تقرع طبول الحرب منذ شهور في الشرق الأوسط من قبل كل من الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، وكأن ”حرب الاثني عشر يوما“ بين إسرائيل وإيران في يونيو 2025، والعمليات العسكرية الأمريكية التي استهدفت المواقع النووية الإيرانية الرئيسية في 22 يونيو 2025، لم تحقق أهدافها.
الضربات التي تلقتها إيران، سواء داخل أراضيها أو ضمن نطاق نفوذها الإقليمي في العراق وسوريا، فضلا عن الهجمات الموجعة التي استهدفت حلفاءها، ولا سيما حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن، لم تمنعها من الاحتفاظ بقدرة على المناورة، وتدبير مرحلة ولاية الرئيس ترامب، والالتفاف على هذا التحالف غير المسبوق، وغير المفهوم أيضا، بين ترامب ونتنياهو بأقل الخسائر الممكنة. ورغم التصريحات المتحدية أحيانا لقادة إيران، فإن الاستراتيجية الإيرانية تبدو موجهة أساسا نحو احتواء التصعيد وتفادي السيناريوهات الأسوأ.
بعيدا عن الجدل حول مدى واقعية أو عقلانية الأهداف الأمريكية في الدخول في حرب مع إيران، وكذلك النقاش حول طبيعة التأثير الإسرائيلي في توجيه القرار الأمريكي في الشرق الأوسط في هذه المرحلة وما يحيط به من غموض، فإن السؤال الأهم من منظور استراتيجي يتمثل في تداعيات سقوط إيران في أتون الفوضى بالنسبة للدول العربية القريبة جغرافيا، وما هي انعكاسات ذلك على استقرار المنطقة وتوازنات القوى الإقليمية؟.
بطبيعة الحال، لا يشمل هذا التحليل العراق وسوريا، إذ إن إخراجهما، إلى حد بعيد، من المعادلة الجيوستراتيجية أصبح واقعا قائما. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: من سيكون الهدف التالي؟
إذا نظرنا إلى خريطة الشرق الأوسط من منظور شامل سياسي وأمني، ماذا سنرى؟ سنجد دول الخليج والأردن ومصر لا تزال تنعم بمستويات متفاوتة من الأمان والاستقرار داخليا، لكن يطوقها حزام من الحروب والتوترات من كل الجهات، ولم تبق إلا الضفة الأخرى من الخليج العربي، إيران، دون حرب داخلية. عندما تعرضت قطر للمقاطعة أو الحصار من قبل أشقائها الخليجيين، لم تجد إلا هذا الساحل للتنفس. وكانت الأجواء الإيرانية هي نافذتها الاضطرارية إلي كل جهات العالم.
أما اليوم، فتجد كل هذه الدول نفسها محاصرة من اضطرابات وحروب أهلية لها أبعاد تتجاوز الحدود الوطنية في العراق وسوريا واليمن والسودان وليبيا وفلسطين. هل تمثل هذه الحروب والاضطرابات في محيط الشرق الأوسط مجرد نتيجة طبيعية لتفاعل عناصر بنيوية معقدة، كما تفترض بعض نظريات العلاقات الدولية، أم أنها تعكس مخططا استراتيجيا أوسع يتم تحديثه وتكييفه باستمرار وفقا لسير الأحداث؟
ما هو مؤكد أن الشرق الأوسط يمر فعلا منذ فترة من وضعية عدم اليقين معقدة، ومفتوحة على كل التوقعات، وعلى دوله أن تتوقع أسوأ السيناريوهات، وتستعد لها. وإن سقوط إيران في الفوضى، سيشكل كارثة جيوستراتيجية لدول الشرق الأوسط بأسرها. وإذا حدث ذلك، فعليها أن تسأل نفسها من التالي: مصر أم السعودية؟ وعليها أن تتذكر أن هذا المخطط لا يبدأ بالحلقة الأضعف دائما.
لكن هناك سيناريو آخر واقعي كلاسيكي: أن يتشكل تحالف لموازنة القوة الإسرائيلية وردعها، يتشكل من السعودية ومصر وتركيا. ظهرت بعض الملامح الأولية لهذا التحالف خلال الأسابيع الأخيرة، رغم استمرار وجود بعض العقبات البنيوية والسياسية التي قد تعيق تبلوره الكامل. ومع ذلك، يظل هذا الخيار الاستراتيجي هو السبيل الوحيد لهذه الدول وحلفائها في المنطقة لتجنب الوقوع تحت ”رحمة“ الزمن الإسرائيلي. والأهم من هذا كله هو تعزيز صلابة الجبهة الداخلية لكل دولة وتماسكها.
أستاذ العلاقات الدولية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس




تعليقات الزوار ( 0 )