أثار تحقيق موسّع نشرته صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، أمس الأحد، جدلا واسعا حول طبيعة الدور المصري في الحرب الدائرة بالسودان، بعدما تحدث عن تشغيل طائرات مسيّرة عسكرية تنطلق من قاعدة جوية “سرّية” داخل الأراضي المصرية لاستهداف مواقع تابعة لقوات الدعم السريع، بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي).
وبحسب التحقيق، فإن القاعدة تقع في منطقة شرق العوينات جنوب غربي مصر، داخل مشروع استصلاح زراعي ضخم تديره جهات عسكرية ويضم استثمارات أجنبية، من بينها شركات إماراتية. وتشير صور أقمار صناعية وسجلات طيران حللتها الصحيفة، إلى توسعة مدارج الطيران وبناء حظائر يُرجّح استخدامها لأغراض عسكرية، مع رصد وجود طائرات مسيّرة متقدمة من طراز بيرقدار أقنجي التركية.
ويقول التقرير إن هذه الطائرات نُقلت إلى القاعدة المصرية منذ منتصف عام 2025، وتستخدم في تنفيذ ضربات عميقة داخل السودان ضد قوات الدعم السريع، خاصة بعد سقوط مدينة الفاشر في دارفور أواخر العام الماضي، وهو الحدث الذي اعتبرته القاهرة “تجاوزا” لخط أحمر نظرا لتداعياته الأمنية والإنسانية، بما في ذلك تدفق اللاجئين نحو الحدود المصرية.
ورغم أن الصحيفة نقلت عن مصادر أمريكية وأوروبية وشرق أوسطية أن الطائرات تُشغل من داخل مصر، فإنها لم تتمكن من الجزم بما إذا كان من يدير العمليات هم عناصر من الجيش السوداني أم المصري. كما امتنعت وزارتا الخارجية والدفاع في مصر، وكذلك الحكومة السودانية، عن الرد على استفسارات الصحيفة، ما زاد من غموض الصورة.
ويضع التحقيق هذا التطور في سياق إقليمي شديد التعقيد. فالإمارات، التي تنفي رسميا دعم أي طرف في الحرب، متهمة من قبل مسؤولين غربيين بتزويد قوات الدعم السريع بطائرات مسيّرة صينية وأنظمة تشويش ودفاع جوي، عبر مسارات تشمل شرق ليبيا الخاضع لسيطرة قوات خليفة حفتر. في المقابل، تشير التقارير إلى دعم تركي وقطري للجيش السوداني، مع موقف سعودي أقل وضوحاً في المرحلة الحالية.
ويبرز التقرير المعضلة التي تواجهها القاهرة، إذ تعتمد اقتصاديا بشكل كبير على الاستثمارات الإماراتية، في وقت يُفهم من المعطيات الميدانية أن مصر باتت عملياً طرفاً منخرطاً عسكرياً إلى جانب الجيش السوداني. وقد تجلّى ذلك في تهديدات أطلقها حميدتي، اعتبر فيها أي مطار تنطلق منه الطائرات المسيّرة «هدفاً مشروعاً».
ولا يتوقف الغموض عند السودان. فالتساؤلات تمتد إلى مستقبل الموقف المصري من شرق ليبيا وقوات حفتر، في ظل مؤشرات على تنسيق مصري متزايد مع الجزائر وتونس لدعم وحدة ليبيا، وتزامن ذلك مع تقارب سعودي–مصري أعقب فتورا في العلاقات السعوديةـ الإماراتية.
في الواقع لا يقدم تحقيق نيويورك تايمز دليلا قاطعا على إعلان حرب مصرية مباشرة ضد ميليشيات حميدتي، لكنه يرسم صورة لانخراط عسكري غير معلن، يعكس تحوّلا في السياسة المصرية من الدبلوماسية الحذرة إلى التدخل الصامت، في واحدة من أكثر حروب المنطقة دموية وتعقيدا.



تعليقات الزوار ( 0 )