل أجل معقول، مع تطبيق العقوبة التأديبية المنصوص عليها في المواد من 29 إلى 35 وكذا المادة 231 من قانون المسطرة الجنائية.
وتم إدراج الملف للمناقشة في جلسة سرية طبقا لما يقتضيه القانون في مثل هذه القضايا، حيث حضر الضابط المتابع أمام الغرفة الجنحية بعد التأكد من هويته وإشعاره بالمنسوب إليه، كما تم الاطلاع على التقرير المنجز من طرف المستشار المقرر المكلف بالقضية.
وخلال الاستماع إليه أوضح المتابع أن مسطرة البحث التمهيدي المتعلقة بالمشتكية كانت قد انطلقت أصلا بمحضر استماع أولي تم إنجازه من طرف ضابط آخر قبل إحالة الملف على النيابة العامة، وأن هذه الأخيرة أعادت المسطرة إلى مركز الدرك الملكي قصد مواصلة البحث والاستماع إلى المشتكى به بكل الوسائل القانونية المتاحة.
وأضاف الضابط أنه بعد تعذر العثور على المشتكى به قام بالاستماع إلى شقيقه الذي أفاد بأن أخاه غير متواجد بالمنزل، وأنه كان ينتظر أن يقوم هذا الأخير بالحضور تلقائيا بعد أن تم إخباره بأنه مطلوب من طرف الضابطة القضائية. كما دفع بأن عدم إحالة المسطرة على النيابة العامة لا يدخل ضمن اختصاصه المباشر وإنما يرجع إلى رئيس المركز، مؤكدا أنه لم يكن يتوفر على الإرسالية المذكورة أثناء انتقاله للبحث عن المشتكى به، الأمر الذي حال دون تمكنه من الاتصال بالنيابة العامة لإخبارها بنتائج البحث وتلقي التعليمات المناسبة.
غير أن النيابة العامة تمسكت بملتمسها مؤكدة أن الضابط المتابع لم يلتزم صراحة بالتعليمات المدونة في الإرسالية المؤرخة في 22 فبراير 2021، والتي كانت واضحة في مضمونها، حيث تلزمه بربط الاتصال بالنيابة العامة فور تعذر العثور على المشتكى به.
كما أشارت إلى أنه لم يقم بإنجاز المسطرة داخل الأجل المعقول المحدد لإنجاز الأبحاث التمهيدية، وهو ما يشكل إخلالا مهنيا واضحا بالالتزامات المفروضة على ضباط الشرطة القضائية أثناء قيامهم بمهامهم.
وبعد الاستماع إلى مرافعات النيابة العامة وتصريحات المتابع، تقرر حجز القضية للمداولة إلى غاية جلسة 24 نونبر 2021، وعند صدور القرار خلصت الغرفة الجنحية بمحكمة الاستئناف بأسفي إلى أن الثابت من خلال وثائق الملف أن الضابط المتابع توصل فعلا بتعليمات النيابة العامة بموجب الإرسالية المشار إليها، وأن هذه التعليمات كانت واضحة وتفرض عليه اتخاذ إجراءات محددة من بينها الاستماع إلى المشتكى به وربط الاتصال بالنيابة العامة كلما اقتضت ظروف البحث ذلك.
وأوضحت المحكمة في تعليلها أن الضابط المعني لم يتقيد بهذه التعليمات بالشكل المطلوب، إذ اكتفى بالاستماع إلى شقيق المشتكى به دون أن يبادر إلى الاتصال بالنيابة العامة لإطلاعها على المستجدات أو طلب تعليمات جديدة، كما لم ينجز مسطرة البحث التمهيدي داخل أجل معقول، وهو ما يشكل إخلالا مهنيا ثابتاً في حقه.
وأكدت المحكمة في سياق تعليلها أن من بين أهم الوظائف التي تضطلع بها الضابطة القضائية بموجب القانون إنجاز محاضر البحث التمهيدي سواء تلقائيا أو بناء على تعليمات النيابة العامة، وأن هذه التعليمات غالبا ما تكون مسطرة في إرساليات رسمية تتضمن توجيهات دقيقة بشأن كيفية مباشرة البحث، وذلك بهدف تجميع الأدلة المتعلقة بالجريمة والكشف عن مرتكبيها والظروف المحيطة بها.
كما ذكرت المحكمة بأن المادة 18 من قانون المسطرة الجنائية تلزم ضباط الشرطة القضائية أثناء قيامهم بمهامهم بالتقيد بأوامر وتعليمات النيابة العامة باعتبارها الجهة المخول لها قانونا الإشراف على الأبحاث الجنائية وتوجيهها.
وانطلاقا من هذه الاعتبارات خلصت المحكمة إلى أن الضابط المتابع لم يحترم التعليمات الصادرة عن النيابة العامة ولم ينجز مسطرة البحث التمهيدي داخل الأجل المعقول، وهو ما يجعل الإخلال المهني المنسوب إليه ثابتا في حقه.
غير أن المحكمة، وبالنظر إلى ظروف النازلة وطبيعة الإخلال المرتكب، ارتأت الاكتفاء بتوجيه ملاحظة إليه تدعوه إلى ضرورة التقيد مستقبلا بتعليمات النيابة العامة كما ترد في إرسالياتها، واحترام الآجال المعقولة لإنجاز مساطر البحث التمهيدي، مع الحرص على إخبار النيابة العامة صاحبة الاختصاص بكل المعطيات المرتبطة بسير البحث التمهيدي.
وبذلك قضت الغرفة الجنحية بمحكمة الاستئناف بأسفي بمؤاخذة الضابط المتابع من أجل الإخلال المهني المنسوب إليه، مع توجيه ملاحظة رسمية إليه بضرورة الالتزام بتعليمات وأوامر النيابة العامة والتقيد بالآجال المعقولة لإنجاز الأبحاث التمهيدية، مع تحميله الصائر، مؤكدة في الوقت ذاته أن احترام هذه الضوابط يشكل ركيزة أساسية لتحقيق النجاعة في عمل الضابطة القضائية وضمان حسن سير العدالة الجنائية.







تعليقات الزوار ( 0 )