في تطور سياسي لافت داخل إسبانيا، أعادت نقاشات برلمانية حديثة ملف سبتة ومليلية إلى واجهة الجدل، بعدما ربط نواب من أحزاب إسبانية مواقف الولايات المتحدة التوسعية المحتملة بإمكانية طرح سيناريوهات تمس المدينتين المحتلتين.
نقاش أثار تساؤلات واسعة في مدريد، ووجد صداه سريعاً في الإعلام الإسباني، لما يحمله من أبعاد سيادية وإقليمية تهم المغرب بشكل مباشر.
ووفق ما أوردته صحيفة “إلفارو دي ثيوتا” الإسبانية، فإن الجدل تفجّر خلال جلسة عامة للبرلمان الإسباني خُصصت لمناقشة السياسة الخارجية لمدريد، خاصة على ضوء مواقف إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إزاء قضايا دولية حساسة، من بينها فنزويلا وغرينلاند.
وخلال هذه الجلسة، طرح نواب من أحزاب “بيلدو” و”الحزب القومي الباسكي” و”الكتلة القومية الغاليسية” تساؤلات صريحة حول مدى قدرة الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي على حماية السيادة الأوروبية في حال تعرضت لضغوط خارجية.
اللافت في النقاش كان إدراج سبتة ومليلية ضمن هذا السياق. إذ تساءل المتحدث باسم حزب بيلدو، جون إينياريتو، عمّا قد يحدث “إذا طالب المغرب يوماً ما بسبتة ومليلية”، متسائلاً في الوقت ذاته عن دور حلف الناتو في مثل هذا السيناريو، ومدى التزامه الفعلي بالدفاع عن “الأراضي الأوروبية” حسب وصفه.
واعتبر إينياريتو أن الوضع “سوريالي”، خاصة في ظل تهديد دولة كبرى داخل الحلف، في إشارة إلى الولايات المتحدة، لسلامة أراضي حلفائها.
من جهتها، ذهبت النائبة عن الحزب القومي الباسكي، ماريبيل فاكويرو، إلى أبعد من ذلك، معتبرة أن الولايات المتحدة باتت تمثل “أكبر خطر جيوسياسي دولي”، في ظل سعيها للسيطرة على الموارد الطبيعية والمسارات التجارية الجديدة، خصوصاً في القطب الشمالي. ودعت إلى اتحاد أوروبي أكثر استقلالية في قضايا الدفاع والأمن، بعيداً عن التبعية لواشنطن.
كما شهدت الجلسة مواقف أكثر حدة من أحزاب يسارية أخرى. فقد وصفت زعيمة حزب “بوديموس”، إيوني بيلارا، مشاركة إسبانيا في مهام أمنية خارجية بأنها “عديمة الجدوى”، ودعت إلى مراجعة العلاقة مع الولايات المتحدة، بل وطرحت فكرة إغلاق القواعد العسكرية الأميركية فوق التراب الإسباني، معتبرة أن حلف الناتو “فقد مبررات وجوده”. وفي الاتجاه نفسه، دعا نواب من أحزاب قومية ويسارية إلى استفتاء شعبي حول عضوية إسبانيا في الحلف الأطلسي.
وبالنسبة للمغاربة، يعكس هذا النقاش حجم القلق الكامن داخل بعض الأوساط السياسية الإسبانية من التحولات الدولية ومن تنامي دور المغرب كفاعل إقليمي وشريك استراتيجي للغرب، خصوصاً في ملفات الأمن والهجرة.
كما يكشف، في الوقت ذاته، استمرار حضور سبتة ومليلية في المخيال السياسي الإسباني كقضية حساسة، تُستحضر كلما اهتزت التوازنات الجيوسياسية.
ورغم أن هذه التصريحات لا تعبّر عن موقف رسمي للحكومة الإسبانية، فإنها تؤشر على تصدعات داخلية في الرؤية الاستراتيجية لمدريد، وتؤكد أن ملف المدينتين المحتلتين يظل ورقة حاضرة في النقاش السياسي الإسباني، كلما طُرحت أسئلة السيادة والتحالفات الدولية في سياق عالم يتجه نحو مزيد من الاضطراب.




تعليقات الزوار ( 0 )