أخبار ساعة

21:42 - حقوقيون يطالبون بحماية المواطنين من خطر “الكلاب الشرسة” بشواطئ الدار البيضاء20:36 - تأجيل ترحيل سوق “لافيراي السالمية” بالبيضاء إلى حين جاهزية بديل مديونة20:30 - احتجاجات مرتقبة للمتقاعدين للمطالبة بالزيادة في المعاشات19:54 - السغروشني: الساعة الإضافية قرار مؤسساتي وتقييم آثارها يتطلب مقاربة شمولية19:40 - الأمير مولاي رشيد يفتتح الدورة الـ18 للملتقى الدولي للفلاحة بالمغرب19:28 - بوريطة: لا يمكن ضمان مصداقية أي مسار انتخابي إذا كان يقصي جزءا من الساكنة19:00 - من حرب خاطفة إلى مأزق استراتيجي.. واشنطن وطهران بين وهم الحسم العسكري وضغط الحصار البحري18:49 - انطلاق هدم درب “موحى أوسعيد” بالدار البيضاء لتنفيذ مشروع المحج الملكي18:01 - وهبي ينتقد بطء تفعيل العقوبات البديلة ويدعو لتجاوز مقاربة السجن17:43 - لجنة العدل بالمستشارين تصادق على مشروع قانون العدول
الرئيسية » مقالات الرأي » أشبال الخلافة بين استراتيجيات التجنيد وتحديات الإدماج

أشبال الخلافة بين استراتيجيات التجنيد وتحديات الإدماج

تمثل ظاهرة تجنيد الأطفال من قبل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) واحدة من أخطر الانتهاكات الحقوقية والأمنية في التاريخ المعاصر. فبينما كانت التنظيمات الجهادية التقليدية، وعلى رأسها تنظيم القاعدة، تعتمد على نموذج )النخبوية القتالية( التي تستهدف الكوادر المدربة والبالغة، ذهب تنظيم داعش نحو )هندسة مجتمعية( شاملة، جعلت من الطفل ركيزة أساسية لضمان استمرارية ما أسماه )دولة الخلافة(. تهدف هذه الدراسة إلى تحليل الفوارق الاستراتيجية بين داعش والقاعدة في التعاطي مع ملف الطفولة، واستعراض آليات التجنيد والتنشئة، وصولا إلى تحليل السياسات الدولية (العربية والفرنسية) في التعامل مع العائدين من مخيمات الاحتجاز.

التباين الاستراتيجي والأيديولوجي بين داعش والقاعدة

يرتبط الاختلاف في تعامل كل من تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية مع الأطفال بطبيعة المشروع السياسي والتنظيمي الذي تبناه كل منهما. فالتنظيم الأول نشأ منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي بوصفه شبكة عابرة للحدود، ذات طابع نخبوي يعتمد على خلايا نوعية محدودة العدد، ويركز على تنفيذ عمليات عالية الرمزية تستهدف )العدو البعيد(. هذا المنطق الشبكي جعل بنيته التنظيمية مرنة وغير معنية بإدارة مجتمع أو السيطرة المستدامة على إقليم جغرافي واسع، ولذلك لم تتبلور لديه حاجة مؤسسية إلى بناء منظومة تربوية أو عسكرية خاصة بالأطفال. كان الاعتماد أساسا على مقاتلين بالغين ذوي خبرة قتالية، وعلى كوادر عقائدية منتقاة تخضع لمسار طويل من الاختبار والفرز، بما يحافظ على طابع التنظيم النخبوي ويقلل من مخاطره الأمنية.

في المقابل، قام مشروع تنظيم الدولة الإسلامية على منطق مغاير تماما، إذ سعى إلى تجسيد فكرة )الدولة( المسيطرة على الأرض والسكان، خصوصا بعد إعلانه ما سماه )الخلافة( عام 2014 في مناطق من العراق وسوريا. هذا التحول من تنظيم شبكي إلى كيان يدّعي السيادة فرض عليه متطلبات مختلفة؛ فإدارة إقليم وجباية موارد وتسيير مؤسسات تقتضي وجود مجتمع خاضع لسلطته، وأجيال تضمن استمرارية المشروع. من هنا ظهرت مؤسسات موجهة للأطفال، تعليمية وعسكرية، في إطار ما عرف بـ)أشبال الخلافة(، حيث جرى توظيف المناهج الدراسية والتدريب شبه العسكري في إعادة تشكيل وعي النشء وصياغتهم كجيل عقائدي مقاتل. لم يكن الأمر مجرد استخدام ظرفي للأطفال في القتال، بل إدماجهم في استراتيجية بعيدة المدى لإعادة إنتاج التنظيم ذاتيا، عقائديا وعسكريا

إن الفارق الجوهري لا يكمن فقط في درجة استخدام الأطفال، بل في الخلفية البنيوية التي تفسر ذلك. فتنظيم القاعدة، بقيادة شخصيات مثل أسامة بن لادن وأيمن الظواهري، لم ينجح تاريخيا في إقامة كيان إقليمي مستقر طويل الأمد يفرض عليه إدارة مجتمع كامل، بل ظل يتحرك في فضاءات رخوة أو مناطق نزاع دون أن يتحمل أعباء الدولة. لذلك ظل اهتمامه موجها نحو تكوين نخبة مقاتلة قادرة على تنفيذ عمليات استراتيجية، لا نحو بناء أجيال متعاقبة داخل منظومة مؤسسية مغلقة. أما تنظيم الدولة الإسلامية، فقد أدى ادعاؤه السيادة إلى انتقاله من منطق )الطليعة المقاتلة( إلى منطق )المجتمع البديل(، حيث يصبح الطفل جزءا من مشروع اجتماعي شامل يهدف إلى إعادة هندسة البنية السكانية والثقافية في المناطق الخاضعة له.

بهذا المعنى، فإن تعامل كل تنظيم مع الأطفال يعكس تصوره للسلطة ولطبيعة الصراع: هل هو صراع شبكي طويل النفس تقوده نخبة منتقاة، أم مشروع دولة يسعى إلى الاستدامة عبر التنشئة المؤدلجة وإنتاج جيل يحمل الفكرة والسلاح معا.

.آليات التنشئة والتوظيف الدعائي لدى داعش

اعتمد تنظيم داعش منذ إعلانه ما سماه )الخلافة( في سوريا والعراق سنة 2014 مقاربة شمولية في إعادة تشكيل المجتمع تبدأ من الطفولة المبكرة، حيث لم ينظر إلى التعليم بوصفه خدمة اجتماعية، بل باعتباره أداة استراتيجية لإعادة هندسة الوعي وصناعة جيل جديد يتماهى كليا مع مشروعه. وهي ليست مجرد دعاية إعلامية، بل منظومة متكاملة اشتغلت عبر مسارين متوازيين: مسار تربوي مؤسساتي يعيد صياغة المناهج من رياض الأطفال إلى مستوى يعادل البكالوريا، ومسار دعائي صادم يوظف صورة الطفل المقاتل لتكريس رسائل داخلية وخارجية.

من الناحية البنيوية، سعى التنظيم إلى تفكيك المناهج الدراسية التي كانت سائدة في المناطق التي سيطر عليها، سواء تلك التابعة للدولة السورية أو العراقية، واعتبرها مناهج )طاغوتية( أو )علمانية( يجب تطهيرها. فتم حذف مواد بكاملها، كالفلسفة والتربية الوطنية والتاريخ الوطني غير المؤدلج، واستبدلت بمواد ذات طابع عقدي صرف، أو أُعيدت صياغة المواد العلمية واللغوية بحيث تحمل بمضامين جهادية. لم يكن الأمر مجرد إدراج آيات أو أحاديث في صدر الكتب، بل تم بناء مقدمة أيديولوجية موحدة في كل كتاب دراسي تذكر بما يسميه التنظيم )المشروع الإسلامي( وواجب نصرة الدولة، بما يحول كل مادة إلى امتداد للخطاب العقائدي العام.

في مستوى رياض الأطفال، جرى التركيز على الأناشيد الحماسية، وتلوين الرسوم المرتبطة بالرايات والسيوف، وتعليم الحروف من خلال مفردات عسكرية أو عقدية. أما في المرحلة الابتدائية، فبدأت عملية الربط المنهجي بين المهارات الأساسية والخيال القتالي: تدرس الرياضيات عبر مسائل تتعلق بعد الطلقات أو توزيع الغنائم، ويدرس النحو عبر جمل تدور حول الولاء والبراء والهجرة والجهاد، بينما يقدم التاريخ بوصفه سلسلة صراعات دائمة بين المؤمنين والكفار، مع حذف كل أشكال التعدد الحضاري أو التعايش.

في المرحلة الإعدادية والثانوية، اتخذت العملية طابعا أكثر تنظيرا حيث أدخلت مواد شرعية مكثفة في العقيدة والفقه وأحكام الجهاد، مع تأطيرها ضمن قراءة أحادية. وتم التركيز على تكوين ما يمكن تسميته بـ)الوعي القتالي المؤسس(، أي الانتقال من مجرد تطبيع الطفل مع العنف إلى تبريره فقهيا وإكسابه مشروعية دينية داخلية. هنا يصبح الطالب ليس فقط متلقيا لخطاب تعبوي، بل حاملا لرؤية كونية مغلقة ترى العالم منقسما إلى معسكرين متصارعين.

بالتوازي مع هذا المسار التعليمي، كان هناك تمييز صارم بين مناهج الذكور والإناث. الذكور يدفعون تدريجيًا نحو مواد ذات صلة مباشرة بالإعداد القتالي، مع حصص منتظمة للتدريب البدني والعسكري ضمن ما عرف بأشبال الخلافة، حيث يتلقون تدريبات على اللياقة والانضباط، وأحيانا استخدام السلاح في مراحل متقدمة. هذا الإعداد لم يكن عشوائيا، بل منظما ضمن جداول أسبوعية تدمج فيها التربية البدنية بالروح القتالية، بحيث يصبح الجسد نفسه أداة مشروع.  

أما الإناث، فتم توجيههن نحو مناهج تركز على )الفقه الأسري( وأدوار الأمومة والطاعة، مع تقليص حضورهن في المواد العلمية المتقدمة، وتكريس صورة المرأة بوصفها حاضنة للجيل المقاتل لا فاعلة مستقلة في المجال العام.

هذا الفصل لم يكن فقط انعكاسا لرؤية فقهية محافظة، بل جزءا من هندسة اجتماعية تهدف إلى إنتاج مجتمع مغلق يعيد إنتاج نفسه. فالرجل يصاغ مقاتلا أو مشروع مقاتل، والمرأة تصاغ بوصفها مربية المقاتلين. وهكذا تتحول المدرسة إلى مصنع أدوار محددة سلفا، تختزل فيها إمكانات الفرد ضمن وظيفة أيديولوجية.

على مستوى الدعاية، استثمر التنظيم هذه البنية التعليمية في صناعة صورة إعلامية صادمة. في إصداراته المصورة التي بثت من مناطق سيطرته، ظهر أطفال وهم يتدربون عسكريا أو ينفذون عمليات قتل، في رسائل مزدوجة الاتجاه. الرسالة الأولى موجهة إلى الخصوم، ومفادها أن المشروع لا يقتصر على مقاتلين بالغين يمكن استنزافهم، بل يمتد إلى جيل جديد نشأ على القسوة، بما يوحي بأن الصراع طويل الأمد. أما الرسالة الثانية فموجهة إلى الأنصار، وتؤكد أن الخلافة ليست لحظة عابرة، بل كيان متجذر زمنيا يمتلك قدرة على الاستمرارية عبر التنشئة المبكرة.

بهذا المعنى، كان الطفل في استراتيجية داعش رمزا ومادة خاما في آن واحد: رمزا للاستمرارية، ومادة لإعادة التشكيل الكامل. فالصدمة البصرية الناتجة عن رؤية طفل يمارس العنف لم تكن هدفا بحد ذاتها فقط، بل وسيلة لترسيخ تصور مفاده أن التنظيم نجح في إعادة تعريف الطفولة ذاتها. لم تعد الطفولة مرحلة حماية وبراءة، بل مرحلة إعداد مبكر للصراع.

تحليل هذه السياسة يكشف أن التنظيم لم يتعامل مع التعليم كملف إداري ثانوي، بل كبنية تحتية للهيمنة الرمزية. فالسيطرة العسكرية على الأرض تحتاج إلى سيطرة ثقافية على العقول، والسيطرة الثقافية الأكثر نجاعة تبدأ بالسنوات الأولى من التكوين. ومن هنا نفهم لماذا كان الاستثمار في المناهج، وفي عسكرة الحصص الرياضية، وفي التفريق بين الجنسين، وفي توظيف الأطفال دعائيا، جزءا من رؤية كلية لإعادة بناء مجتمع موازٍ. إنها محاولة لإلغاء الفاصل بين المدرسة والمعسكر، وبين الكتاب والبندقية، بحيث يصبح التعليم نفسه مسارا تدريجيا نحو التطابق مع مشروع شمولي مغلق يسعى إلى إنتاج إنسان معاد تشكيله بالكامل وفق تصور أحادي للعالم والدين والتاريخ.

واقع الأطفال في مرحلة ما بعد )الخلافة((مخيم الهول نموذجا)

بعد إعلان ما سمي بـ)الخلافة( من طرف تنظيم الدولة الإسلامية سنة 2014، ثم سقوطه الجغرافي سنة 2019 في بلدة الباغوز، لم تنته القصة بالنسبة لآلاف الأطفال الذين وجدوا أنفسهم فجأة خارج خريطة الدولة وخارج خرائط الطفولة في آن واحد. فقد تحول هؤلاء إلى قاطني مخيمات احتجاز في شمال شرق سوريا، أبرزها مخيم الهول، الذي أصبح فضاء رماديا بين كونه ملاذا إنسانيا وكونه بيئة مغلقة تعيد إنتاج الهشاشة والعنف الرمزي. هؤلاء الأطفال لم يختاروا الانتماء، ولم يختاروا الجغرافيا، لكنهم ورثوا تبعات قرار لم يصنعوه.

الواقع اليومي في المخيم يكشف عن حرمان مزدوج: حرمان من الاستقرار القانوني وحرمان من مسارات النمو الطبيعي. فالكثير من الأطفال يفتقرون إلى وثائق ثبوتية، وبعضهم ولد في مناطق النزاع أو خلال سيطرة التنظيم، ما يجعل إثبات الهوية أو الجنسية معضلة معقدة. في غياب التسجيل المدني، يصبح الطفل )غير مرئي( قانونيا، معرضا لخطر انعدام الجنسية، ومقيدا في حقه في التعليم، والتنقل، والحماية القنصلية. هذا الفراغ القانوني لا يجمد الحاضر فقط، بل يسرق المستقبل، إذ يصعب إدماج طفل لا تعترف به أي منظومة رسمية.

أما على المستوى الأيديولوجي، فالمعضلة أكثر تركيبا. فالمخيم، رغم كونه فضاء للرقابة الأمنية، شهد استمرار تأثير بعض الشبكات النسائية المتشددة التي حافظت على خطاب التنظيم وسردياته. في بيئة مغلقة، حيث الفقر والفراغ وغياب البدائل التربوية، يمكن للخطاب المتشدد أن يجد أرضية خصبة، خاصة لدى أطفال لم يتلقوا تعليما نظاميا ولم يتعرضوا لخطاب نقدي بديل. هكذا يتحول المخيم، في بعض قطاعاته، إلى فضاء لإعادة إنتاج الهوية المتشددة، ليس بالضرورة عبر التدريب العسكري، بل عبر إعادة تشكيل الوعي والذاكرة والانتماء.

المعضلة التعليمية تكاد تكون الأكثر إلحاحا. فسنوات الاحتجاز الطويلة جعلت آلاف الأطفال خارج المدرسة، دون برامج تعليم نظامي مستقر، ودون تكوين مهني أو أنشطة بنائية منتظمة. الانقطاع الدراسي لا يعني فقط فقدان مهارات القراءة والكتابة والحساب، بل يعني أيضا فقدان الإيقاع اليومي الذي ينظم حياة الطفل ويمنحه شعورا بالهدف والانتماء. في غياب هذا الإطار، يتضخم الإحساس بالتهميش، ويزداد خطر الانزلاق نحو سلوكيات عدوانية أو انغلاق هوياتي.

البعد النفسي لا يقل خطورة. كثير من هؤلاء الأطفال عاشوا مشاهد قتال، أو فقدوا أحد الوالدين، أو تعرضوا للنزوح المتكرر. بعضهم شهد عنفا مباشرا، وبعضهم عاش خوفا مزمنا وعدم يقين طويل الأمد. هذه التجارب تترك آثارا عميقة قد تظهر في شكل اضطرابات ما بعد الصدمة، قلق مزمن، كوابيس، صعوبات في التركيز، أو سلوكيات اندفاعية. لكن الخطورة تكمن في أن الصدمة، إذا لم تعالج، قد تتحول إلى عدسة يرى الطفل من خلالها العالم: عالم عدائي، غير آمن، لا مكان فيه للثقة.

وعندما يفرج عن بعض الأطفال أو يعادون إلى بلدانهم الأصلية، تبدأ معركة جديدة: معركة الوصم. ينظر إليهم أحيانا باعتبارهم )أبناء التنظيم( وليس أطفالا ضحايا. هذا التصنيف الاجتماعي قد يدفعهم إلى تبني هوية دفاعية قائمة على الرفض والانسحاب، أو حتى التماهي مع الصورة النمطية المفروضة عليهم. فحين يعامل الطفل كمشكلة أمنية أكثر من كونه حالة حماية اجتماعية، تتعزز لديه مشاعر الظلم والإقصاء.

الدراسات الحديثة في مجال نزع التطرف وإعادة الإدماج تشير إلى أن المقاربة الأحادية، الأمنية الصرفة، غير كافية بل قد تكون عكسية. المطلوب نموذج متعدد التخصصات يجمع بين العلاج النفسي المتخصص، وبرامج تعليمية مرنة تعوّض الفاقد التعليمي، ومرافقة اجتماعية طويلة الأمد. في البعد النفسي، يحتاج الأطفال إلى مساحات آمنة للتعبير عن تجاربهم، وإلى معالجين مدربين على التعامل مع صدمات النزاع، مع إدماج أنشطة فنية ورياضية تساعد على إعادة بناء الثقة بالذات وبالآخر. في البعد التربوي، لا يكفي إدخال الطفل إلى فصل دراسي تقليدي؛ بل يجب اعتماد مناهج انتقالية تراعي الفجوات المعرفية، وتفكك السرديات المتطرفة بلغة هادئة غير تصادمية، تفتح أفق التفكير النقدي بدل فرض خطاب مضاد فج.

أما في البعد الاجتماعي، فالمسألة تتجاوز الطفل إلى محيطه. إعادة الإدماج الناجحة تتطلب إشراك الأسر، وتأهيل المجتمعات المستقبِلة عبر حملات توعية تقلل من الوصم وتؤكد على مبدأ المسؤولية الفردية لا الوراثية. كما أن توفير فرص تكوين مهني للمراهقين ضروري لكسر دائرة التهميش الاقتصادي التي قد تغذي الشعور باللاجدوى. الإدماج ليس حدثا آنيا، بل مسارا طويل النفس، يحتاج إلى تنسيق بين الجهات الأمنية والاجتماعية والتربوية والصحية.

في النهاية، أطفال مخيم الهول ليسوا )ملفاً أمنيا( فحسب، بل اختبارا أخلاقيا وقانونيا للمجتمع الدولي. إهمالهم أو اختزالهم في خلفياتهم العائلية يحمل مخاطرة مزدوجة: ظلم جيل كامل، وترك فراغ قد تملؤه سرديات العنف من جديد. التعامل معهم كضحايا نزاع مسلح، مع مساءلة فردية عادلة عند الضرورة، يظل الطريق الأكثر واقعية وإنسانية. فمستقبل هؤلاء الأطفال لن يتحدد بما ورثوه من ماضٍ مضطرب، بل بما نتيحه لهم من فرص حقيقية لإعادة كتابة قصتهم خارج ظلال الحرب.

الخاتمة

إن التعامل مع أطفال داعش يجب أن ينطلق من قاعدة أنهم ضحايا وليسوا جناة، وفقا لاتفاقية حقوق الطفل الدولية. إن تجاهل هذا الملف أو تأخيره يساهم في خلق جيل غاضب قد يشكل نواة لموجة إرهابية ثالثة أكثر عنفا.

           
تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .

مواضيع ذات صلة

من حرب خاطفة إلى مأزق استراتيجي.. واشنطن وطهران بين وهم الحسم العسكري وضغط الحصار البحري

20 أبريل 2026 - 7:00 م

يشكل الصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران أحد أكثر الملفات الجيوسياسية تعقيداً واستمرارية في منطقة الشرق الأوسط، حيث يتداخل فيه

التشيع المهدوي في المغرب… خطاب ديني جديد يتمدد عبر الفضاء الرقمي ويثير أسئلة الهوية والتدين

19 أبريل 2026 - 1:25 ص

بعيدا عن المرجعيات الشيعية المقلّدة في المغرب، و الولاءات الدينية المتبعة المعروفة، ظهر نوع جديد من التشيع و بدأ ينتشر

مالي تسقط ورقة البوليساريو الأخيرة في غرب إفريقيا.. تحول استراتيجي يعزز مغربية الصحراء

19 أبريل 2026 - 1:12 ص

في تحول دبلوماسي بارز يعكس تغيراً عميقاً في موازين القوى بغرب إفريقيا، أعلنت جمهورية مالي يوم 10 أبريل 2026 سحب

من يدفع ثمن قرارات تقييد استيراد اللحوم في المغرب؟

17 أبريل 2026 - 12:11 ص

في سياق اقتصادي واجتماعي دقيق، لم يعد ملف اللحوم في المغرب مجرد قضية فلاحية أو تجارية، بل تحول إلى اختبار

التفسير الإشاري للقرآن الكريم

16 أبريل 2026 - 11:35 م

ما إن نزل القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدأت عملية التفسير، وكان النبي صلى الله عليه وسلم

اختر مدينتك
الفجرالشروقالضهرالعصرالمغربالعشاء
الرطوبة : %
الرياح : km/h
°
°
°